كان شعر البارودي عمليا،مجابهة متطرفة للزخرفة و أساليب الصنعة و البديع التي سادت الإنتاج الشعري لما يسمى، في الدراسات الأدبية بعصر الانحطاط…عارض لغة زمانه ـ كما تقول خالدة سعيد بالعودة إلى لغة العصر العباسي وما تتميز به من متانة وفخامة، فأعاد إنتاج ما حملته تلك اللغة من قيم ، هكذا شكل شعره صلة بين النصوص القديمة والمحدثة ، غير ان شعره ظل في ملامحه الأساسية اتباعيا على جميع المستويات .
وقصيدته التي بين أيدينا ، تندرج في إطار غرض تقليدي وهو الفخر بالذات وبالفروسية ، وقد عالج البارودي هذا الغرض وفق طريقة القدامى ، فالفخر تطرق إلى الاعتزاز بالنفس والافتخار بفروسية أصحابه كلما مست كرامتهم إذ يفضلون الموت على حية الذل ، والافتخار كذلك بحسن خصالهم في مجالسهم ، وينتهي إلى إسداء نوع من النصيحة التي تعلن عنها أبيات الحكمة الأخيرة ، والتي تعكس موقف الشاعر من الحياة ، حيث النزوع التعليمي الذي طبع خطاب البعث يبدو صارخا .
وقد اختار البارودي للتعبير عن تجربته الشعري ، هاته ، أفصح الألفاظ وأقربها إلى الأجواء العباسية ، بل البدوية وهي ألفاظ يحاول من خلالها رسم صورة مثالية له ولأصدقائه في الفروسية ، وهي كالتالي : ” في قائم السيف ان عز الرضا حكم / تابى لي الضيم نفس / وفتية كأسود الغاب / كالبرق عزموا / والرعد ان صدموا / والغيث إن رحموا / والسيل إن هجموا / في الحروب إذا لقيتهم بهم / ماتوا كراما / كيف يرضى الفتى بالذل / …) وهذه الألفاظ الواردة في الحقل الدال على الفروسية تساهم إسهاما واضحا في توليد أجواء المعركة وتصورها .
وإذا كانت الذاكرة الشعرية قد تحكمت في امتياح الشاعر ألفاظه من المعجم الشعري القديم ، فانها تحكمت فيه أيضا على مستوى تشكيل الصورة وبناء الإيقاع .
فالصورة الشعرية ، عنده ، يعتمد في تشكيلها على التشبيه والاستعارة ، ومن التشابيه الواردة : فتية كأسود / كالبرق ان عزموا / والرعد ان صدموا…
ومن الاستعارات إسناد خاصية الحلم المقتصرة على الإنسان إلى السيف ، على سبيل الاستعارة المكنية ، للدلالة على أن الكرامة لا يساوم فيها أي إنسان ابي . وجاءت قصيدته على عروض الخليل تحافظ على وزن الوحدة والقافية والروي ، حيث ركبت بحر البسيط وهو بحر ينسجم إلى حد كبير مع شعر الحماسة ، اذ يترك للشاعر هامش الحرية في التعبير . وقد تناغم إيقاع بحر البسيط مع فخامة الأصوات وتناسقها وجودة توزيعها ، إضافة إلى التوازنات الصوتية الواردة في القصيدة مثل : (كالبرق إن عزموا / الرعد إن صدموا / الغيث إن رحموا…) وهي عناصر عملت على إضفاء موسيقى داخلية تحيلنا على أجواء الشعر العربي القديم.
ويمكن اختزال ما سبق فيما يلي : ” ان البارودي إعادة متقنة للماضي ” اذ استطاع تمثل القصيدة القديمة على مستوى اللغة والصور والإيقاع ، ومع ذلك ، يمكن القول مع خالدة سعيد : ” يبقى البارودي حلقة مهمة في تاريخ الشعر العربي الحديث ، انه بهذه العودة إلى القدامى قد وصل الأجيال التي تلت بمنابع الشعر العربي الأصيلة في عصر افتقد النماذج الإيقاعية .