الشيخ أحمد زروق فقيه جمع بين الحقيقة والشريعة، ولد بمدينة فاس في يوم الخميس الثامن عشر من محرم سنة ست وأربعين وثمانمائة، ونشأ بها يتيما، ولكنه وجد من يكفله ويرعاه ويوجهه للعلم، فانكب على التزود من ينابيع المعرفة بإخلاص وحزم، ولم يكتف بشيوخ مدينة فاس وحدهم، فرحل إلى جهات أخرى راغبا في الاستزادة، هادفا إلى التحصيل، إلى أن وافاه الأجل بليبيا، فدفن بتكرين من عمل طرابلس الغرب عام 899 هـ، ومر في رحلته ببلاد تونس والجزائر وليبيا ومصر ثم وصل إلى الحجاز، وفي كل هاته البقاع كان يستمع إلى العلماء وينتقي منهم ما يطفئ غليله ويقوي ملكته، وأحس أثناء تجواله أن العالم الإسلامي محتاج إلى نوع من الوحدة الروحية المعتمدة على أصول التشريع وقوانين الفقه، لذلك أراد أن يحقق هذه الوحدة في إطار عملي يجمع بين حقيقة الإسلام وحقيقة الإيمان والإحسان، واستطاع بما يملك من قدرات عقلية ومن موسوعة علمية أن يصل إلى مراده وأن يقرب المدلول الصوفي إلى المدلول الفقهي، وأن يبعد عنه كثيرا من مظاهر الغموض والإبهام والالتباس.
وهو وإن أباح اختلاف الرؤى في البحث عن الحقيقة وفي الوصول إلى معرفة الله فإنه لم يقبل بأي وجه من الوجوه تحريف القصد أو تزوير الوسائل، بمعنى أنه إذا كان لا يعارض الحرية الفكرية فهو في الوقت ذاته لا يستهتر بقيمة الالتزام بقواعد الإسلام، ولا يستهين بطهارة الروح، لذلك نراه في مواقفه يقاوم كل الذين يستعملون بعض مظاهر التصوف طريقا إلى التحكم والاستبداد، أو وسيلة من وسائل تخدير العقول وسلب مقوماتها، وهذا هو السبب التي دفعه إلى معارضة الثائر المغربي عمرو بن سليمان السياف  (1)أحد تلامذة الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، فقد غلا غلوا أداه إلى تعطيل بعض الأحكام الشرعية، واستمال عددا من الأتباع الذين صاروا خطرا على أمن الدولة وعلى سلامة أصول الدين، وكان يسمي أتباعه بالمريدين بضم الميم، فإذا باحمد زروق كان يقول: الأجدر أن يلقبوا بالمريدين بفتح الميم أي الشياطين الماكرين الذين عطلوا الأحكام واستهانوا بممارستها الدائمة.
ولم يكن موقفه العدائي لهذه الطائفة عداء التصوف، ولكنه كان عداء لكل ما يزيل هيبة الشريعة في نفوس الخلق، ولذلك كان المؤرخون يلقبونه بمحتسب الصوفية، أي المتتبع لأقوالهم وأفعالهم، والمنبه على ما في بعض مواقفهم من الاضطراب المؤدي إلى بعض المزالق وفي الوقت ذاته المبرز لما يمكن أن يؤديه التصوف من أثر على تربية الإنسان وتوجيهه نحو الخير والصلاح، وعلى ما له من القدرة على خلق الانسجام بين إرادته وبين غرائزه، إذ من المعلوم أن للتربية أثرا كبيرا في خلق هذا الانسجام، فهي القادرة على جعل الإنسان ضابطا لنفسه متحكما في بعض سلوكاته.
ولا يمكن للتربية أن تقوم بهذا الدور إلا إذا توفرت لها شروط ضرورية لا يستغنى عنها في البلوغ إلى الأهداف، وهي تتلخص فيما يأتي:
أولا: معرفة حقيقة الإنسان.
ثانيا: معرفة القيم التي ينبغي توجيهه إليها.
ثالثا: السعي وراء خلق الانسجام بينه وبين تلك القيم.
