يقتضي الحديث عن ريلكه أن تكون الخطوة التالية نحو صنوه في الشعر الأنجلو أمريكي: ت. س. إليوت (1886-1963). فالاثنان يشتركان في أفق تاريخي وثقافي وجمالي متقارب. بل يمكن اعتبار كثير من مشاغل إليوت الشعرية والفلسفية في النصف الأول من القرن العشرين امتداداً لما انشغل به الشاعر الألماني في الربع الأول من القرن نفسه. فحين اكتمل إنجاز ريلكه بموته عام 1926 كان إليوت قد وصل إلى أولى قممه الشعرية في “الأرض اليباب” (1922)، منهياً مرحلة هامة من مراحل تطوره، وداخلاً في أفق مرحلة مغايرة.
لقد كانت إشكالية إليوت الرئيسة والتي تحدد بمقتضاها موقعه على خارطة الشعر المكتوب باللغة الإنجليزية هي إشكالية التعبير عن المدينة عبر لغة شعرية ما تزال مثقلة بإرث رومانسي تثقل معجمه الجبال و الأشجار والأنهار أكثر مما تملأه الفنادق والشوارع والمشاة. وكنا رأينا كيف أن تلك الإشكالية كانت من نصيب ريلكه أيضاً، ولكن على نحو مخفف، إذ إنه آثر الوقوف على تخوم الحياة المدنية، لا الغوص في تفاصيلها. أما في حالة إليوت فقد أخذت الإشكالية شكلاً أكثر حدة. إذ لم يكن مفر من التوغل في مجاهل التجربة المدنية الحديثة. ولكن الصعوبة ما لبثت أن تذللت بتعرف إليوت على التجربة الفرنسية في تطويع المدينة، مما أدى إلى أن تستقيم له تجربة فريدة من نوعها، كانت أبرز تجلياتها الأولى قصيدته المميزة “أغنية عشق ج. ألفرد بروفروك” (1915).
تقوم قصيدة “بروفروك” باختصار على معاناة رجل في منتصف العمر يتردد في الذهاب إلى حفلة يتوقع أن يلتقي فيها بامرأة، ويبدو أنه سبق أن التقى بتلك المرأة وفهم من بعض إيماءاتها أنها تعبر عن إعجابها به. وهو يخشى الآن أنه قد أخطأ في فهم ما تقصده وأنه لو فاتحها بإعجابه، أو أنشد قصيدة عشقه، سترد بأنها لم تكن تقصد أي شيء، وأنها كانت تعدل من وضع الوسادة ليس أكثر. كيف سيواجه بروفروك عندئذ هزيمته؟ كيف سيتفادى فضيحته وضحك الناس عليه وعلى صلعته وهزاله ومرأى مشاعره وهي تنعكس على الجدار كما لو أن ضوء الفانوس السحري قد سلط عليها؟ هذه المخاوف ينجح إليوت في تحويلها إلى مناسبة لعدد من الإشارات التاريخية والأسطورية التي يقارن فيها بروفروك نفسه ببعض المشاهير، وفي مواقف كبيرة فعلاً، مما يؤدي إلى تضخيم إحساسنا بضعفه الداخلي وبهزيمته كفرد مسحوق في مجتمع مدني لا يرحم.
في خضم تصور بروفروك لما سيحدث لو قرر الذهاب إلى الحفلة يأتي ذلك النص الذي استشهدت به في الحلقة الأولى من هذه السلسلة كأنموذج لجماليات العزلة. والواقع أن النص، أو الصورة التي ينطوي عليها ليس إلا جزءاً من كل. ومشهد العزلة المرتسم في أولئك الرجال الذي يطلون من النوافذ ويدخنون غلايينهم واحد من مشاهد أخرى كثيرة ترسم العزلة في صور شتى وفي مسعى متصل لاقتناص جمالياتها. وفي بعض هذه الصور نجد ما يذكرنا بقصيدة ريلكه. ولنتأمل أولاً الصورة الافتتاحية في قصيدة إليوت:
دعنا نذهب إذاً أنت وأنا
عندما يمدد المساء تحت السماء
مثل مريض مخدر على طاولة . . .
