كان الشعر ديوان العرب وناقل اخبارهم وانسابهم وقيمهم ولغتهم خلال عصور طويلة امتدت من العصر الجاهلي الى العصر العباسي غير انه بعد ذلك غرق الشعر في اوحال التلفيفات اللفظية وركاكة الابتذال وفقد حرارة الاحساس وصدق العاطفة وصار مجرد تلاعب بالالفاظ ثم بدات شمس حركة البعث والاحياء ترتفع في سماء الشعر تلقي ضوءها على الصورة القديمة التي كان ينسج عليها فحول الشعراء المتقدمين شعرهم ، جزالة لفظ وقوة جرس ومتانة سبك و صحة معنى وقد برز في هذا الميدان جملة من الشعراء الفحول منهم محمود سامي البارودي ، محمد بن إبراهيم ، حافظ ، شوقي ، الجواهري ، الزهاوي وغيرهم
لكن اذا كانت مدرسة الاحياء قد بعثت القصيدة من انحطاطها وربطتها بقضايا العصر فان المدرسة الذاتية اولت ذات المبدع الاهمية القصوى فاعتبرت الشعر وجدانا والابداع الشعري تعبيرا مباشرا عن الانشغالات الفردية و العواطف المتناقضة التي تحمل النفس الانسانية على الحزن و الكابة و الانطواء و الانكماش فتسعى الى الهروب من الواقع الى الغاب و قد تقبل على نوع من معاقبة الذات و جلدها او على الخمر و النساء كمشجب يعلق عليه الشاعر الرومانسي فشله . ولقد عمل شعراء هذا الاتجاه على ربط التعبير عن احاسيسهم بالطبيعة التي تشاركهم نجواهم حينا و تتنكر لهم حينا اخر ، يستوحون مما استفادوه من اطلاعهم الواسع على الثقافات الاجنبية و التيارات الفنية و الفلسفات المختلفة .ويعتبر علي محمود طه وجبران خليل جبران و ميخائيل نعيمة وإيليا ابو ماضي وغيرهم من ابرز شعراء الذات الذين حملوا شعر التجديد لتجاوز نقائض حركة البعث التي همشت ا الذات المبدعة و غفلت عن كل ما يرتبط بها من احاسيس ومشاعر ولذلك عمل هذا التيار على استبطان مشاعر المبدع واستقطابها في عملية التعبير والابداع . وقد ظهر في هذا الصدد مدرسة الديوان * العقاد ، المازني ؛ شكري * التي فتحت المجال للتامل في اعماق الذات الشعورية واللاشعورية.كما ظهر تيار الرابطة القلمية * جبران ؛ ابو ماضي ؛ نعيمه ..* الذي تاثر بالثقافة الغربية فاستحضرتجربة الغربة في شعره . ان الحياة تنبثق عند المهجريين من الذات لا من خارجها و الطبيعة بالنسبة اليهم بديل للانسان . وفي هذا الاطار ظهرت ايضا مدرسة ابولو * ابو شاذي وعلي محمود طه الشابي * التي اتاحت للشاعر التغني بآلامه وامآله … غير ان التجديد عند هؤلاء تدريجي ولم يمارسوا تمردا على اسلافهم حيث حافظوا على كثير من ثوابت القصيدة التقليدية كنظام الشطرين وان جددوا في الشكل بين الفينة والاخرى في تنويع القوافي وتعدد الاوزان ونظام المقاطع وكذا التدوير الا ان التجديد في هذه التجربة محدود لا يتعدى بضعة شعراء بل ان الشاعر المجدد فيهم تجده احيانا يسقط في التقليد والتبعية ثم ان التجربة الذاتية لم تنجح على مستوى المضمون لانها انغمست في الانين والبكاء و الاستسلام و الخنوع ورفضت في كثير من الابداع الرومانسي الاحتجاج و الثورة ، وهو ما ادى الى الفشل في استشراف المستقبل وتحقيق الخلاص.
اذا كان الشعر العربي منذ نهاية القرن 19م قد عرف صحوة شعرية تمثلت في حركة البعث والاحياء التي عملت على اخراج القصيدة من انحطاطها والحركة الذاتية التي زاوجت بين استلهام طريقة القدماء في النظم وايلاء الذات الأهمية الكبرى فان تجربة شعرية لاحقة ستكون وراء ظهورها خلال اربعينيات القرن الماضي عوامل سياسية واجتماعية تتمثل في نكبة فليسطين 1948 التي اكشفت عن ضعف وعجز الوجود العربي التقليدي عن صيانة كرامة الامة وكذلك تنامي الفكر التحرري والانفتاح على الفكر الاجنبي ويعتبر هذا الاخير من العوامل التي ساهمت في ظهور اتجاه شعري جديد في الشعر العربي هفا الى التحرر من القيود و الانعتاق من الموروث والولوج الى عالم التجريب. وقد كان شكل القصيدة الشعرية اول ما استهدفه الشاعر العربي الحديث اذ عمل على تكسير بنية القصيدة التقليدية في اطار ما اصطلح عليه ب الشعر الحر اوشعر التفعيلة او الشعر المعاصر.