أما معرفة الإنسان فتحتاج إلى دراسة فيزيولوجية ودراسة نفسية تعين على تتبع أحوال النمو وعلى مراقبتها ليتسنى للمراقب أن يوازن بين الفرد ومراحل تكوينه من جهة، وأن يقارن بينه وبين غيره من جهة أخرى، وهنا لا بد من دراسة الأحوال الاجتماعية ليعرف المراقب أثرها في تربية الفرد وفي توجيه الوجهة الصالحة.
أما معرفة القيم فينبغي ربطها بالقيم الفطرية التي تجعل التعاون والمواساة والإخلاص والحب والرحمة والإيثار صفات إنسانية ضرورية لخلق الترابط البشري، وإلا سادت الأنانية، وعمت القسوة، وأصبح الإنسان كالحيوان أو أضل سبيلا.
وأما السعي وراء خلق الانسجام بينه وبين تلك القيم فهو المجهود العملي الذي ينبغي أن يتولاه المكلفون بجد، وأن يراقبوه بدقة، لأن المسؤولية ليست مسؤولية الصدفة، وإنما هي مسؤولية الواجب المفروض، فلا يجوز لأي فرد تحمل مسؤولية التربية أن يهمل القيام بها، لأن الإهمال يجعله مخلا بالمقومات التي بنيت على أساسها تلك الشروط المذكورة سابقا.
وإذا كانت هاته الشروط ترتبط بالمربي وتتعلق بالمسؤول فما هو دور هذا الذي يتلقى التربية بذاته؟ إن دوره في المرحلة الأولى من طفولته يكاد يكون سلبيا، لأنه يتلقى ويشاهد ويتأثر، وكلما كبرت سنه زاد استيعابه حتى يصل إلى حد البلوغ والتكليف، وحينئذ يصبح مسؤولا مع المسؤولين ويصير ملزما بمراقبة نفسه وبتتبع أحواله، وبمخالطة من يحسن نصحه وتوجيهه، ولم يكن المجتمع الإسلامي بالذي يهمل هذه الظاهرة التي تفرض على الإنسان مراقبة نفسه والاقتداء بمن هم أقرب إلى الخير من غيرهم، فتكونت فيه هيآت صوفية كان هدفها الحرص على الإخلاص في الأقوال والأفعال وتطهير النفس من أدرانها في الحال والمآل.
وحيث إن هذه الهيآت اختلفت مداركها وتنوعت اختصاصاتها وتعددت رؤاها في الحياة وفي الإنسان فقد تنوعت بسبب ذلك حقيقة نظرتها للوجود، وتعددت تأويلاتها لتفسير الأخلاق وتشعب أحكامها حول دور الإنسان فيما يصدر عنه من أعمال، الشيء الذي أدى إلى تضارب كبير في المناهج الموصلة إلى الغايات، وإلى تناقض جعل الحكم بين بعض المفاهيم الصوفية يكاد يكون عسيرا، والسبب في ذلك هو غلبة الأحوال التي تعجز اللغة أحيانا عن الإفصاح عنها أو غلبة الشعور الديني الذي يدفع الإنسان إلى تنزيه الخالق عن الصفات التي لا تليق به، فيؤدي ذلك إلى الغموض في التعبير الذي لا يتلاءم مع الصفات الواضحة التي تنزه الله عز وجل عن الشريك. وهنا قد يصبح التصوف خطرا على من لم يكن مؤهلا له بطبعه، اللهم إلا إذا اقتصر المريد على التصوف الخالص البعيد عن كل ما يشوبه من الغموض والإبهام.
فالتربية إذن عن طريق التصوف ينبغي ربطها بإطارها المناسب، فلا يعامل فيها كل الناس معاملة واحدة، إذ لا بد من تقسيمهم حسب قدراتهم العقلية وحسب استعداداتهم النفسية، وقد تنبه لهذه الفكرة الإمام زروق فألف كتبا في هذا الباب، من ألمعها حقيقة وأقواها دقة، الكتاب (الموسوم بقواعد التصوف على وجه يجمع بين الشريعة والحقيقة، ويصل الأصول والفقه بالطريقة)، هو كتاب كما يدل عليه اسمه مبني على أساس شرعي دقيق، حاول مؤلفه أن يجعله نموذجا للصوفي المرغوب فيه، الذي لا ينقاد للشطحات، ولا ينساق للمبهمات، ولكنه في الوقت ذاته أشار في بعض قواعده إلى أن النظرة الصوفية تختلف باختلاف درجات المتلقين في تفهم أبعاد النفس البشرية دون الانسياق إلى مزالق بعض التفسيرات، لأن التصوف في حده ورسمه لا يخرج عن طريق الصدق في التوجه إلى الله.
