ما الذي يجمع هذين الشاعرين والمسيح ؟
لماذا يتشبّهان به ويتماهيان معه أحياناً ؟
خليل حاوي شاعرٌ لبنانيٌّ مسيحيٌّ لكنَّ السيّابَ عراقيٌّ مُسلم !
هل مرّ أحدهما أو كلاهما بما مرَّ المسيحُ به من تجارب وخاضا ما خاض من سجالات ومجادلات مع خصومه ولاسيّما اليهود ؟ هل سُجنا أو صُلبا ودُفنا ثم قاما من القبر ؟
لم يمر الشاعر المسيحي الماروني حاوي بأية تجربة عرّضته للسجن أو التعذيب أو الصلب ثم القتل . بلى، أقصيَّ السيّاب عن وظيفته مرتين لأسباب سياسية ، الأولى زمان الحكم الملكي في العراق والثانية في العهد الجمهوري بُعيدَ ثورة 14 تموز 1958 . يتعذّب المطرود من وظيفته ويُعاني خاصةً إذا كان متزوجاً وله أطفال كحالة بدر شاكر السيّاب لكنَّ السياب لم يُسجن ولم يتعرض للتعذيب الجسدي ولم يُصلب أو يُقتل فما علاقته بعيسى إبن مريم ؟ على كل حال … الاستعارة مجازية وللشاعر كل الحق في أنْ يستعير ما يشاء من التأريخ القديم والحديث ويوّظف ما يشاء من رموز لإغماء تجاربه الشعرية وتعميق تأثيراتها ومدِّ قوّة تأثير شعره بمؤثرّات إضافية لها من قوة الإيحاء ما للصوت والظل واللون من تأثيرات. التكبير حيناً والتصغير أحيانا هي كذلك من بين جملة هذه المؤثّرات الضرورية لكل فعل درامي أو تراجيدي في الشعر كما في المسرح.
ركّزَ كلا الشاعرين ـ كما هو الأمرُ مع باقي الشعراء الذين استعاروا أو وظفوا المسيح في نصوصهم ـ على ثلاث مسائل أو على ثلاث صفحات من صفحات سِفر عيسى هما :
1 ـ إكليل الشوك الذي وضعه اليهودُ على رأسه وعذابه مع الصليب الذي حملَ ثمَّ صلبه على الصليب ودق المسامير في جسده
2 ـ قتله ودفنه ثم قيامته من قبره حتى أنَّ قرآنَ المسلمين قال [ وقولِهمْ إنّا قتلنا المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ رسولَ اللهِ وما قتلوهُ وما صلَبوهُ ولكنْ شُبّهَ لهمْ وإنَّ الذين اختلفوا فيهِ لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ إلاّ إتباع الظنِّ وما قتلوهُ يقيناً بل رفعهُ اللهُ إليهِ وكان اللهُ عزيزاً حكيما / الآيتان 157 و 158 من سورة النساء ] .
3 ـ ما قال عن نفسه المسيح وخاصة في إنجيل يوحنا / الإصحاح السادس :
ـ [[ … فقال لهم يسوعُ أنا هو خبزُ الحياة. مّنْ يُقبلْ إليَّ فلا يجوعُ ومن يؤمنْ بي فلا يعطش أبداً ]]
ـ [[ الحقَّ الحقَّ أقولُ لكم مّنْ يؤمنُ بي فله حياةٌ أبدية ]]
ـ [[ أنا هو الخبزُ الحيُّ الذي نزلَ من السماءِ . إنْ أكلَ أحدٌ من هذا الخبزَ يحيا إلى الأبد ]]
ـ [[ فخاصمَ اليهودُ بعضُهم بعضاً قائلين كيف يفسّرُ هذا أنْ يعطينا جسدَه لنأكل. فقال لهم يسوعُ الحقَّ الحقَّ أقولُ لكم إنَّ لم تأكلوا جَسَدَ ابنَ الإنسانِ وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم. مَنْ يأكلُ جسدي ويشربُ دمي فله حياةٌ أبديّةٌ وأنا أُقيّمُه في اليوم الأخير. لأنَّ جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مَشرَبٌ حقٌّ. مّنْ يأكلْ جسدي ويشربْ دمي يَثبُتْ فيَّ وأنا فيهِ. كما أرسلني الأبُ الحيُّ وأنا حيٌّ بالأب فمن يأكلني فهو يحيا بي. هذا هو الخبزُ الذي نزلَ من السماءِ ]].
