ظهرت حركة البعث والإحياء في سياق تطـور الشعر العربي في عصر النهضة، وذلك لإعادة الاعتبـار للشعــــر العربي بانتشالـــه من مستنقع الصنعة والابتــــذال الذي لزمه إبان عـصر الانحطــاط، ويعتبــر البارودي مـن رواد هــذه الحركة الشعرية إلى جانب شوقــي والجـــواهــــري وعـلال الفاسي وغيرهم؛ الذين أعادوا للشعر مكانتــه عـن طريق تقليـــــد القدماء ومحاكاتهم في نظم القريض.
فإلى أي حد استطاع الشاعر استيفاء مقومات الشعر القديم، شكلا ومضمونا في هذه القصيدة؟
افتتح الشاعر قصيدته باستفهام إنكاري ” لأي خليل في الزمــان أرافق”منسلخا من دلالته الحقيقية إلى دلالة جديدة استلزمها السياق تتمثل في استنكار غــياب الرفــيـــق المخلـــص الصادق، بـــل أن حياته ضاعت بين رجــال من خصالهم النفاق والجهـل والفســق والغيــظ والغــدر، إذ أن أخلاقهم أخلاق صبيان، وبذلك أفــرغ جام غضبه عليــهـــم في آخر النص بالدعاء عليهم، لأنهم باعوا دينهم بدنياهم.
إن كــل ما ذكرناه أعــلاه ينفتــح على غــرض شعـــري معــروف لــدى القدماء وهو غــرض الهــجـــاء مصحــوبا بالتعبيــر عن معانــاة الشاعــر وشكواه من خصومه، وقـد نحا البعثيون نحوهم في طرق مثــل هــذا الغرض.
وقد هيمنت على النص ثلاثة حقول دلالية ترجمت معانيه من خلال عدد من الألفــاظ، وهي حقــل دال على الشاعـر [ أرافق، لاقيت ، بلوت،..]، وحقل دال على الآخر ” المخاطب”[ قوم،معاشر،أعلمهم،أتقاهم، ساقوا..]، وحقل دال على الهجاء؛[ خب، منافــق، جاهـــل، فاسق، الغيظ، كاشر، ناعق..]، وقد اتسمت هذه الحقول الــدلاليــة بالانسجام والتعالق فيما بينها لتصرح بدلالة النص، حيث أن الشاعر يمثل الحلقة الوسطى بين المخاطب والهجاء، لأنه مصدر الرسالــة “الهجاء” التي توجه نحو الآخر باعتباره متلقيها،كما نستنتج من دراسة الحقول الدلالية مزاوجة الشاعر بين ألفاظ تراثية تحتاج في شرحها إلى المعجم ” خب،ناعق، البوائـق، نافــق، رامــق..”، التي تفسر انتماء النص إلى حركـــة البعـــث والإحيــــاء، وألفــاظ أخــرى مفهومة لدى القارئ، ولا تحتاج إلى معجم.
ولقد وظف الشاعر كغيره من الشعراء الصورة الشعرية المعروفة لدى القدماء ذات الطابع الحسي المادي، وتتمثل في الاستعارة، ومن أمثلتها في القصيدة: [طلاقة وجه تحتها الغيظ كاشر]، حيث استعار صفة التكشير للغيظ؛ وهي خاصة بالأسد ليقرب حالة المهجو المتصف بالغدر والخديعة إلى المتلقي، ومن ذلك أيضا قوله:[ نغمة ود تحتها الغدر ناعق]،حيث أضاف صفة “ناعق” الملازمة لطائر من الطيور للغدر، ثم المجاز في قوله:[باع دينه بدنيا سواه]،إذ أسند صفة البيع الخاصة بالأمتعـــة للدين الذي لا يمكن بيعه، وما ذلك كله إلا لتقريــب صورة الخصم/ المخاطب إلى المتلقي عن طريق التصوير المادي المحسوس قصد التأثير فيه، ودفعه للتفاعل مع مواقفه وتأييدها.
