فقوله تعالى:﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ﴾(مريم: 4) جزء من آية دعا فيها زكريا – عليه السلام- ربه، فقال:﴿ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾(مريم: 4).

 وهو تفسيرٌ وبيانٌ لقوله تعالى قبلُ:﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾(مريم: 34)  ؛ ولذلك ترك العاطف بينهما ؛ لشدَّة الوصل. وقوله:﴿ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ﴾. أي: ضعف العظم، ورقَّ من الكبر. وإنما ذكر ضعف العظم ؛ لأنه عموم البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه. فإذا وهن العظم، دل على ضعف جميع البدن ؛ لأنه أشد ما فيه وأصلبه، فوهنُه يستلزم وهن غيره من البدن. وقوله:﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ﴾. أي: انتشر بياض الشيب في الرأس انتشار النار في الهشيم. والشيب: بياض الشعر، ويعرض للشعر البياض بسبب نقصان المادة التي تعطي اللون الأصلي للشعر، ونقصانها بسبب كبر السن غالبًا ؛ فلذلك كان الشيب علامة على الكبر. والاشتعال يكون للنار شبِّه به انتشار الشيب في الرأس على سبيل الاستعارة. ويجمع علماء البلاغة على أن الاستعارة في هذه الجملة من ألطف الاستعارات وأحسنها لفظًا ومعنى، فقد جمعت بين الإيجاز والإعجاز ؛ إذ فيها من فنون البلاغة، وكمال الجزالة ما لا يخفى، حيث كان الأصل أن يقال:( واشتعل شيبُ الرأس ) ؛ وإنما قلب للمبالغة، فقيل:(واشتعل الرأس شيبًا )، فأسند الاشتعال للرأس في اللفظ، وهو في الحقيقة مسند للشيب في المعنى، فأفاد بذلك مع لمعان الشيب في الرأس- الذي هو أصل المعنى- العموم على سبيل الاستغراق والشمول، وأن الشيب قد شاع في الرأس كله، وأخذه من نواحيه، وعم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا المعنى لا يمكن أن يفهم لو قيل:( اشتعل شيبُ الرأس ) ؛ بل لا يوجب اللفظ- حينئذ- أكثر من ظهور الشيب في جانب أو أكثر من جوانب الرأس. ويبين لك ذلك أنك تقول:(اشتعل البيت نارًا )، فيكون المعنى: أن النار قد وقعت في البيت وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه، وأخذت في جميع أطرافه ووسطه. وتقول:( اشتعلت النار في البيت )، فلا يفيد ذلك المعنى الذي أفاده الأول ؛ بل لا يقتضي هذا أكثر من وقوع النار في البيت وإصابتها جانبًا منه أو أكثر.

فأما الشمول، وأن تكون قد استولت على البيت كله، فلا يعقل من اللفظ ألبتة. ونظير ذلك في القرآن قول الله عز وجل:﴿ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا ﴾(القمر: 12)، فالتفجير هنا للعيون في المعنى، وأسند إلى الأرض في اللفظ ؛ كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس، فحصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل الذي حصل هناك ؛ وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد صارت عيونًا كلها، وأصبح الماء يفور من كل مكان منها. ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل:( وفجرنا عيون الأرض )، لم يفد ذلك المعنى، ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه: أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجَّس من أماكن منها. وفي الآية شيء آخر يتعلق باللفظ، وهو تعريف ( الرأس ) بالألف اللام، وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، اكتفاءً بما قيِّد به العظمُ في قوله تعالى:﴿ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ﴾.

وهذا أحد ما أوجب الحسن لهذه الجملة. ولو قيل:( واشتعل الرأس مني)، أو:( واشتعل رأسي )، فصرِّح بالإضافة، لذهب بعض ذلك الحسن. ثانيًا- بقي أن نعلم: لماذا أسند اشتعال الشيب إلى ( الرأس )، ولم يسند إلى ( الشعر )، وهو المراد ؛ كأن يقال مثلاً :( واشتعل الشعر شيبًا ) ؟ والجواب عن ذلك أن يقال: إن ( الرأس ) هو مكان الشعر ومنبته، فأسند إليه الاشتعال، ولم يسند إلى الشعر ؛ لأنّ الرأس لا يعمُّه الشيب إلا بعد أن يعمّ اللّحية والشاربين غالبًا، فعموم الشيب في الرأس أمارة التوغل في كبر السن ؛ ولذلك يقال للشيب إذا كثر جدًّا:( قد اشتعل رأس فلان )، و( شاب رأس فلان ) ؛

 كما قال الشاعر:

 فإن ترى رأسي أمسى واضحا… سلط الشيب عليه فاشتعل

وقال علقمة بن عبدة:

 فإن تسألوني بالنساء فإننـــي… خيرٌ بأدواء النساء طبيب

إذا شاب رأس المرء أو قل ماله… فليس له في ودهن نصيب

  وما أحسن قول الآخر:

 وما شاب رأسي من سنين تتابعت… عليَّ ؛ ولكن شيبتني الوقائع

 والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً ﴾(المزمل: 17).

 وقيل لأعرابي عن الشيب: ما هذا البياض الذي في رأسك ؟ فقال زبدة مخضتها الأيام، وفضة سبكتها التجارب. فخُصَّ ( الرأس ) في ذلك كله بالشيب دون ( الشعر ) ؛ لأن الرأس هو آخر ما يشيب من شعر المرء، وهو أمارة التوغل في كبر السن كما تقدم. وهذا المعنى لا يفهم من قولنا:( اشتعل شعر فلان )، أو ( شاب شعر فلان ) ؛ لأن شيب الشعر قد يكون عن كبر في السن، وقد لا يكون.

 تأمل ذلك في قول الأخوص الرياحي:

 إذا شاب شَعْرُ المَرْءِ قَلَّ سُرورُه… وزَارتْه مِن وَفْدِ الهمومِ المَصائبُ

 ثم إن قولنا:( شاب شعر فلان ) ليس نصًّا في شعر الرأس ؛ لأنه يشمل شعر الرأس، وشعر اللِّحية، بخلاف قولنا:( شاب رأسه )، ويدلك على ذلك قول الله عز وجل:﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾(البقرة: 196)، وقوله تعالى:﴿ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ﴾(المائدة: 6 )، فنهى سبحانه في الأول عن حلق الرؤوس مقيَّدًا ببلوغ الهدي محله، وأمر في الثاني بالمسح بالرؤوس. فلو قيل:( ولا تحلقوا شعوركم )، و( امسحوا بشعوركم )، لأفاد الأول النهي عن حلق شعر الرأس مع شعر اللحية والشاربين، وأفاد الثاني الأمر بمسح شعر الرأس، مع شعر اللحية والشاربين.. فتأمل ذلك.. والله تعالى أعلم !