ولذلك قال في إحدى قواعده:  (2)
“الاختلاف في الحقيقة الواحدة إن كثر، دل على بعد إدراك جملتها، ثم هو إن رجع لأصل واحد يتضمن جملة ما قيل فيها كانت العبارة عنه بحسب ما فهم منه، وجملة الأقوال واقعة على تفاصيله، واعتبار كل واحد حسب مناله منه، علما أو عملا، أو حالا أو ذوقا أو غير ذلك، والاختلاف في التصوف من ذلك، فمن تم ألحق الحافظ أبو نعيم رحمه الله بغالب أهل حليته عند تحليته كل شخص قولا من أقواله يناسب حاله قائلا: وقيل إن التصوف كذا، فأشعر أن من له نصيب من صدق في التوجه له نصيب من التصوف، وأن تصوف كل أحد صدق توجهه، فافهم”.
وقال في قاعدة أخرى: إن صدق التوجه مشروط بكونه من حيث يرضاه الحق تعالى وبما يرضاه (3)، أي أن يكون وفق القواعد الشرعية، وأن يكون مندمجا تحت صورة الإيمان حتى لا يخرج التصوف عن جادة الحق وطريق الصواب.
هذا، وإنه لينبغي لمن يدرس أحوال القوم ألا يغتر بعبارات بعضهم، وألا يهيم فيها ويتيه، وألا يتعرض لشرحها دون علم، وألا يجعل الصورة الظاهرة للفظ محط عنايته، إذ الغرض من التعبير ما يهدف إليه به، فإذا كان القصد الحسن لا تدل عليه اللغة المستعملة فليحاول التأويل السليم خشية أن يقع في الضلال، ويسقط الناس في المحظور.
وعلى أساس هذا المنظور ينبغي الاستماع ببعض العبارات الذاتية الذوقية التي تدخل في فيض الخواطر، وفي تدفق الإحساس، وحينئذ لا يجد من اتسع صدره وكثر علمه حرجا في أن يطلع على مختلف الاتجاهات الصوفية، وأن يتأمل في إشاراتها ورموزها، ولكنه لا يسمح له إذا خشي الفتنة أن يذيع ما يثير البلبلة والقلق في نفوس المؤمنين.
وما قررناه لا يتنافى مع الاتجاهات الشرعية، ولا يتعارض مع ذوق أهل التصوف، وذلك ما كان يهدف إليه الإمام أحمد زروق رحمه الله حينما حاول في هذه القواعد الربط بين الفقه والتصوف، وإبراز مظاهر التوفيق بينها، وهو اتجاه أراد به إزالة بعض الفروق التي أدت إلى تحريف التصوف عن وجهته، أو التي أدت إلى فصل الفقه عن روحه الأخلاقية، فالهدف من الفقه والتصوف واحد.
ولهذا قال في إحدى قواعده: (4)
“الاشتراك في الأصل يقضي بالاشتراك في الحكم، والفقه والتصوف شقيقان في الدلالة على أحكام الله تعالى وحقوقه، فلهما حكم الأصل الواحد في الكمال والنقص، إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر في مدلوله. وقد صح أن العمل شرط كمال العلم فيهما وفي غيرهما لا شرط صحة فيه، إذ لا ينتفي بانتفائه، بل قد يكون  لأن العلم إمام العمل، فهو سابق وجوده حكما وحكمة، بل لو شرط الاتصال لبطل أخذه، كما أنه لو شرط في الأمر والنهي العمل للزم ارتفاعهما بفساد الزمان، وذلك غير سائغ شرعا ولا محمود في الجملة، بل قد أثبت الله العلم لمن يخشاه وما نفاه عمن لم يخشه، واستعاذ عليه السلام من علم لا ينفع، وقال: أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه  (5)فسماه عالما مع عدم انتفاعه، فلزم استفادة العلم من كل محق فيه محقق له ليس ضرر علمه في وجه إلقائه كعدم اتصافه فافهم.