بجسد المسيح وبدمه يحيا المؤمنون به إلى الأبد ، أي إنهم لا يموتون. المسيح هنا يُضحي بجسده ودمه. هكذا يرى أو يُخيّلُ للبعض أنْ يرى وأنْ يجد نفسه ضحية لفكره الثائر أو التنويري وقُربان إلتزاماته العقائدية والسياسية. الثائر يُضحي بنفسه أو بحريته والكل يعرف الكم الهائل من القتلى والمساجين والمشرّدين من الثائرين والمعارضين السياسيين أو الدينيين على مدى التأريخ المكتوب أو المعروف. هنا يجد بعض الشعراء أنفسهم وهذا خيارهم وعلينا أنْ نحترم خيارات غيرنا.
من هو مسيح السيّاب ؟
قصيدة « المسيح بعد الصلب « (1)
نشرتُ نقداً تحليليلاً لهذه القصيدة وقلت فيه إنها تمثّل قمة إبداع السياب الشعري. مَنْ يقرأ هذه القصيدة بتمعنٍ وأناة يخلص إلى أنَّ السياب يخلع المسيح على نفسه ويتلبّسه حتى يرى نفسه المسيحَ ذاته . في المقطع الأول من هذه القصيدة يستحضر السياب مشهد دفن المسيح بعد مقتله فيقول :
[[ بعدما أنزلوني، سمعتُ الرياحْ
في نواحٍ طويلٍ تسفُّ النخيلْ،
والخطى وهي تنأى، إذنْ فالجراحْ
والصليبُ الذي سمّروني عليهِ طوال الأصيلْ
لم تَمُتْني، وأنصَتُّ : كان العويلْ
يعبرُ السهلَ بيني وبين المدينةْ ]].
هنا مناحة حقيقية يصوّرها الشاعر بكل ما يختزن في صدره من ألم ومعاناة فأشرك الرياح والنخيل حتى أنَّ عويل الطبيعة ونواحها عبرا السهل الذي يفصله عن المدينة. رياحْ .. نواحْ .. جراحْ … ثم : النخيلْ .. الأصيلْ .. العويلْ / علامَ هذه الرتابة في التسجيع والتقفية والتسكين … علامَ تدلُّ ؟ ثم إنه وقد أُنزلَ في قبره يعودُ القهقرى لزمن ربطه على الصليب حيّاً قبل مقتله [ والصليبُ الذي سمّروني عليهِ طوالَ الأصيلْ .. لم تَمُتني …] إذاً ما الذي أماته ؟ لا الجراح أماتته ولا الصليب ! هناك أمور أخرى قتلته إذاً ولسوف نرى ما هي وهل هي مكائد الشعراء وخيانة الأصدقاء ووشايات الوشاة ثم العلل الجسدية ؟
في المقطع التالي لهذه القصيدة نرى المسيح في السيّاب ونرى هذا في ذاك. نقرأ ما قال السياب في هذا الجزء ثم نقارنه بما استعرت للتوِّ مما قال المسيح في إنجيل يوحنّا عن نفسه :
[[ … قلبيَ الماءُ قلبي هو السُنبُلُ
موتهُ البعثُ : يحيا بمنْ يأكلُ

متُّ بالنارِ : أحرقتُ ظلماءَ طيني، فظلَّ الإلهْ
كنتُ بدءاً وفي البدءِ كان الفقيرْ
متُّ كي يؤكلَ الخبزُ باسمي، لكي يزرعوني مع الموسمِ
كم حياةٍ سأحيا : ففي كلِ حُفرةْ
صرتُ مستقبلاً صرتُ بذرةْ
صرتُ جيلاً من الناسِ : في كلِّ قلبٍ دمي
قطرةٌ منهُ أو بعضُ قطرةْ ]].
أعيدُ بعض ما قال السيدُ المسيح عن نفسه لتيسير المقارنة على القرّاء الكِرام :
[[ مَنْ يأكلُ جسدي ويشربُ دمي فله حياةٌ أبديّةٌ وأنا أُقيّمُه في اليوم الأخير. لأنَّ جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مَشرَبٌ حقٌّ. مّنْ يأكلْ جسدي ويشربْ دمي يَثبُتْ فيَّ وأنا فيهِ. كما أرسلني الأبُ الحيُّ وأنا حيٌّ بالأب فمن يأكلني فهو يحيا بي. هذا هو الخبزُ الذي نزلَ من السماءِ ]].