قصيدة ريلكه تبدأ برسم العزلة مطراً يرتفع من البحر ليلاقي المساء. وهي صورة كئيبة أيضاً. لكن ريلكه على الرغم من خدشه البسيط لنقاء الصورة الرومانسية بربطها بما هو مقيت، فإنه يحتفظ بمجمل جمالياتها دون مساس. وهذا ما لا يحدث عند خلفه الإنجليزي إذ يوغل في الإجهاز على رومانسية الصورة بربط المساء، ذلك الوقت المضمخ بالهدوء والشاعرية في المخيلة التقليدية، بالمرض ورائحة التخدير وغرف العمليات. إن المساء بما فيه من كآبة وعزلة ومرض يكاد يتدلى من السماء، معلناً منذ البدء أنه يخيم على عالم القصيدة.
هذه الصورة الكئيبة للأشياء وهي تسقط أو تتدلى من عل تتكرر في أكثر من صورة من صور القصيدة، ومن ذلك صورة الرجال المتدلين من نوافذهم، التي تأتي في سياق الحديث الذي يجريه بروفروك مع نفسه، فيما يمكن اعتباره تياراً للوعي، إذ يتخيل نفسه وقد وصل إلى الحفلة واضطر ليقول شيئاً. فماذا سيقول، وماذا سيروي؟:
هل سأقول إنني ذهبت عند الغروب عبر شوارع ضيقة
وراقبت الدخان يتصاعد من غلايين
رجال وحيدين يطلون من النوافذ بقمصانهم؟
هذه الصورة يذكرها بروفروك على أساس أنها غير مثيرة، أو أنها تبعث على الكآبة لاسيما في مجتمع أرستقراطي أو بورجوازي متحضر ومترف، ولكن ماذا يفعل إذا كان ذلك هو كل ما يعرفه من تجارب؟ من الخير له إذاً ألا يذهب.
لكن ماذا بشأننا نحن القراء؟ هل من الخير لنا أن نتأمل صورة أولئك الرجال بما يحيط بهم ويطل معهم من كآبة ووحشة؟ ما هي المتعة في مشهد كذلك؟ وأين هو الجمال؟ إن العالم المحيط بالرجال المشار إليهم و ببروفروك نفسه منذ بدء القصيدة وحتى نهايتها عالم يبابي كئيب، عالم من العزلة والضجر القاتلين. ولكي يحتفظ النص ببعده الجمالي أو الفني الممتع لا بد له من أن يتوسل أدوات وصوراً كافية لتعدل بما يثقل النص من كآبة. فما هي الأدوات والصور التي توسلها إليوت ليحتفظ بذلك البعد؟
المقارنة بريلكه قبل قليل تذكرنا بالمسافة بين القصيدتين، من حيث إن قصيدة إليوت قد قطعت صلتها بالعالم الرومانسي وجمالياته الجاهزة إلى حد ما. هنا لا بد للجماليات أن تنهض على أسس مدنية واقعية بحتة، أسس يعيش الناس بمقتضاها معزولين، وتبدو فيها الحياة مزعجة ومرهقة على نحو لم يعهده الإنسان من قبل. فلا بد من التأقلم مع الوضع حتى وإن بدا المساء، ذلك الزمن المثقل بالرومانسية الحالمة، مريضاً مخدرا: “فلنذهب عبر شوارع نصف مهجورة/ عبر الانكفاءات المهمهمة/ لليالٍ قلقة في الفنادق الرخيصة ذات الليلة الواحدة.” إن التشبيه المدهش في الصورة الأولى، صورة المساء المستلقي كمريض، يفضي هنا إلى الصورة المجازية لـ “الانكفاءات المهمهمة”، حيث تحكي همهمة الانكفاء الواقع الكئيب للمختفين داخل تلك الغرف، ولنعود بعد ذلك إلى التشبيه في صورة بالغة الإيحاء: ” شوارع تترى مثل نقاش ممل/ ذي هدف مبيت”. هنا ما يذكرنا بالساعة المريبة التي يربطها ريلكه بالشوارع التي تتجه نحو الفجر. لكن رومانسية الفجر عند الشاعر الألماني تتوارى هنا لتهيمن صورة لشوارع لا تعرف الرومانسية، وإنما تعرف بدلاً من ذلك مخاوف الريبة ووحشة الملل.
