يبدو أن ظهور أشخاص بالمغرب الأقصى، يمكن أن تنسب أحوالهم وأقوالهم إلى التصوف، أي إلى ما يعرف بالتوحيد الخاص المبني على الاعتقاد، بإمكان الوصل، إي إدراك مباشر لبعض تجليات الذات أو حقائق الصفات، واعتبار الروحانية النبوية أساسا لتحقيق ذلك على أكمل معانيه، كان ظهورا متأخرا بالنسبة لبلاد المشرق، وبالنسبة حتى لبلاد إفريقية والأندلس، وذلك على غرار تأخر الظواهر الحضارية الأخرى ثقافية كانت أو سياسية. وقد يكون هذا التأخر فيما يهمنا هنا مرتبطا بتأخر الآثار الكتابية الشاهدة لا بتأخر الظاهرة نفسها.
ولقد كانت أحوال الزهد والورع غالبة على أفراد ممن بلغت إلينا أخبارهم من أهل القرون الإسلامية الأربعة الأولى، دون أن يرد بصدد عدد منهم ما يجعلنا نصنفه في عداد المتصوفة الاصطلاحيين، غير أن التميز بدأ في القرنين الخامس والسادس الهجريين.
وقد ذكر أزيد من أربعمائة وجه من وجوه التصوف بالمغرب في هاذين القرنين في ثلاثة كتب رئيسية سمت مترجميها بالصلحاء والعباد وأهل التصوف، وهي كتاب محمد بن عبد الكريم التميمي وعنوانه: المستفاد في ذكر الصلحاء والعباد بفاس وما والاها من البلاد…؛ وكتاب أبي يعقوب يوسف التادلي وعنوانه: التشوف إلى رجال التصوف…، وكتاب أبي يعقوب البادسي، وعنوانه: المقصد الشريف في صلحاء الريف…
كان من صوفية المغرب في هذا العهد من أخذ عن شيوخ مشارقة، ولا شك أن الرحلة للعلم أو للحج قد دعمت هذا الأخذ…؛ كان من الصوفية أهل حضر وأهل بادية، وكان منهم منسوبون إلى العلم الكتابي، ومنهم من لم يُعرفوا سوى بورع أو كرامات….
ففي ما يخص التحقيب يبدو العنصر الحاسم فيه هو التفاعل مع المجتمع واتخاذ شكل مؤسسي، ومعانقة ملابسات التاريخ في جوانبه الأخرى، وهذا يصدق على التصوف بما غلب عليه من طابع اجتماعي في المغرب…، فالمفروض أن التصوف يرتبط بتجربة الإسلام الروحية: يظهر فيها متى وأنى ظهرت، فيبقى التدوين هو الحاسم عند المؤرخين في التمييز بين مراحل من السيرورة عبر الآثار. وإذا راعينا هذا التدوين فإن القرنين الخامس والسادس الهجريين يشكلان عصر ظهور التصوف المغربي وانتشاره ونضجه وازدهاره في آن واحد، بالنظر إلى أن أعلام القدوة فيه قد عاشوا في القرن السادس على الخصوص.
فعندما كتب ابن الزيات عام 617ھ كتابه في تراجم مائتين وسبعين من المنسوبين إلى التصوف في الجهات التي اهتم بها، أعطانا نماذج متنوعة لمن يمكن إدخالهم في هذه الطائفة، وذكر بصددهم أنواعا من السلوك والقيم يمكن أن تُستنتج منها معايير تصنيف رجال التصوف إلى ذلك العهد، ومنها تظهر أدوارهم الدينية جلية، وتتعلق كلها بالعمل بالقول والفعل والتأثير والقدرة على دمج مجتمع عجمي هامشي في إطار الإسلام وحضارته وتاريخه، وهو دور بارز حتى ولو قيس بأدوار الفاعلين الآخرين كالأمراء والفقهاء والعلماء…
فربط التيار الصوفي المغربي بالجنيد (المتوفى عام 297ھ) على أنه تصوف تغلب عليه الأخلاق والسنية، ويتجنب الحقائق، تصنيف لا ينطوي إلا على الارتياح السهل الذي يتيحه كل تصنيف…؛ نستطيع أن نقول أن صوفية المغارب أقل تآليف في علم التصوف من صوفية المجتمع الحضري في الأندلس وعواصم المشرق وإيران، ولكن أخبار الصوفية المغاربة، وهي تتضمن مواقف وأعمالا وأقوالا قد شكلت المادة المنقبية التي كتبها المريدون، بيد أن شذرات قليلة من الآثار التي وصلت إلينا ضمن هذه المناقب…، قد تضاهي في مضامينها أي تعبير صوفي آخر في أي مكان كان من العالم…؛ بيد أن تاريخ المغرب في مداه الطويل يشهد للصوفية بدور إنقاذ الأرض والأمة منذ تأسيس الرباطات الأولى إلى أن احتل الإيبيريون شواطئ البلاد في القرن التاسع الهجري(15م)، وقام شيوخ متصوفة أحياء فاعلون بتعبئة القوى الشعبية لتحرير الثغور وحمل إمارة قادرة على تعبئة الناس حولها إلى الحكم للقيام بدورها بعد الفراغ الخطير الذي ترتب عن ضعف الدولتين المرينية ثم الوطاسية في القرن الخامس عشر الميلادي.