لقد مهّدَ بدر شاكر السياب لما قال عن نفسه في هذا المقطع تمهيداً ناجحاً إذْ رجع إلى قرية « جيكور « قريته ومسقط رأسه حيث تُزهر أشجار الفاكهة من توت وبرتقال وتعمُها الخُضرةُ وكلَّ ما يحيط بها حتى الشمس تخضرُّ بل ويخضرّ حتى دُجى جيكور! في هذا الطقس الربيعي الخرافي ينتعشُ قلب الشاعر [ يلمسُ الدفءُ قلبي ] … يقوم عائداً ثانيةً للحياة ولِمِ لا ، أفلمْ يقمْ من قبره قبلهُ المسيحُ ؟ قال السياب في هذا المقطع [ كنتُ بدءاً وفي البدءِ كان الفقيرْ ] . الإنجيل يقول [ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله . هذا كان في البدء عند الله / الإصحاح الأول ، إنجيل يوحنّا ]. هذا هو شاعرنا العراقي الجيكوري ومسيحُ نفسهِ كما يرى نفسه في هذه القصيدة. هل يؤمن السياب بمبدأ تناسخ الأرواح فيجد المسيحَ فيه ويرى نفسه في المسيح ؟ لم يقلْ الرجلُ ذلك وما كان معروفاً عنه أنه من معتنقي مذهب التناسخ لكنه الشعر ولكنهم الشعراء يقولون ما لا يفعلون وفي كل وادٍ يهيمون ! يتكلم السياب في المقطع الثالث عن قصة خيانة يهوذا له والمقابلة الدرامية التي حصلت بينهما بعد قيامة المسيح . الجديد في أفكار هذا المقطع وصوره البليغة أنَّ السياب جعل من الخائن يهوذا لوح المسيح السالب أو طبعة منه [ الإله الشيطان .. ضديد الرب ] . قال الشاعر :
[[ هكذا عُدتُ فاصفرَّ لمّا رآني يهوذا
فقد كنتُ سِرّهْ
كأنَّ ظلاّ قد اسودَّ مني، وتمثالَ فكرةْ ]] …
أروعُ وأبدعُ ما في هذه القصيدة هو ختامها . سبعة أسطر لخّص فيها السياب محنته الحقيقية في وطنه العراق وما كابد فيه وما عانى. إنه هو المسيح المصلوب قبل موته. وفي موته مخاض المدينة … مخاض عراق جديد حلم السياب بمبعثه دون طائل … لم تجده الأجيال التي أتت بعده ولم يجده جيلُ اليوم حتّى !!
قال السياب في هذه الخاتمة :
[[ بعدَ أنْ سمرّوني وألقيتُ عينيَّ نحو المدينةْ
كِدتُ لا أعرفُ السهلَ والسورَ والمقبرةْ
كان شيءٌ، مدى ما ترى العينُ،
كالغابة المُزهِرةْ
كان، في كلِّ مَرمى، صليبٌ وأمٌّ حزينةْ
قُدّسَ الربُّ !
هذا مخاضُ المدينةْ ]].
مسيح خليل حاوي (2)
أبدأ مع مسيح خليل حاوي وبما كتب في مقدمة قصيدة « المجوس في أوربا « وهي جزء من ديوانه الأول « نهر الرماد « :
[[ وإذا مجوسٌ من المشرق يتقدّمهم نجمٌ … ولما رأوا الطفلَ خرّوا له ساجدين ]].
