لا توجد في حياة العطار تواريخ مؤكدة ، لكن أرجح الآراء أنه ولد عام 545 هـ وتوفي 627هـ وكان مولده ومعظم حياته ثم وفاته في نيسابور ، ومازال قبره قائماً بها حتى اليوم . يقال إن العطار كان يمتلك دكانا للعطارة ، لكنه هجره حين شعر أنه يعوق حبه للقراءة والسلوك الصوفي وتفرغ لسلوك الطريق ، فبدأ رحلات زار فيها الأماكن المقدسة بمكة وأماكن الثقافة في العالم الإسلامي والتقى بعلماء البلدان التي زارها مما زاد من ثقافته وسعة أفقه .رغـم كثرة مؤلفات فريد الدين العطار لم يبلغ أي منها شهرة وروعة منظومته الفارسـية العظيمة “منطـق الطـير” حتى أن اسمه لا يكاد يذكر إلا ومعه اسم ” منطق الطير ” . فما من شك أن “منطق الطير ” من أعظم ما نظم في الأدب الفارسي عامة ، وفي الأدب الصوفي على وجه الخصوص ، فالقالب القصصي الممتع الذي نظمت فيه هذه المنظومه ــ بجانب المعاني الروحية التي شملتها ــ أعطتها هذه الأهمية بين كتب التصوف, ويبلغ عدد أبيات المنظومة في أغلب النسخ الصحيحة والتي يعتمد عليها نحو أربعة آلاف وستمائة وخمسين بيتا وتدور قصة منطق الطير حول المعراج الروحي وسلوك امرشدين للطريق وصولاً إلى الحقيقة وهي الذات الإلهية ، وذلك من خلال رحلة رمزية قامت بها آلاف الطيور لملاقاة طائر خرافي يسمى الســيمُـرغ ( وهو في القصة ملك الطير الأعظم ، ويعني اسمه بالفارسية ” الثلاثون طائراً ) . وترمز هذه الرحلة إلى سكة السالكين في أودية العشق والتوحيد من أجل الظفر بمطالعة الذات الإلهية
وسيرة مؤلف (منطق الطير) الذي تعلم التحليق إلى آفاق غير مطروقة من ذوات الأجنحة، شديدة الغرابة والتطور قياساً لزمانها، فمع انه ولد وعاش في القرن السادس الهجري، قرن المذابح والتعصب، فانه كان متسامحاً رحب الصدر كبير القلب، وعدواً حقيقياً للتعصب والمتعصبين. فالتعصب عنده صنو الجهل والجنون، أو ليس هو القائل وفي منطق الطير أيضاً: (يا من وقعت أسير التعصب، وظللت ابداً أسير البغض كيف تفخر بالعقل واللب، فمن يفخر بهما لا يقع أسير التعصب)، وهذا هو المنطوق ضد التعصب أما المرموز والمسكوت عنه بين السطور فكثير.
ومن كثرة تحليقه فوق تفكير أهل زمانه نسبوا إليه الاعاجيب فقالوا انه لما قتل وضربت عنقه حمل رأسه بين يديه وسار به مدة من الزمن وهو يؤلف كتاب (بيسر نامه) وترجمتها كتاب الرجل المقطوع الرأس، أما خارج الخوارق التي تنسب لكل محلق ونظيف الروح، فيحمل تلاميذه في بعض القصص المغول وزر دمه ويقولون ان الجندي المغولي الذي أسره طلب مبلغ ألف درهم لإطلاق سراحه فتقدم أحد مريديه ليدفع الألف لكن العطار اعترض على ذلك المبلغ على اساس انه يساوى أقل من ذلك وسمع الحوار جندي آخر فقال لزميله مازحاً: اني أدفع ثمنه صندوقاً من التبن، فأسرع العطار بإعطاء موافقته مؤكداً انه لا يساوي اكثر من ذلك… وعندها تمضي الرواية لتزعم ان طالب الفدية اغتاظ ولم يكن بحاجة للتبن فقتل شيخ العارفين في لحظتها.