وقد استند الشاعر على عدة أساليب لغوية من بينها الجمل الفعلية[ بلوت في الدنيا، أضعت زماني، أرهقتني البوائق،أعلمهم عند الخصومة،علمت بأن الجهل…] التي تضفي على القصيدة حركية ودينامية تتمثل في فعل الشاعر من جهة[ لاقيت، أضعت، علمت..]، وفعل الخصم من جهة ثانية [خب، منافق، سادوا، دعوني إلى الجلى، ساقوا حمولهم..]، ثم الجمل الاسمية نحو[ معاشر سادوا،طلاقة وجه،أخلاق صبيان..] التي تلعب دورا فعالا في إضفاء صفة الثبات والتأكيد على مواقف الشاعر، التي يسهم فيها أيضا ثابت (الأنا) الذي يؤشر على الشاعر، ويشغل بالتالي حيزا مهما في القصيدة [أرافق، لاقيت، بلوت، فإنني..] في مقابل ضمير الجمع (هم) الدال على الغائب، الذي ورد في القصيدة في شكل صيغة النكرة التي تعني إنكار وتغييب الخصوم من ذهنية الشاعر [ قوم، غيرهم، معاشر..] .أما النوع الثاني من الجمل، فيتمثل في الجمل الخبرية في مقابل الجمل الإنشائية، فالأولى تتلخص وظيفتها في الإخبار عن مضامين النص الشعري، نحو[ بلوت في الدنيا فلم أر صادقا، أضعت زماني بين قوم..]، بينما الثانية يسعى من خلالـــها الشاعر إلى تقرير ما جاء في النص في ذهــــــن القارئ، وتتشكل من خلال مجموعة من الأساليب اللغوية أهمها: الاستفهام [لأي خليل،فأين لعمري الأكرمون]، والتوكيد [وإني إلى أمثال تلك لسابق،بأن الجهل]، والدعاء[ فلا رحم الله امرأ باع دينه بدنيا سواه]، والشرط [فإن أكـُ ملقى..فإنني].
وصفوة القول إن هذه الأساليب تتداخل وتتناغم لتأكيد معاني النص وإقرارها في ذهن المتلقي. أما معالم الإيقاع في القصيدة قيد التحليل فتتشكل من ملمحين أساسيين؛ يتمثل الأول في الإيقاع الخارجي الذي يأتي في مقدمة عناصره وزن الطويل بنفسه الممتد المتألق في فضاءات المواضيع الجادة كموضوع الهجاء في القصيدة المدروسة، ونمثل له بقول الشاعر:
لأي خليل في الزمان أرافـق
– – 0 – /- – 0 – 0 – 0 /- – 0 – /- – 0 – – 0
فعــــــول/ مفاعــــــيــلــن/ فــعـول / مفـاعــلن
وأكثر من لاقيت خب منافـق
– – 0 – /- – 0 – 0 – 0 /- – 0 – 0 /- – 0 – – 0
فعــــــول/ مفاعــــيــلــن/ فـعـولـــــن / مفـاعــلن
بالإضافة إلى حرف الروي القاف الشديد القوي المتصف بالجهر والمتحرك بالضم الذي أضفى صفة الإطلاق على القافية التي تعبر عن نفسية الشاعر التي حظيت بالحرية والطلاقة في الصدوح عما يخالجها من تضايق تجاه العدو /المخاطب، والتي تعززت بما توفره القافية المتداركة التي تتسم بتوالي حرفين بين ساكنين مثاله[-0- -0 ] ، نافق، فارق، فاسق، ناعق ، سابقو… وفي ذلك تكرار للنغم الموسيقي نفسه في آخر أبيات القصيدة. وإلى جانب الإيقاع الخارجي يحضر الإيقاع الداخلي الذي تؤثثه الأصوات المتكررة [ القاف 22 مرة، واللام 22 مرة، والفاء13 مرة، والنون 18 مرة، والتاء 12 مرة…]، والألفاظ [ الزمان ، عند، تحتها، أن، في..]، بالإضافة إلى الحروف والألفاظ، تكررت بعض الكلمات التي لها نفس الصيغة الصرفية [ مفارق، بواسق، فاسق، ناعق، سابق]، ثم تخللت القصيدة ظاهرة التوازي الدلالي والتركيبي الذي نسجله من خلال البيتين الآتيين:
فأعلمهم عند الخصومة جاهــل * وأتقاهم عنـد العفافــة فاسـق
طلاقة وجه تحتها الغيظ كاشر * ونغمة ود تحتها الغدر ناعـق
إن هذه المكونات الإيقاعية تشاكلت وتحايثت لتصبغ النص بطابع التناغم الإيقاعي الذي يسهم في بؤرته الدلالية من جهة، ويؤثر في القارئ من جهة ثانية، هذا فضلا عن دوره الجمالي والفني في القصيدة.