أخذ حاوي هذا النص من الأناجيل ومنها إنجيل متّى ففي هذا الإنجيل نقرأ ما يلي
[[ ولما وُلدَ يسوعُ في بيت لحم اليهودية في أيام هيرُدُوسَ المَلِك إذا مجوسٌ من المشرق قد جاءوا إلى أُورُشَليمَ قائلينَ أين هو المولودُ مَلكُ اليهود. فإننا رأينا نجمةً في المشرق وأتينا لنسجدَ له / الإصحاح الثاني ]]. هناك فروق في التفاصيل بين هذه النصين لكنَّ جوهر المسألة يبقى واحداً. ربما استعار الشاعر نصه من إنجيل آخر غير إنجيل مَتّى. المهم … إنَّ حاوي يؤمن بما قالت الأناجيل حول مولد عيسى المسيح إبن مريم إذاً فإنه رجلٌ مسيحي الإيمان. هذا مجرد مُدخل لما سيأتي من قول. كتب خليل حاوي في مقدمة قصيدة « لعازر عام 1962 « من ديوانه الثالث بيادر الجوع ما يلي :
[[ وذهبت مريم، أخت العازر، إلى حيث كان الناصري وقالت له لو كنتَ هنا لما مات أخي، فقال لها إنَّ أخاكِ سوف يقومُ / إنجيل يوحنا ]]. هذا كلام كذلك موجود في أناجيل أُخَرَ كما سنرى . معجزة المسيح في إحياء الموتى مذكورة حتى في قرآننا وكما يلي [[ … وأُبرئُ الأكمهَ والأبرصَ وأُحيي الموتى بإذنِ الله … / الآية 49 من سورة آل عمران ]].
لم يتشبّه هذا الشاعر ـ على حدّ علمي وعلى قدر فهمي لما كتب في دواوينه الشعرية ـ بالمسيح أبداً ولم يحاول التماهي معه كما فعل السيّاب في بعض شعره.
ذكره مجرد ذكر هنا في قصيدة لعازر عام 1962 كما سنرى. قد يبدو لي أنَّ خليل حاوي يتشبّه بالعازر في هذه القصيدة وهو الرجل الميت الذي أحياه المسيح . هناك إشارات قوية تؤكّد ما ذهبتُ إليه ولكن … هل عاد حاوي للحياة من بعد موت كما كان حال لعازر ولماذا العام 1962 ؟ كتب الشاعرُ في بداية هذه القصيدة كلاماً غير قصير مزج فيه السياسة والنضال وسقوط المناضلين بقصة لعازر وأدخل نفسه في هذا المزيج بقوة والأمثلة غير قليلة منها ( كنتَ صدى انهيارٍ في مُستهل النضال فغدوتَ ضجيج انهيارات حين تطاولت مراحله . .. وماذا ؟ لئن كنتَ وجه المناضل الذي انهار في الأمس فأنتَ الوجه الغالب على واقع جيل … وهكذا وفيما يشبه الحدس، إتحدَّ الحاضرُ بكل زمان، والواقع بالأسطورة فاكتسبتَ اسماً وكان الاسم جوهر كيانك : لعازر، الحياة والموت في الحياة، تموتُ القيم في المناضل وتحتقنُ الحيوية فيكونُ الطاغية … وهذه امرأتكَ تلتقيكَ عائداً من الحُفرة فيتولاها الرعبُ … كانت تنزعُ إلى كمال وجودي يُشبع النفسَ والجسدَ فخذلتها أنت زوجها الحاقد الميّت وأسعفك الناصريُّ بكماله الملائكي المترفع عن التجربة الحسيّة. لقد امتنَعتْ ( أو امتنعت ؟ لا وجود للحركات في النص ) عن الصلاة لإله لم يعرفْ الجوع ولا الأفاعي المتولدة من شهوة متدافعة مُحتقنة :
ما تُجدي الصلاة
لإلهٍ فمَرَيٍّ ولطيفٍ قَمَري
يتخفى في الغيومِ الزُرقِ في الضوءِ الطري
حيثُ لا يُرعدُ جوعٌ مارجٌ بالزَفَرات ]].