إن هذه القاعدة رغم كونها توحي باستقلال العلم عن العمل فهي ترغب في العمل بطريق غير مباشر، بل إنها ترغب في أن يكون العلم أصلا للعمل، لئلا ينحرف بصاحبه عن جادة الصواب.
ومن المعلوم أن صفاء النفس وخلوص النية من أهم ما يعين على سلامة الطوية وعلى استغلال العلم لما فيه خير الفرد والجماعة.
وهذا هو السر في أن الإمام زروقا رحمه الله أراد في كتابه هذا أن يدلنا على معاني التصوف، وأن يرشدنا إلى كثير من خصائصه، وقد نبهنا إلى أن المتصوفة أكثروا من التعاريف التي تدل على مقاصدهم حتى إنهم بلغوا بها إلى حد الألفين، ولكنه اختار من هذه التعاريف خمسة تنسجم مع أصل اشتقاقه فقال: (6)
“الاشتقاق قاض بملاحظة معنى المشتق والمشتق منه، فمدلول المشتق مستشعر من لفظه، فإن تعدد الشعور، إن أمكن الجمع فمن الجميع، وإلا فكل يلاحظ معنى فافهم، إن سلم عن معارض في الأصل، وقد كثرت الأقوال في اشتقاق التصوف، وأمس ذلك بالحقيقة خمسة:
* الأول: قول من قال من الصوفة، لأنه مع الله كالصوفة المطروحة لا تدبير لها.
* الثاني: أنه من صوفة القفا للينها، فالصوفي هين لين كهي.
* الثالث: أنه من الصفة، إذ جملته اتصاف بالمحاسن، وترك الأوصاف المذمومة.
* الرابع: أنه من الصفاء، وصحح هذا القول حتى قال أبو الفتح البستي رحمه الله:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا
وظنه البعض مشتقا من الصوف
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى
صفا فصوفي حتى سمي الصوفي
• الخامس: أنه من قول من الصفة، لأن صاحبه تابع لأهلها فيما أثبت الله لهم من الوصف، حيث قال تعالى: “يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه” ،(7) وهذا هو الأصل الذي يرجع إليه كل قول فيه والله أعلم.
واستمر الإمام زروق في ذكر قواعده مستخدما أسلوبا علميا يرتكز على الاستخدام العقلي، ويعتمد على التسلسل الفكري المنتج، سواء فيما يتصل بتحليل متعلقات التصوف، أو فيما يتصل بتحليل متعلقات التصوف، أو فيما يتصل بتحليل متعلقات الفقه، وهو في ذلك يسير وفق تخطيط أظهره في إحدى القواعد، ويستند هذا التخطيط على مراحل ضرورية لا يمكن للمتعلم أن يستفيد من علمه إلا إذا سار عليها وتتبع درجاتها.
• المرحلة الأولى: مرحلة التلقي والقبول.
• المرحلة الثانية: مرحلة التصور والتفهم.
• المرحلة الثالثة: مرحلة التعليل والاستدلال
• المرحلة الرابعة: مرحلة العمل والنشر.
وهي مراحل ضرورية في التكوين العلمي، وفي استخدام المعلومات استخداما منتجا، لأن المعرفة تحتاج إلى الاستماع أولا، ثم إلى استيعاب المعلومات ثم إلى الاستدلال لها لترتبط بالإطار العقلي والنقلي، فلا تبقى معلومات تلقينية خالية من وسائل الفهم الدقيق.
ثم بعد ذلك يأتي دور العمل ودور الدعوة والتلقين، لأن هذه المرحلة الأخيرة هي الرتبة العملية التي تجعل المسؤول قادرا على تحمل مسؤوليته، فالعلم السطحي غير منتج، والتحصيل دون تفهم لا فائدة منه، والتفهم بغير تعليل لا جدوى من ورائه، والمعرفة المعللة إذا لم تطبق ولم يعمل من وهب له على نشرها كانت كالعدم.
ولهذا قال الشيخ زروق رحمه الله:  (8)”لكل شيء وجه، فطالب العلم في بدايته شرطه الاستماع والقبول، ثم التصور والتفهم، ثم التعليل والاستدلال، ثم العمل والنشر، ومتى قدم رتبة عن محلها حرم الوصول لحقيقة العلم من وجهها، فعالم بغير تحصيل ضحكة، ومحصل دون تصوير لا عبرة به، وصورة لا يحصنها الفهم لا يفيدها غيره، وعلم عري عن الحجة لا ينشرح به الصدر، وما لم ينتج فهو عقيم، والمذاكرة حياته لكن بشرط الإنصاف والتواضع، وهو قبول الحق لحسن الخلق، ومتى كثر العدد انتفيا فاقتصر ولا تنتصر، واطلب ولا تقصر، وبالله التوفيق”.
