أو لعله العراق بين قصيدتين. فالسياب، كالجواهري وسعدي يوسف، وقبلهم المتنبي، إسم يومض بالعراق ويخضر بالرافدين. والسياب رمز لأشياء كثيرة وكبيرة: الشعر، الوطن، الموت السريع، وغيرها مما يتداعى إلى ذهن قراءه ودارسيه والمتفاعلين مع قصته وقصيده. وعنواني هنا إشارة إلى بعض ذلك التفاعل الذي تستدعيه الحرب في العراق وعلى العراق. فقد لفتت نظري قصيدتان تتمحوران حول السياب وما يستدعيه السياب من دلالات عميقة وكثيرة، الأولى للشاعر السوري المعروف محمد الماغوط والثانية للعراقي المعروف أيضاً سركون بولص. فما الذي رآه هذان الشاعران في السياب، وماذا سنرى نحن في السياب وفي مارأياه؟
في قصيدة الماغوط “إلى بدر شاكر السياب” ضمن مجموعته الفرح ليس مهنتي (1970) مناجاة حزينة للشاعر الراحل توحي بأن القصيدة كتبت إثر وفاة السياب سنة 1964. ومصدر الحزن ليس وفاة الشاعر العراقي فحسب، وإنما هو أولاً توحد الماغوط بالسياب من حيث المعاناة، فمنذ بداية النص يتضح أن الاثنين رفيقا درب على طريق المأساة وإلى الحد الذي يجعل الماغوط يتمنى قدراً مشابهاً:
يا زميل الحرمان والتسكع
حزني طويل كشجر الحور
لأنني لست ممدداً إلى جوارك
هذه الأمنية المدهشة في بداية النص تتصل بتوصية مدهشة تظهر في نهايتها، وتشكل المصدر الثاني لحزن الشاعر، فقد باتت الحياة من السوء بحيث يبدو الموت قدراً أكثر إشراقاً، وأحرى بأن يتشبث به:
تشبث بموتك أيها المغفل
دافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب
فما الذي تريد أن تراه؟
كتبك تباع على الأرصفة
وعكازك أصبح بيد الوطن
مصدرا الحزن هذان هما أيضاً من مصادر الشعرية في القصيدة، من حيث أنها تبدأ وتنتهي بغير ما هو متوقع من قصيدة رثاء، كما من حيث التراكيب المجازية المتولدة عن الدهشة المؤدية إليها. فالمتوقع من قصيدة رثاء أن تعبر عن الحزن لموت موضوع الرثاء، وأن تؤكد حياة المرثي، على نحو ما، بدلاً من تأكيد الموت (ومن هنا كان اعتبار القصيدة قصيدة رثاء نوعاً من المفارقة).
يختصر الماغوط المأساة التي يعيشها، والتي سبق أن عاشها السياب حسب رؤية الماغوط، في مقطع يشكل العمود الفقري للقصيدة وذلك في خطاب موجه للشاعر الراحل. فهنا يبدو الشاعر مهموماً بهموم الوطن ويريد إسماع صوته للناس في كل مكان ليفاجأ بدلاً من ذلك بصوت “يصرخ من أعماق الليل” يقول له بأن “لا أحد في البيت/ لا أحد في الطريق/ لا أحد في العالم”. يمضي الشاعر بعد ذلك غريباً وهو “واثق بأن المستقبل/ يغص بآلاف الليالي الموحشة …”. لكن صور الوحشة هذه لا تخلو، كما هي عادة الماغوط ومن مميزاته في الشعر العربي المعاصر إجمالاً، من ومضات ساخرة ومضحكة، أو هي امتزاج المأساة بالكوميديا. فصور الوحشة ما تلبث أن تقود إلى تساؤل عما يمكن للشاعر فعله:
هل تضع ملاءة سوداء
على إشارات المرور وتناديها يا أمي
هل ترسم على علب التبغ الفارغة
أشجاراً وأنهاراً وأطفالاً سعداء
وتناديها يا وطني
ولكن أي وطن هذا الذي
يجرفه الكناسون مع القمامات في آخر الليل؟
نعم أي وطن؟ بل وأي دلالات من تلك الصورة تتشبث بأيامنا هذه لتلقي على مصائر الأوطان دلالاتها القاتمة؟
الدلالات القاتمة هي أيضاً ما عرفه السياب في قصيدة سركون بولص “أسطورة السياب والغرين” في مجموعة “الأول والتالي” (دار الجمل، 1992). ومن الطريف التقاء قصيدة بولص بقصيدة الماغوط في رسم بعض وجوه القتامة، على الرغم من افتراق القصيدتين في وجوه أخرى:
عرف السياب منذ البداية
أن الأشياء التي يمكن أن نحبها، قليلة
فحين تطغى المأساة لا يبقى إلا القليل مما يمكن أن يحب ويمكن للشاعر أن يغني له: وجوه الطفولة، حنان الأمهات، وماء العراق:
والنوافذ التي رآها
وانفتحت له في الطفولة، غنى لها، غنى
غنى لها حتى في حريق انتظاره
على أسرة المستشفيات
البعيدة عن ماء
العراق، وتوسل من أجلها حتى
حتى إلى طين السواقي…
تتمثل القتامة في غياب هذه الوجوه الحبيبة، مثلما تتمثل في مشهد آخر أكثر وضوحاً في قسوته، وذلك حين ننتقل من الإنساني البسيط إلى السياسي السلطوي، إلى الاستبداد حين يطبق على مقدرات الوطن وأبناءه. لقد عرف السياب ذلك أيضاً واكتوى بتلك المعرفة:
عرف السياب منذ البداية
أن القدم الحافية لن تسير إلا
إلى معتقل أو مقتلة، والفقر هو الشيطان
طالما كان هذا العالم في بؤسه وبهائه
مأدبة للآخرين
تقام باسمنا في كل مكان
ليسطو عليها البرابرة…
إن مأساة السياب، كما يصورها ابن وطنه بولص، هي في ما أدركه من المآسي، ما عرفه من ظلم الأقربين، وغربة الوطن، وهي أيضاً ما عرفه غيره من أبناء العراق في مختلف المجالات، سواء كانوا شعراء أم فنانين أم أطباء أم علماء أم أناس بسطاء لا علاقة لهم بشيء من ذلك، وسواء عاشوا في العراق أم شردتهم آلة البطش الحكومية إلى منافٍ لا نهاية لها.
كان السياب أحد المتعالين بألم العراق، رآه ورسمه للجميع حتى غدا ألماً أسطورياً في ذاكرة الثقافة العربية المعاصرة وفي وجدانها الشعري بشكل خاص. ألم يكن هو القائل في “أنشودة المطر”:
وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر
رحى تدور في الحقول … حولها بشر
[…]
وكل عام – حين يعشب الثرى – نجوع
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع
[…]
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
من زهرة يربها الفرات بالندى.
ترى لو كان السياب بيننا الآن هل كان سيكتب شيئاً مختلفاً عما كتبه سنة 1960؟ أم أن المعرفة التي امتلكها بوجوه المأساة، كما يقول بولص، ستدفعه للتشبث بموته، كما يقول الماغوط؟ في إحدى قصائده القديمة كتب السياب يعبر عن تشبث مبكر بمصير الشموع حين تذوي بهدوء متجهة نحو الظلام النهائي:
أريد أن أعيش في سلام:
كشمعة تذوب في الظلام
بدمعة أموت وابتسام.