يتكلم خليل حاوي عن امرأة العازر فهل كان يقصد نفسه وخطيبته التي تركها في لبنان وسافر للدراسة في بريطانيا ؟ في ديوانه إشارات غير قليلة حول فتاة تنتظره خصّها بنعت البدوية السمراء ! لم يتزوج هذا الشاعر إذاً كان قد خسر تلك الفتاة الخطيبة .. ربما يئست منه وقد طال غيابه فاقترنت بسواه . هنا نحن وجهاً لوجه مع حاوي ـ العازر ، الميّت الذي أحياه المسيح « الإله القمري « فمن أحيا خليل حاوي ؟ لم تكنْ غيبته في بريطانيا موتاً حقيقياً لكنه موتٌ مجازي … غياب … غيبة لا غير. ركزّ خليل في هذه القصيدة كثيراً على زوج العازر فأين المسيح الذي دعوته بمسيح خليل حاوي ؟
طويلةٌ هي هذه القصيدة تتكون من 17 مقطعاً تنتشر على الصفحات 307 ـ 362 وقد نظمها في العامين 1961 و 1964 كما أشار في آخر هذه القصيدة. لو تتبعنا ما قال حاوي في هذه الأجزاء السبعة عشر لوجدنا فيها شيئاً مما قال في مقدمته لهذه القصيدة. وما دمتُ قد عنونّتُ هذا الجزء من مقالي ب
( مسيح حاوي ) فلا بأسَ من الإشارة بشكل خاص إلى الجزء العاشر من هذه القصيدة الذي يحمل عنوان « الناصري يتراءى لزوجة لعازر «. لم تلعب زوج لعازر أي دور في بعث زوجها الميت للحياة ثانية إنما أخته مريم هي التي طلبت من المسيح أنْ يُحيي أخاها قائلة له [ لو كنتَ هنا لما مات أخي ]. فلماذا الأخت وليست الزوجة ؟
إستشرتُ الشاعرة السيّدة جوزيه حلو في أمر مريم وزوج لعازر ثم الخضر فأرسلت لي مشكورةً فيديو يستعرض بشيء من التفصيلات وجود ثلاث مريمات هنَّ : مريم المجدلية ومريم الخاطئة ثم مريم الزانية ( في الحقيقة إنهنَّ أربع نساء ولسن ثلاث لم تحمل منهنَّ إسم مريم إلاّ واحدة هي أخت لعازر ) . تيسيراً للأمور رأيتُ أنْ أضعهنَّ حسب ورود ذكرهنَّ في الأناجيل بالتسلسل ليسهل على القرّاء الكرام متابعة الموضوع الشائك قليلاً :
ولماذا لم يَعُدْ يشتفُّ ما في صدريَ الريّانِ من حبٍّ تصفّى واختمرْ … غيمةٍ تُزهرُ في ضوء القمرْ …وسريرٍ مارجٍ بالموجِ من خمرٍ وطيبْ … جنّةِ الفُلكِ على حمّى الدوارْ … طالما عادَ إلى صدري مِرارْ … عادَ مغلوباً جريحاً لن يطيبْ … ومدى كفّيهِ أشلاءٌ من الحقِّ مدى جبهتهِ أشلاءُ غارْ: حلوةٌ جُرّتْ إلى التنّينِ جُرّتْ، دُمِغتْ للموتِ وانهارتْ تعانيهِ انتظارْ…. مِخلبٌ ذوّبَ سيفي غاصَ في صُلبِ الحَجَرْ… مخلبٌ في كَبِدي مِعولُ نارْ .. وعلى الشاطئِ طفلٌ ناصريٌّ يغرسُ البلسمَ في دنيا القرارْ ]]. في هذا الجزء اغتصاب لفتاة وأسوأ من هذا الإقحام ألقصدي لمفردات قلقة في المواضع التي وظّفها الشاعرُ فيها. أحسبُ أنَّ القارئ المتمهّل والمتمعّن يدرك قصدي ويشاركني هاجسي فالشعرُ ليس اعتسافاً وإقحاماً للمفردات إما سدّاً لفراغ أو ضعفاً أمام شروط الوزن والإيقاع والقافية. الأمثلة كثيرة أدعو القرّاء الكرام إلى التنبّه لها ومشاركتي جزعي من هذه الظاهرة في الشعر عامةً وفي شعر حاوي على وجه الخصوص. أعترفُ أنَّ لدى خليل حاوي قدرة على تمرير هذه الهفوات وقدرة أخرى على جعل قارئه يعتقد أنَّ الأمور ماضية على ما يُرام ولا من افتعال ولا تعسف ولا إقحام. أعزو ذلك إلى تمهل حاوي في نشر أشعاره ووقوفه معها لزمن غير قصير يُعيد النظر ويمحّص ويبدّلُ ويفكّر ثم يُسلّم أمره لقوة أغراء النشر.