ولعل المتأمل في هذه القاعدة سيرى أن الشيخ رحمه الله لم يكن يجهل حقيقة الطلب، فهو عالم خبير بالطرائق التربوية السليمة التي تمكن الطالب من المعرفة وتدله على أيسر سبلها، وتعلمه استجلاب الفائدة عن طريق المواصلة والمواظبة والاجتهاد، وعن طريق تلاقح الأفكار بالمذاكرة المنتجة المتصفة بالإنصاف والتواضع.
ولا شك أن ما ذكره يدخل في آداب العلم، ويندمج في حقيقة الطلب النافع الذي يهدف إلى شمولية المعرفة وتتبع رتبها.
ومن المعلوم أن هذه الشمولية تعين على الإبداع، وتساعد على خلق ملكة تسهم في التطور العلمي، وتجعل المتأخرين يضيفون إلى المعرفة ما لم يصل إليه الأولون، فالإنتاج العلمي في تطور، ولكن لا يستطيع الكشف عن خباياه والإضافة إليه إلا من كان على خبرة في مجال اختصاصه.
ولهذا يقول الشيخ زروق رحمه الله:  (9)”إذا حقق أصل العلم، وعرفت مواده، وجرت فروعه، ولاحت أصوله، كان الفهم فيه مبذولا بين أهله، فليس المتقدم فيه بأولى من المتأخر، ولو كان له فضيلة السبق، فالعلم حاكم، ونظر المتأخر أتم، لأنه زائد على المتقدم، والفتح من الله من المأمول لكل أحد، ولله در ابن مالك رحمه الله حيث يقول: إذا كانت العلوم منحا إلاهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين، نعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف”.
فهو في القاعدة ينطلق من الواقع، ويستخدم الممكن العقلي في اكتساب المعرفة التي هي في متناول الإنسان عبر العصور، ويسير في تحليل فكرته وفق تخطيط مركز منسجم مع منهاجه العام في كتابة هذه القواعد، التي كان يعتد فيها بالعلم في المجال العلمي، كما كان يعتد فيها بالأحوال في المجال الذوقي بمعنى أنه كان في الأمور العلمية ينطلق من المناقشة الموضوعية المبنية على أصول العلم، وأنه في الأمور الذوقية كان يسلم الأمور لأصحابها دون أن يلزم الناس باتباع ما توصلوا إليه في هذا المجال.
ذكر في إحدى قواعده ما يأتي(10)  “مبنى العلم على البحث والتحقيق، ومبنى الحال على التسليم والتصديق، فإذا تكلم العارف من حيث العلم في قوله بأصله من الكتاب والسنة وآثار السلف لأن العلم معتبر بأصله، وإذا تكلم من حيث الحال سلم له ذوقه، إذ لا يوصل إليه بمثله، فهو معتبر بوجدانه، فالعلم به مستند لأمانة صاحبه، ثم لا يقتدى به لعدم حكمه إلا في حق مثله.
قال أستاذنا لمريديه: يا بني، برد الماء، فإنك إن شربت ماء باردا حمدت الله بكلية قلبك، وإن شربته سخنا حمدت الله عن كزازة نفس.
قال: يا سيدي، فالرجل الذي وجد قلته قد انبسطت عليها الشمس. فقال أستحيي من الله أن أنقلها لحظى.
قال: يا بني، ذلك صاحب الحال لا يقتدى به. انتهى
وفائدة هاته الملاحظة معينة على تهذيب الإنسان وتربيته، لأنها لا تفقده عنصر العقل، ولا تحرمه من إثبات الذات، ولا تحول بينه وبين اكتساب المعارف عن طريق البحث المجرد، وعن طريق استخدام النصوص الشرعية ونقلها نقلا نزيها يعينه على الفهم، ويدفعه إلى الالتزام بما أرشد إليه العلم لا بما جاء من الأعمال الفردية المنسجمة مع حال من قام بها، فهي ليست داخلة في باب الإلزام، ولا في باب التقليد.