توحي لنا هذه المؤثرات البلاغية بجانب من جماليات التصوير في “أغنية عشق ج. ألفرد بروفروك”. لكن ثمة جانباً آخر من الجماليات لا يعتمد على تلك المؤثرات. تلك هي الصور الواقعية الكثيرة المبثوثة في ثنايا القصيدة، ومنها صورة الرجال الوحيدين التي أشرت إليها غير مرة. في تلك الصورة يطرح بروفروك أزمته في العثور على ما يصلح للقول في حفلة راقية، وأمام امرأة تعد بعلاقة مغرية. لكن الصورة أيضاً جزء من أزمة إليوت في إنشاء شعرية أو جماليات لا تتكئ على الآليات المعتادة، جماليات تقوم على صور أقرب إلى ما يطالعه القارئ في رواية أو قصة قصيرة. الرجال يطلون من النوافذ بقمصانهم، وينفثون الدخان، فما هو المدهش في ذلك؟ لا تشبيهات غريبة، ولا مجازات عجيبة، بل صورة فاقعة في واقعيتها.
لا شك في أن قصيدة إليوت قصيدة تجريبية، فالرفض الذي قوبلت به في البدء (حين رفضت الشاعرة ماريان مور نشرها في مجلة “شعر” الأمريكية الشهيرة في مطلع القرن)، والضجة التي أثارتها، تؤكد تلك التجريبية، مثلما تشهد على خروج القصيدة على المألوف والمقبول في الذائقة الشعرية آنذاك. وكان ذلك الخروج متعدد الوجوه، فهناك من ناحية خروج على الشكل المألوف للعزلة بما توحي به من رومانسية وهدوء، ثم هناك الخروج على لغة القصيدة وشكلها التقليدي، هذا بالإضافة إلى عدد كبير من الصور القريبة من الفنتازيا.
فهل يمكننا أن نقول إن الواقعية في مثل صورة الرجال الوحيدين جزء من جماليات مستجدة يسعى إليوت لتكريسها، لاسيما إذا كانت تلك الواقعية تساكن صوراً تتكئ على مألوف الأدوات البلاغية، وإن لم تكن من مألوف الصور؟ إن في قصيدة إليوت صوراً متفاوتة للعزلة تأتي من تعدد الأدوات، وتعدد زوايا النظر. وواقعية الصورة المشار إليها جزء من ذلك التفاوت، وأنموذج من ذلك التعدد. كما أن تلك الصورة الواقعية تقف إلى جانب صور تستمد جمالياتها من المدهش واللامألوف، كصورة حوريات البحر حين يصفهن بروفروك في نهاية القصيدة وهن “يمتطين الموج باتجاه البحر/ يمشطن شعر الموج الأبيض إذ ينسدل إلى الخلف”، أو صورة الضباب وقد تداخل في صورة قط: “الضباب الأصفر يحك ظهره على زجاج الشباك”، إلى أن “لحس بلسانه أركان المساء.” أمام هذه الصور الفانتازية تبدو صورة الرجال الوحيدين واقعية جداً، تستمد قيمتها الفنية من علاقتها الضدية أو الاختلافية بتلك الصور.
لكن من اللافت أن الرجال يطلون أيضاً، فما علاقة ذلك بوحدتهم؟ هل يتطلعون إلى العالم بحثاً عن التواصل مع أحد؟ إنهم يبدون في عزلتهم كما لو كانوا يتدلون كما تتدلى صور العزلة والكآبة عند ريلكه، وعند غيره كما سنرى. وفي التدلي صورة من صور الخمول والموات، صورة الجثث المتدلية، وصورة الوقت الميت كما في صورة الساعات المتدلية في لوحة سلفادور دالي. ومع أن التدلي ليس مقتصراً على الإيحاء بالموات، فإنه لصيق به. فمن معاني التدلي التهدل أو التساقط. ولعل ذلك هو ما أراد محمود درويش أن يوحي به في صورته الفاتنة للمنافي:
أما المنافي فهي أمكنة وأزمنة تغير أهلها
وهي المساء إذا تدلى من نوافذ لا تطل على أحد
لكني سأؤجل الإطلالة على ذلك إلى الأسبوع القادم آملاً أن تكون إطلالة على أحد.