ومن سوء الحظ أن دولة السعديين التي رفعها الصوفية إلى الحكم في القرن العاشر الهجري قد ضعفت لأسباب داخلية وخارجية، وهبت لاحتلال الفراغ السياسي تشكيلات لها نزعة “تصوفية”، ولكنها أقرب ما تكون إلى التشكيل المرابطي القائم على وظائف اجتماعية كالتعليم والتحكيم، ومنها الزاوية الدلائية، فنسب إليها الطموح السياسي وترددت هذه التهمة في ما بعد معرة على “المتصوفة”، والواقع أن أهل الدلاء المتأخرين الذين خاضوا في أمور الإمارة ليست لهم حتى تمثيلية مؤسسي الزاوية الذين لم يدعوا شيئا غير تلمذتهم لشيوخ الزاوية الناصرية.
لقد اغتيل الشيخ الجزولي (عام 870ھ) وهو مؤسس الحركة الصوفية التي حررت المغرب من الغزو الإيبيري، اغتيل في ظروف مشابهة للظروف التي اغتيل فيها الشيخ ابن مشيش شيخ الشاذلي قبل قرنين ونصف، ولم ينتبه الناس إلى أي من الشيخين في حينه، حتى عرض ما يبعث ذلك الذكر كرمز لحركة تحققت في ما بعد، وهكذا اتُّخذ الجزولي رمزا لانتصار دولة السعديين لأن تلامذته أطروا الجهاد لتحرير البلاد وظهروا بمثابة “زعماء أحزاب” في حركة انبعاث اقتضتها ظرفية وطنية محفوفة بالمخاطر. ولذلك فالجزولي يستحق بالفعل أن يكون بداية مرحلة جديدة من حيث كثافة تلبس التصوف بتاريخ المغرب كفاعل حركي لا من حيث الاعتبار المذهبي الصرف. وهكذا سمي التيار السائد بعده بالشاذلية الجزولية، واعتبر الشيخ زروق دفين ليبيا من أعلام وسائطها، وإن كان قد أُثر عنه اعتبار القرن التاسع الهجري نهاية عهد “صاف” في تاريخ التصوف المغربي، فاحتاج في تأليفه إلى التذكير بقواعده التربوية التي لاتسلم قط في خضم المعانقة الشعبوية.
وهذا وشم موجز لأدوار التكوينات الصوفية في المغرب عبر القرون في سياق التفاعل الاجتماعي الذي اعتبرناه الأساس الممكن لأي تحقيب:
أولا- الدور الديني:
إذا تجاوزنا الجانب الروحي الذي هو الأصل في المنهاج الصوفي والتفتنا إلى الأدوار المحسوسة ذات الآثار التاريخية وجدناها تشمل جوانب كثيرة منها:
1- نشر الإسلام كعقيدة في شعوب وقبائل لم يصل إليها الفاتحون.
2- بث تعاليم الإسلام في أقوام ظل إسلامهم لا يتعدى مظهر الهوية والانتماء.
3- تنظيم مواسم دينية أرست العقيدة كالموسم الذي اشتهر في المغرب بموسم رباط شاكر.
4- تنظيم الجهاد وتأطيره في أوقات كانت فيها الأمة في أخطار محققة تهددها من الخارج.
5- تنظيم السفر الى الحج وربط المغرب بالمشرق.
ثانيا- الدور التعليمي والعلمي والثقافي:
1- نشر حفظ القرآن الكريم.