ماذا نجد في الجزء السابع بعنوان « عُرس المغيب « ؟ ما زال حاوي يلف ويدور حول موضوع الجنس فالعرس زواج والزواج ممارسة جنس منذ ساعاته الأولى.
[[ ما جنونُ الدُخنةِ الحمراءِ في فجوةِ جُرحٍ لن يطيبْ … لجريحٍ يتلاشى في سريرِ الموجِ من خمرٍ وطيبْ ….تلتقيهِ الشمسُ في عُرسِ المغيبْ … مُبحرٌ سكرانُ ملتفُّ بزهو الأرجوانْ … عبثاً ترغي وترغي خلفه أشداقُ جانْ …]] ثم يعود فيكرر ما سبق وأنْ قال في أجزاء أخرى من قبيل [[ صدرُكِ الريّانُ من جمرٍ ومن خمرٍ وطيبْ… طالما طيّبَ مغلوباً جريحاً لن يطيبْ ]] ثم يتابع فيكرر [[ كنتُ أسترحمُ عينيهِ وفي عينيَّ عارُ امرأةٍ أنّتْ تعرّتْ لغريبْ … ولماذا عادَ من حفرتهِ ميّتاً كئيبْ…غيرُ عرقٍ ينزفُ الكبريتَ مُسوّدَ اللهيبْ ]]. للفظة الكبريت تأثير قوي على الشاعر حتى أنّا نجدها مراراً في متن ديوانه هذا. للتكرير دلالات كثيرة ومقاصد شتّى بعضها مستساغ ومُبرر أو حتّى له ضرورات تقتضيها حاجة الشاعر النفسية التي لا تخلو من بعض السادية … أعني أنَّ الشاعر يفرض على غيره بالقوة ، قوة التكرير، نزعاته الخاصة وما في نفسه وخواطره وتجاربه من حاجات تعنيه وقد تؤرّقه وتُضنيه فيتخلص منها بترحيلها للآخرين وما الآخرون إلاّ قرّاء شعره.
في الجزء الثامن « زوجة لعازر بعد سنوات « توترات وإحباطات أخالها تعود أساساً للشاعر نفسه. ثم في هذا المقطع ألفاظٌ وتراكيب لغوية خشنة لا تنتمي للشعر بصلة من قبيل : ( أُداري حيّةً تُزهرُ في جرحي وترغي ) فالجمع بين الحية والازدهار أو الإزهار مسألة لا يسيغها الذوق الشعري. ثمة مثال آخر ( أمسحي الميّتَ الذي ما بَرِحتْ … تخضرُّ فيه لحيةٌ، فَخِذٌ وأمعاءٌ تطولْ، جاعت الأرضُ إلى شلاّلِ أدغالٍ من الفرسانِ فرسان المغول ). لا أعرف ما مبرر اللجوء إلى توظيف مثل هذه الكلمات والصيغ اللغوية الغريبة على لغة وروح الشعر ؟ ثم ما مناسبة الكلام عن شلال أدغالٍ من فرسان المغول ؟ على كل حال … خليل حاوي قادر على تمرير ما يحلو له من ألفاظ وجُمل تستجيب لحاجاته النفسية وتتواءم مع ما يعاني من ذكريات أقل ما يقال عنها إنها ذكريات فيها مرارة على أكثر من صعيد. إنه ليس من شعراء الباطن لكنه من بين شعراء ذكريات النفس المجروحة المُبتلية ببعض العلل والأصداء الأليمة الغائرة في أعماق روح هذا الشاعر. فكره وشعره متعددا المستويات حتى ليخيّل لي إنه يقول شيئاً ويعني أشياءَ أُخرَ لا يستطيعُ القارئ متابعتها حتى لو جرى وبذل المجهود المطلوب. إنه ظاهرة أكادُ أقولُ أنْ لا مثيل لها في الشعر العربي المعاصر. شعره ثقيل الوزن بعيد المرامي يمكن تأويله بشتى الوجوه لكنْ يظل عصيّاً على الإمساك وإنْ بدا واضحاً رغم تعرّج مساراته وتشعب أهدافه وما يتخذ من مسارب عويصة مربوطة بإحكام وحَنَكة واقتدار رجل مفكّر ثم شاعر لا يمثل إلاّ نفسه. أضربُ مثلاً من توظيفه للمغول في مناسبة لا علاقة لها بهؤلاء البرابرة الموغلين بالقسوة ونحن نعرف حجم التخريب والدمار اللذين أوقعوهما في العالم العربي والإسلامي بدءاً بتدمير الإسماعليين وحصنهم في قلعة الموت في إيران قبل وصولهم إلى عاصمة الخلافة بغداد وما فعلوا فيها وبالخليقة المستعصم بالله. هل كان قصده أنَّ النساء سبايا للرجال الغزاة كما كنَّ سبايا لجند المغول حين غزو الشرق ؟ زوج لعازر ليست سبيّة وليس فيمن حولها مغول أو رجال قساة برابرة ! أم أنه أشارَ إلى عمق العطش الجنسي لدى هذه المرأة المترملة بحيث لا يرويها منه إلا كتائب وجيوش جرّارة من رجال متوحشين عطشى مثلها للجنس ؟ أم أنه أراد القولَ إنَّ نساء الشرق سبيّات وضحايا غزو خارجي أو داخلي وأنهنَّ في كافة الأحوال مستباحات ومعرّضات للاغتصاب القسري من قبل زوج أو رجل غريب ؟
الناصري يتراءى لزوجة لعازر
يحمل الجزء العاشر من هذه القصيدة عنوان « الناصري يتراءى لزوجة لعازر «.
