هذا ما عرف في عهد الناصريين الأوائل، ولاسيما عند شيوخ المركز؛ وهو ما ضمن للطريقة الناصرية الانتشار الواسع في كثير من جهات المغرب، وفي بلدان شمال أفريقيا، وبخاصة على طول طريق الحج. بل لقد عرفت في اليمن والهند وأندونيسيا وبلاد السودان. فتعدد تلاميذ الناصريين ومريدوهم في كثير من بلدان العالم الإسلامي.

ومن ثم فسح المجال أمام التعدد والزيادة والتكييف. وقد وقفنا على بدء تدخل الأهواء والميول للتغيير كلما ابتعدنا عن المركز/الزاوية الأم. ففي بعض الأطراف، ظهر عند بعض التلاميذ نزوع إلى نوع من التمحل في التصوف. ولتوضيح ذلك نتوقف عند حالة تلميذ ناصري، هو أحمد بن عبد القادر التاستاوتي. أخذ هذا الرجل الورد عن الشيخ الحسن اليوسي، الذي كان صلة وصل بينه وبين الشيخ مَحمد ابن ناصر. أي أنه نهل مباشرة من المعين.

ومن خلال المراسلات التي تبودلت بين الشيخ وتلميذه نستطيع توضيح بعض معالم الانحراف التي تشين السلوك الصوفي. قال التاستاوتي موجها السؤال لشيخه:” لعلك تحشر وحدك من غير أتباع، إذ من شرط الصحبة الأتباع، فإما أن تمنع أصحابك من المعصية، أو تعاملهم بحسن الخصوصية وعناية الربوبية، حتى يقال لهم مثل ما قيل لأهل بدر، يا أصحاب ابن ناصر اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم…”.

وتمادى في أسئلته التي لم تكن تنتهي، طوال ثماني سنين؛ فقال له مرة أخرى:”سيدي ومولاي عبدك يبتغي الأجر منك أن تضع قدمك على خده ليراك الله واضعا قدمك على خده فيرحمه، فسكت ساعة ثم قال لي: هذه لم أجد لها مندوحة في السنة، ولكن اكتب عني بأنها قضيت بوجه آخر أدبا مع الله..”.

يمكن أن تسعفنا هذه المراسلات في استكناه علاقة المريد بشيخه ومدى ثقته به، وما كان يعقد من آمال من وراء أخذ العهد عليه؛ من جهة. ومن جهة أخرى، فهي تبين التقعر في فهم التصوف، الذي وقع فيه البعض؛ فكان ذلك من الأسباب التي وسعت الخرق في الطرق الصوفية. ولعلنا نعود إلى هذا الجانب في مقال وشيك إن شاء الله.

إذن من هذا العرض السريع يتبين أن تصوف الناصريين، في بدء أمرهم، لم يكن إلا في صميم الشرع الشريف، سواء فيما اتصل بالأذكار العامة أو الأوراد “الرسمية”. هذا في العهد الأول، الممتد من التأسيس إلى نهاية القرن الثاني عشر/18.

أما في العهود الموالية، فسرعان ما عرا الانحراف الزاوية، ولاسيما حين تصدر للمشيخة من كانت بضاعته العلمية مزجاة، مثل الشيخ علي بن يوسف الناصري(ت.1235/1819). فقد سجل محمد بن عبد السلام الناصري، وهو من كبار علماء الزاوية، كثيرا من الانحرافات أوصل عددها في كتابه المزايا إلى أربع وستين، بين بدعة صريحة ومخالفة.