2- بناء المدارس العلمية وتدبيرها.
3- إنشاء الخزائن وتعميرها بالكتب العلمية.
4- توفير إمكانات التأليف واحتضانه.
5- نشر الثقافة العامة الشفوية عند غير القارئين، عن طريق مجالس الذكر والمذاكرة.
ثالثا- الدور الاجتماعي:
1- توفير الإيواء لعدد من أبناء السبيل.
2- إطعام الطعام، ولا سيما في أوقات المجاعات.
3- تأمين الطرق بالهيبة والرهبة التي عرف بها أصحاب الزوايا، وتدعيم ذلك بنشر أخبار الكرامات.
4- حماية جماعات المحكومين من العمال الظالمين والحكام المستبدين.
5- ضمان التوازن وتدبيره بين الجماعات في مجتمع انقسامي.
6- الإشراف على معاهدات التساكن بين جماعات متجاورة تنطوي وضعياتها على احتمالات عدوانية.
7- كسر الحواجز القبلية والإثنية أو تليينها على الأقل.
8- تأطير الاستقرار في المجالات الجديدة التي تغزوها الجماعات بعد فراغ ناتج عن موتان.
9- تأطير الاندماج الاجتماعي للمهمشين والغرباء والطراء.
10- تيسير التواصل الإخباري.
رابعا: الدور الاقتصادي:
1- إحياء مجالات من الأرض الموات وعمارة الأرض.
2- غرس الأشجار.
3- استباط المياه.
4- ضمان الأوفاق المتعلقة باستغلال المراعي.
5- تأطير التنظيمات الحرفية والمهنية بالمدن.
6- الإشراف على أمن الأسواق ورعايتها.
7- الربط بين مناطق متكاملة في التبادل.
خامسا: الدور السياسي:
1- ضمان الولاء للإمامة، وهذا المبدأ المشهور عن الصوفية تاريخيا، ومع ذلك توجد استثناءات مردها إلى الاستفزاز والحذر الذي يجعل الحكام يعملون على تصفية القوات السياسية الاجتماعية التي يتقون شرها على الساحة السياسية إذا عجزوا عن استعمالها الاستعمال المطلوب.
2- التوسط بين الحاكمين والمحكومين في سياق علاقات متوترة، وذلك بأساليب “الشفاعة” ومنح فرصة الملجأ الى الحُرُم، ومراجعة الحكام في موضوع تصرفات أعوانهم.
3- استعمال الهيبة للتخفيف من تعسفات ذوي الجاه، وتقوية ذلك بأخبار الكرامات، وهو منزع كانت له فعالية تاريخية مشهود عليها.
ولقد تلاحقت أمواج التغطية الصوفية منذ السعديين، لتنال بتأثيرها المتنوع جميع أطراف المغرب، ولا سيما على أيدي تلاميذ الجزولي وتلاميذهم وعلى أيدي الناصريين في درعة والدرقاويين في الشمال والتجانيين الذين ظهروا في لحظة كان يتوقع أن تنتصر فيها فكرة الوهابية بالمغرب، بيد أن شيئا من ذلك لم يكن، إذ بالتجانية جدد أعيان الحواضر انتسابهم الصوفي، بعد أن نشط أتباع الناصريين والدرقاويين في البوادي خاصة، بل إن التجانية ربطت المغرب من جديد بالآفاق الصحراوية والآفاق الإفريقية التي سبق أن اشتهر شيوخ منها في فاس في عهود سابقة كالشيخ البرناوي.
فالتصوف من مقومات تاريخ المغرب الروحي والديني والثقافي والاجتماعي والسياسي بل والاقتصادي. لم تقتصر آثاره على المدن بل أدمجت البوادي في الحياة الثقافية، ولم يقتصر على جماهير العامة بل صار السند العلمي والسند في الإذن الصوفي يكادان يقترنان في تراجم معاجم الأعلام، وهو من معطيات الإشعاع المغربي في اتجاه الشرق ولاسيما صعيد مصر والبلاد التي نالت الطريق الادريسيية، وفي اتجاه الجنوب، بل وفي اتجاه أوروبا في هذا القرن العشرين، وعلى الصعيد الداخلي، فما زال لتراثه حضور في النسيج الاجتماعي وفي الضمير الأخلاقي، و تجدده من طبيعة الأمور.