لماذا يتراءى المسيح لزوج لعازر وبأية هيئة وكيفية ثمَّ كيف كان هذا اللقاء الرؤيوي؟ الناصري مثل زوجها كلاهما عاجز جنسياً فما جدوى استدعائه… ليضيف إلى جوعها للجنس بُعداً آخرَ من شأنه تعميق جروحها ويشدد من توقها لممارسة الجنس مع رجل ؟ أين معجزات هذا الناصري إذاً ؟ جمع خليل حاوي في هذا الجزء ـ فضلاً عن جوعه هو وحرمانه وعجزه ـ جوع لعازر وزوجه ثم عجز المسيح المعروف. أربعة جياع يعانون من عجز أو من ظمأ جنسي مزمن فما عسى أنْ يفعل الناصري العاجز لامرأة تعاني وتعاني من جوع للجنس وظمأ قاتل؟ تتكلم زوج لعازر :
[[ سوف أحكي
وأعرّي جوعَ صحرائي وعاري
سوف أحكي
قبل أنْ يطردهُ ديكُ الصباحْ
وتملَّ القيدَ والمعلفَ أفراسُ الرياحْ
جئتني الليلةَ ممسوحاً رمادياً
وطيفاً يتراءى عَبرَ وهجِ الحسِّ حيناً ويتيهْ
كنتَ طيفاً قبلَ أنْ يمتصّكَ القبرُ السفيهْ
عبثاً لن أدفعَ الإصبعَ في فجوةِ جُرحٍ تدّعيهْ
.. إنْ تكنْ جَوعانَ حدّقْ
ما غريبٌ أنْ يجوعَ الطيفُ،
أنْ تكسرَ كفّاهُ الرغيفْ
أسهرُ الليلَ أُعدُّ الزادَ للموتى الطيوف ]] ….
لفت نظري هنا توظيف خليل حاوي لأحد مشاهد مسرحية وفيلم هاملت ( 3 ) ، أعني ظهور شبح والد هاملت القتيل لبعض حرّاس القصر الملكي ولولده الأمير هاملت فوق سطوح قلعة ألسينور في الدنمارك ثم اختفاء هذا الشبح مع صياح ديك الصباح. المسيح هنا هو الطيف ـ الشبح بدل والد هاملت. كلاهما قتيل، ذاك الملك بالزئبق مصبوباً في أذنه وهذا [ ملك اليهود ] قتيل التعذيب ثم الصلب. مليكان مقتولان. طريفة هي توريات وكنايات واستعارات وإشارات خليل حاوي في مقاربته لموضوع ممارسة الجنس الذي تبغي زوج لعازر حيث تقول [ عبثاً لن أدفعَ الإصبعَ في فجوةِ جرحٍ تدّعيهْ .. إنْ تكنْ جوعانَ حدّقْ .. ما غريبٌ أنْ يجوعَ الطيفُ، أنْ تكسرَ كفّاهُ الرغيفْ ].
مَنْ منا لا يعرف معنى ومغزى « كسر الرغيف « ؟