وامثال هذه القصص حول ولادة فريد الدين العطار وموته بالعشرات، فالبسطاء لا يصدقون ان مؤلف ذلك السفر العجيب (منطق الطير) الذي بهر الأجيال يمكن ان يولد، ويموت ميتة طبيعية، لكن هذا ما كان، فقد ولد الرجل لعطار يقوم بالتطبيب وصار مثله، يقصده اكثر من خمسمائة شخص يومياً ليجس نبضهم، وكل العطارين أطباء في ذلك الزمان وقد مات ذلك الذي ملأ الدنيا بعطر الروح الصافي بعد ان هجر المهنة والناس واختار العزلة لأسباب شرحها وشبه نفسه بمالك الحزين في نص حفظه القزويني في مقدمة (تذكرة الاولياء) قال فيه: يقولون عني: ما له قد آثر العزلة… نعم لا صديق لي بين الخلق واني وان كنت افعل ذلك فلانني في الطبع كمالك الحزين. وفي عزلته تلك وتجلياتها التي انتجت عدة كتب قيمة كشف العطار عن انه كان يستمد قوته وانسه من أم ضعيفة قوتها كقوة العنكبوت ومع ذلك كانت تؤانس وحدته وتشد ازره (لقد كانت ضعيفة كالعنكبوت ولكنها كانت لي حضناً ودرعاً).
ولأن العرب والفرس لا يضعون مسألة التأثر والتأثير في حجمها الطبيعي اتهم بعضهم الشيخ النيسابوري بسرقة فكرة (منطق الطير) من فلاسفة وشعراء آخرين وهي تهمة رددها مستشرقون ايضاً يعيد بعضهم ومنهم بيزي Pizzi أصل الكتاب إلى رسائل ابن سينا الفلسفية متناسياً ان العطار كان عدواً صارماً للفلاسفة والمتفلسفين، وقال آخرون انه سار في (منطق الطير) على خطى ابي العلاء المعري في رسالة الغفران وهؤلاء أخطأوا أيضاً، فتأثر فريد الدين العطار الحقيقي كما يؤكد المستشرق ريتر Ritter كان بالإمام الغزالي.
وهناك بالفعل رسالة للإمام الغزالي اسمها (رسالة الطير) ترجمت إلى الفارسية والإمام الغزالي على قيد الحياة، وهي تحكي عن طيور تبحث عن ملك يحكمها يتميز بالعقل والعدل، وفي سبيل ذلك الملك طارت الطيور إلى أقصى الأرض فهلك القسم الأعظم منها في الطريق ولم يصل إلى الهدف المنشود إلا فئة كانت الصدمة بانتظارها لأن الملك العادل رفض ان يحكمها، وقال لمن وصل منها: اتعبتم انفسكم دون طائل فنحن الملك شئتم أم أبيتم جئتم أو ذهبتم ولا حاجة بنا إليكم.
وقد استلف العطار من الغزالي حكاية أخرى هي قصة (الشيخ الصنعاني) الذي تهتز عقيدته في بلاد الروم، وحكاية العطار قريبة من القصة التي رواها الغزالي في تحفة الملوك. اما المصدر الخفي للعطار فهو مواطنه الفارسي سنائي وكتابه (سير العباد إلى المعاد) وقد غرف منه العطار، ومن غيره لكنه أعاد هضم ما استلف ونسجه حلة جديدة أجمل وابهى، وهذا لا يضيره فقد كتب عشرة مؤلفين وشعراء قبل جوته عن فاوست ثم جاء كتاب الشاعر الالماني عنه وكأنه عصا سحرية تلقف وتلغي وهج كل من ألف عن فاوست قبله وبينهم شعراء كبار كمارلو صديق شكسبير. وغير هذه الاجتهادات الأكاديمية الشرقية والغربية لا يمكن لأحد ان ينكر ان المصدر الحقيقي لفكرة إنطاق الطيور أتت للشيخ النيسابوري من القرآن الكريم وتحديداً من النمل الـ16 من قوله تعالى: (وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير، واوتينا من كل شيء ان هذا لهو الفضل المبين).