بناء على ما سلف نستخلص أن الشاعر محمود سامي البارودي ظل وفيا للشعراء القدماء في نظم القريض، لكونه التزم بمقومات بناء القصيدة العربية على المستويين الشكلي والمضموني، حيث وظف في قصيدته غرض الهجاء؛ وهو من الأغراض المشهورة لدى القدماء إلى جانب المدح والرثاء والفخر والغزل…كما كان وفيا لهم أيضا في توظيف المقومات الفنية كالصور الشعرية المتمثلة في الاستعارة الحسية التصويرية، وكذلك الأساليب المتنوعة كالجمل الفعلية والاسمية و الجمل الخبرية والإنشائية، بالإضافة إلى الضمائر، ثم الإيقاع بمكونيه الداخلي والخارجي، وقد صاغ كل هذه الخصائص بلغة عربية تزاوج بين اللغة التراثية واللغة المتداولة، ومفتتحا قصيدته بالتصريع دلالة على مطلعها، وكل هذه الخلاصات تفسر انتماء البارودي إلى شعراء البعث والإحياء الذين حاكوا القدماء في نظم الشعر والذي يؤكده قول خالدة سعيد في حق محمود سامي البارودي” عارض لغة زمانه بالعودة إلى لغة العصر العباسي وما تتميز به من متانة وفخامة، فأعاد إنتاج ما حملته تلك اللغة من قيم”.
النموذج المقترح في التحليل
قال تحليل قصيدة محمود سامي البارودي في التعبير عن مشاكله ومعاناته، وفي تعرضه لأعوان عرابي من قادة الجيش:
لأي خــلـــــــيـــل فــــــي الزمـــــان أرافـــقُ ّ ***وأكـثـــر مــن لاقــيـــت خِــــب مــنـــافــقُ
بلوت بنـــــــــي الدنـــيــــا فـلم أر صـادقــــا *** فأيــنَ – لعمــــري- الأكرمـون الأصَـــادق
أضعـــــتُ زمانـــــي بيــن قـــوم لــو أن لــي*** بهـم غــيــرهم ما أرهــقــتـنـي البوَائـــــقُ
فإن أكـُ ملــقــى الرحل فــيـــــهـــم فإنــنـــي *** لهم بالــخـــــلالِ الصالــحــاتِ مــــفـــــارق
معاشــــرٌ سـادوا بالـــنــفــــاق، وما لــهــــم *** أصـــول أظـــلـــتــها فــروع بـــواســـــــقُ
فأعــلمهـــم عــــنـــد الخـــصومةِ جـــاهـــــلٌ *** وأتـــقـــاهــم عــنــدَ العــفــافـــةِ فـــاســــقُ
طــلاقــةُُ وجـــه تـحــتــهَا الغــيـــظُ كــاشـــرٌ *** ونــــغـمــــةُ ود تــحــتــها الغــدر ناعــــق
وأخــلاقُ صــبــيـــــان إذا ما بـلـــــوتـُـــهــم *** علــمــــت بأن الجـهــل فـي الناس نـافــــقُ
دعــــوني إلـــى الجُــلّــى، فـقـمـــــت مبـادرا *** وإنـــــي إلــى أمــثــال تـــلــــك لســابــــقُ
فــلــمــا اســتـمــر الجِــد سـاقـــوا حُمــولهــم *** إلــى حــيــث لــم يــبـلــغُـه حــادٍ وسائـــــقُ
فــلا رحــــمَ الــــلـــه امــــــراً بــــاع ديــــنـه ***بــدنــيــا ســـواه وهـــو لـلــحــــق رامــقُ
المرجع: القديم والجديد في الشعر العربي الحديث، واصف أبو الشباب، دار النهضة العربية، بيروت، 1988 ، ص: 22