وكل من ربي على منهج هذا القاعدة فإنه سيغلب عليه التحقق، وسيتحرر من قيود التبعية الغير المشروعة، وسيصبح له قسط من الحرية يتصرف فيه، لأنه حينئذ يرتكز على أصول المعرفة، ويستمد منها رسم الطريق السليم فتصبح أعماله مبنية على الإيمان بصلاحيتها لا على التقليد المطلق، وتلك مزية إذا وصل إليها الإنسان اندمج في عداد القائمين بالأعمال الصالحة عن رغبة وتشوق، وعن لذة واستمتاع، وذلك ادعى للديمومة والمواصلة.
وانطلاقا من هذا التوجيه كان المرغوب في الأخلاق أن لا تكون مبنية على أساس التقليد دون معرفة أسرارها، لأن التحلي بالشمائل الفاضلة إذا كان مبنيا على المعرفة كانت النفس ميالة إلى مواصلة الاتصاف بها، وكانت منشرحة إلى ممارستها، أما إذا كانت لا تعرف قيمتها في ذاتها فقد يحدث تعب في الاقتداء بها، ونصب في السير على منوالها.
ولهذا قال الشيخ زروق رحمه الله (11)مدار الأصول على تحلية الإيمان بالإيقان، وتحقيق اليقين حتى يكون في معد العيان، بأن ينشأ عن تحققه تمكن الحقيقة من نفسه يقدم ويحجم لما قام به من الحقيقة من غير توقف، ويكون سلوكه فيما تحقق، ولذلك ينشرح صدره أولا وآخرا، فيصل في أقرب مدة، إذ من صار إلى الله من حيث طبعه كان وصوله على قدر بعده عن طبعه.
ومن هذا الوجه قال في “التاج”: لا تأخذ من الأذكار إلا ما تعنيك القوى النفسانية عليه بحبه، قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: الشيخ من دلك على راحتك لا على تعبك، وقال الشيخ أبو محمد عبد السلام ابن مشيش رضي الله عنه لما سأله الشيخ أبو الحسن عن قوله عليه السلام: “يسروا ولا تعسروا” يعني: “دلوهم على الله ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك” (انتهى)، وتفصيل هذه الطريقة في كتب ابن عطاء الله ومن نحا نحوه.
ومن هذه القاعدة نرى أن الإمام زروقا يومن بالاتجاه الذي سار عليه أبو الحسن الشاذلي، وسيدي عبد السلام بن امشيش وابن عطاء الله السكندري، ذلك الاتجاه المقتبس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم المبين بأن الرحمة أعظم ما يلتجئ إليه الإنسان، فهي المبلغة للجنة، وأما العمل فإنما هو متصل بالطاعة إن أمرا وإن نهيا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته” وتلك مزية من مزايا الإسلام، تبعد العابد عن الأنانية وتبعده عن الاعتزاز بعمله، وتجعله واعيا بأن المشقة في العمل ليست ذات فضل على القيام به بدون مشقة، لأن الثواب والعقاب مرتبطان بالطاعة لا بالإرهاق.
وفي هذا المجال نستأنس بما ذكره الشيخ زروق في إحدى قواعده حيث قال:  (12)”العبادة إقامة ما طلب شرعا من الأعمال الخارجة عن العبادة أو الداخلة، سواء كان رخصة أو عزيمة، إذ أمر الله فيهما واحد، فليس الوضوء بأولى من التيمم في محله، ولا الصوم بأولى من الإفطار في محله، ولا الإكمال بأولى من القصر  (13)في موضعه، وعليه يتنزل قوله عليه السلام: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تترك عزائمه  (14)لا على الرخصة المختلف في حكمها، إذ الورع مطلوب في كل مشكوك الحكم، بخلاف المحقق، فإن تركه تنطع، وعلى هذا الأخير يتنزل كلام القوم في ذم الرخص والتأويلات، والله أعلم”.
فالاستواء الخلقي إذن مرتبط بتفهم حقيقة العبادة، وبتتبع روحها، وليس مرتبطا بالشكل المعقد إذا أغنى عنه البسيط، ولا بالشكل الصعب إذا أغنى عنه السهل الميسر، فالدين يسر، ولا يشاده قوم إلا غلبهم.