وفي الـ18 من ذاتها يتحدث النمل ايضاً (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون).
وبعد اربع آيات أخرى في الـ 22 يتحدث الهدهد الذي قال موجهاً حديثه لسليمان(ع) اثناء الحديث عن ملكة سبأ: (فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين).
والدليل الدافع على ان العطار لم يخرج من هذه الأجواء النورانية انه اختار الهدهد مرشداً للطيور لكنه لم يكن متعسفاً، ولا مستبداً كالبشر فقد أعطى الطيور حق التصويت الديمقراطي (القرعة) بلغة ذلك الزمان وقد أجرت الطيور قرعتها واختارت الهدهد ليكون مرشدها في طريقها الطويل لاختيار حاكم غير مستبد.
وكانت الطيور كما قص العطار الذي لم يفسده الدهر قد اجتمعت بدعوة من السيمرغ، وهو طائر أسطوري مؤنث يجعله العطار أصلاً للطيور كلها: (لقد سبق للسيمرغ أن ألقت ريشة في الصين، فأثارت الاضطراب هناك واتخذ كل واحد صورة من هذه الريشة وكل من رأى هذه الصورة بدأ يصنع مثلها ولو لم تظهر صورة هذه الريشة لما وجد في الدنيا هذا العراك وتلك الضوضاء وكل الآثار التي تليها تنبثق من عظمة السيمرغ وجميع الكائنات صورة من ريشتها).
وقبل السيمرغ تحيط الأجواء الأسطورية بالهدهد فيزعمون انه يرى الماء في باطن الأرض، ويقال في حكمة منقولة في رد أسطورة الهدهد إن ابا حنيفة سأل الإمام الصادق(ع) كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير فقال: لان الهدهد يرى الماء في باطن الأرض كما يرى أحدكم الدهن في القارورة، فضحك أبو حنيفة وقال: وكيف لا يرى الفخ في التراب ويرى الماء في باطن الأرض، فقال الإمام الصادق: يا نعمان اما علمت انه إذا نزل القدر عمي البصر.
وغير إعجابه بحكمة الهدهد، للعطار كتاب عن البلابل وهو فيه كما في منطق الطير يقفز من فكرة إلى أخرى كما يطير العصفور من غصن إلى آخر ليغرف من مخيلة مدهشة وقلب حار وعقل ثاقب، فالعطار ومع قدرته على الإدهاش وحرصاً على أولوية القلب لا ينكر على العقل دوره. أما مأثرته الكبرى في كتابته الاحتمالية التي تعثر فيها بعد كل قراءة على معنى جديد مثله في ذلك مثل جميع الإشراقيين في التراث الإسلامي الذين راوحوا بين منطقة الرمز والحقيقة، والواقع والأسطورة ونطقوا وسكتوا فأفهموا في النطق والسكوت وظلت كتاباتهم تحتفظ بوهجها وبقيت نافعة لكل الأجيال في كل زمان ومكان.
لقد ساح العطار في (منطق الطير) بقارئه بين وديان المعرفة والحيرة والعزلة والاستغناء والتوحيد ثم وقف بهم في وادي الفقر والفناء حيث النسيان نهاية المطاف أما وقفته الأجمل فكانت في وادي العشق حيث يضيع العقل وتشتعل النيران في قلوب العشاق دون قدح ويقدم العاشق المفلس روحه طواعية لمن يحب، وفي ذلك الوادي أسرار مألوفة ومجهولة عن أحوال المحبين.
وبعد الوقوف في ذلك الوادي لن تتهم فريد الدين العطار بالمغالاة حين يخط بقلمه تلك العبارة في آخر منطق الطير (لقد نثرت يا عطار نافجة المسك المليئة بالأسرار على هذا العالم في كل آونة) لكن هل فرغت قارورة العطار مع نهاية ذلك الكتاب قطعاً لا، فكل من يعيد قراءة حروفه يكتشف سرمدية ذلك العطر الذي يتقطر من حروف شاعر اعطى نفسه للمحبة فردت له المحبة التحية بأحسن منها وكرسته بوصلة للعشاق والعارفين.