وهذا الاعتدال في الالتزام هو الصورة البريئة للطاعة، وهي صورة بعيدة عن التشويه، منزهة عن التضييقات التي أصبح بعض الناس يرهقون بها أنفسهم، فلا يبقون لروح العبادة صفاءها، ولا يتركون لها ما فيها من السر العميق والحكمة المقصودة.
ورغم كون الشيخ زروق لم يتساهل في قضية التضييق على النفس، وفي جلب المشقة لها، فإنه قد تسامح نسبيا في شرح معنى التصوف، واعترف بوجود اتجاهات تكاد تكون متضاربة، نظرا لاختلاف وسائل الاستدلال، لا للاختلاف في حقيقة الوصول، لأن الغاية عندهم واحدة، ولعله من هذه الوجهة آمن بإمكانية الاختلاف نظرا لتعدد أسباب المعرفة، وذكر أن هذا الاختلاف قد أدى إلى غموض الفروق، وإلى تعذر فهمها، الشيء الذي جعل بعض الصلحاء يحذرون من قراءة كتب بعض الصوفية ومن الاطلاع عليها.
وهو هنا أيضا كان معتدلا في الحكم فذكر أن التحذير ينبغي أن ينصب على بعض الجزئيات فقط لا على الكل، وإلا كنا محاربين للفكر، مطيقين على أسباب المعرفة.
وفي هذا المجال قال في إحدى قواعده ما يأتي:  (15)”حذر الناصحون من تلبيس ابن الجوزي وفتوحات الحاتمي، بل كل كتبه أو جلها كابن سبعين، وابن الفارض، وابن احلا، وابن دوسكين، والعفيف التلمساني، والأيكي العجمي، والأسود الأقطع، وأبي إسحاق التجيبي، والششتري، ومواضع من “الإحياء” للغزالي، جعلها في المهلكات منه، والنفخ والتسوية له، والمضمون به على غير أهله، ومعراج السالكين له، والمنقذ، ومواضع من “قوت القلوب” لأبي طالب المكي، وكتب السهروردي ونحوهم، فلزم الحذر من شوارد الغلط لا تجنب الجملة ومعاداة العلم، ولا يتم ذلك إلا بثلاث: قريحة صادقة، وفطرة سليمة، وأخذ ما بان وجهه وتسليم ما عدا ذلك، وإلا هلك الناظر باعتراض على أهله، وأخذ الشيء على غير وجهه، فافهم”.
والمتأمل في هذه القاعدة سيلاحظ أن الشيخ زروقا لم يحجر على الناس أبواب المعرفة إذا كان لهم استعداد فطري لذلك، ومؤهلات تخول لهم الاطلاع على خبايا ما هنالك ومع ذلك فإنهم إن عجزوا عن الوصول اقتصروا على ما وضح لهم، وتركوا الغامض والمبهم لأهله إلى أن يتيسر لهم سبر غوره، فالعلم مواظبة ومواصلة، وما عجزوا عن فهمه اليوم فإنه قد يتضح لهم غدا.
وبالتعليق على هاته القاعدة ننهي الحديث عن هذا الكتاب الذي يعد نبراسا مضيئا ينير الطريق أمام الباحثين والمفكرين في العصر الحاضر، وفي المستقبل، كما أنار الطريق لمن اطلعوا عليه من قبل فكانوا من الموفقين.

 (1)- الاستقصا، الجزء 4 / صفحة 122 (طبعة دار الكتاب).
(2)- القاعدة الثالثة ص 3.
(3) – من القاعدة الرابعة ص 3.
(4) – القاعدة العشرون ص 8.
(5) – سنن الدارمي ج 1/ص 82.
(6)- القاعدة السابعة ص 4.
(7)- سورة الأنعام من الآية 52.
(8)- القاعدة الثامنة والعشرون ص 10.
(9)- القاعدة السابعة والثلاثون ص 13.
(10)- القاعدة التاسعة والثلاثون ص 14.
(11)- القاعدة الثالثة والسبعون ص 26.
(12)- القاعدة التسعون ص 32.
(13)- حرفت عند الطبع فكتبت (من القطر).
(14)- رواه ابن حنبل في “مسنده” برواية أخرى بالجزء الثاني صفحة 108 الطبعة الميمنية.
(15)- القاعدة السابعة بعد المائتين ص 73.