التصوف ليس هروباً من واقع الحياة كما يقول خصومه, وإنما هو محاولة للإنسان للتسلح بقيم روحية جديدة تعينه على مواجهة الحياة المادية ‘ وتحقق له التوازن النفسى حتى يواجه مصاعبها ومشكلاتها , وبهذا المفهوم يصبح التصوف إيجابياً لا سلبياً , مادام يربط بين حياة الإنسان ومجتمعه .
ويوضح الشيخ المربى د على جمعة الخطوات التى يتبعها السائرفى الطريق إلى الله حتى لايخرج من حالة التوازن النفسى والطمأنينة التى عليها المؤمنون ، منها : التفكر فى خلق السموات والأرض ، وكلما تفكر الإنسان فى خلق السموات والأرض ، أيقن بوحدانية الله ، وأيقن بوجوده سبحانه وتعالى وبعظمته وبجلاله .
وفى كل شيئ له آية *** تدل على أنه الواحد
كلما تدبر استصغر نفسه ، ووجد أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ، وكلما تأمل فى حقائق الدنيا عرف أنها حادثة ، كانت ولم تكن من قبل ، وعرف أنها فانية ، وأنها إلى زوال ، وأن الإنسان سوف يموت،.كلما تأمل الموت عرف حقيقة الدنيا، وأنها تافهة قليلة ، وعرف أنها مزرعة للأخرة، وأنها وجدت للإبتلاء والعمل ، كلما تدبر فى ذلك هانت عليه الدنيا.
فالفكر إذاً ، والتدبر ، والنظر فى مخلوقات الله فى السموات والأرض والتأمل والتعقل ، كل ذلك أمرنا الله سبحانه وتعالى به فى الكتاب الكريم ، وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هناك شياطين تصد الناس عن النظر إلى السماء ( إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لأيات لأولى الألباب ). فبرزت هنا قضية الذكر ، فهما إذاً قضيتان  أولهما : الفكر وثانيهما : الذكر .
ثم يعلنها الشيخ الداعى إلى الله على بصيرة من ربه فى قوة حاسمة وفى نطق صادق لمن يريد النجاة فى طريقه إلى مولاه:
اقصد فى مشيك … وليكن الله سبحانه وتعالى مقصودك
وسر فى طريقك….؛ لا تلتفت… ! مقصودك أمامك..!
سر على بركة الله ولا تلتفت؛ فإن ملتفتاً فى طريق الله لايصل!.
نصح الشيخ عبد السلام بن بشيش تلميذه الشاذلى بقوله : ( ياعلى إنما خير لك أن تقول : كن لى، ولا تقل : سخر لي قلوب خلقك أى عبادك ، فإذا كان لك كان لك كل شيئ ) .
وهاهو الإمام الشاذلى رضى الله عنه يشخص الداء ويصف الدواء فيقول:أسباب القبض ثلاثة : ذنب أحدثته ، أو دنيا ذهبت عنك ، أو شخص يؤذيك فى نفسك أو عرضك ، فأن كنت أذنبت فاستغفر ، وأن كنت ذهبت عنك الدنيا فارجع إلى ربك ، وأن ظُلمت فاصبر واحتمل ، هذا دواؤك ، وإن لم يطلعك الله تعالى على سبب القبض فاسكن تحت جريان الأقدار ، فأنها سحابة سائرة .
قال الشيخ أبو العباس المرسى: كنت مع الشيخ الشاذلى فى السفر ، ونحن قاصدون الإسكندرية حين مجيئنا من الغرب ، فأخذنى ضيق شديد حتى ضعفت عن حمله ، فأتيت إلى الشيخ أبى الحسن ، فلما أحس بى قال: أحمد ، قلت نعم يا سيدى ، قال: آدم خلقه الله بيده ، وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته ، ثم نزل به إلى الأرض من قبل أن  يخلقه بقوله تعالى: (إنى جاعل فى الأرض خليفة ).
ما قال فى السماء ولا فى الجنة فكان نزوله إلى الأرض نزول كرامة ، لا نزول إهانة ، فإنه كان يعبد الله فى الجنة بالتعريف ، فأنزله إلى الأرض ليعبده بالتكليف ، فلما توفرت فيه العبوديتان استحق أن يكون خليفته.
وأنت أيضاً لك قسط من آدم كانت بدايتك فى سماء الروح فى جنة التعريف ، فأُنزلت إلى ارض النفس لتعبده بالتكليف ، فإذا توفرت فيك العبوديتان استحققت أن تكون خليفة ، وزال ضيق أبى العباس وأنشرح صدره.
فإذا أدرك العبد ما وراء البلاء من حسن العاقبة وقابل الشدائد بالرضاوالصبر تحقق له ما وعد الله به الصابرين من جزيل الثواب بغير حساب ، بل إن العبد إذا راض نفسه فى كل نازلة وشدة  انتقل من حال الصبر إلى حال الرضا ، وتحول من الصبر على البلاء إلى الشكر لله ، لأنه حينئذ يرى النقمة نعمة , والمحنة منحة يرفعه الله بها إلى مقام الصابرين الشاكرين ، وإذا رضى العبد بما ابتلاه الله به رضى الله عنه فيكون من المقربين .
يقول الشيخ محمد زكى الدين إبراهيم : الصوفى هو، المسلم المحمدى ، الواصل العامل ، أى المسلم النموذجى أى المسلم فى أرقى المستويات الخاصة والعامة ، ونسبته إلى التصوف إنما هى لمجرد التخصيص والتعريف فى المحيط الإسلامى العام .
يقول ابن عطاء الله السكندرى: شكوت إلى شيخى أبى العباس المرسى ما أجده من هموم وأحزان ، فقال:أحوال العبد أربع لا خامس لها: النعمة ، والبلية ، والطاعة ، والمعصية ، فإن كنت فى النعمة فمقتضى الحق منك الشكر ، وإن كنت بالبلية ، فمقتضى الحق منك الصبر ، وإن كنت بالطاعة فمقتضى الحق منك شهود منته عليك ، وإن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك وجود الإستغفار.
فقمت من عنده وكأنما كانت الهموم والأحزان ثوباً نزعته ، ثم سألنى بعد ذلك بمدة: كيف حالك ؟ فقلت: أفتش عن الهم فلاأجده ،
إلزم فوالله لئن لزمت لتكونن مفتياً فى المذهبين، فى علوم الظاهر وحقائق الباطن ، ولازم ابن عطاء الله أستاذه أبا العباس المرسى
وتعتبر حكم ابن عطاء الله السكندرى بمثابة ( علامات مرور ) فى طريق السير إلى الله تعالى ، يقول ابن عطاء الله السكندرى:
( لا يخرج الهوى من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق) .
ويقول أيضاً : ( لاتصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلك على الله مقاله)
قال الشيخ أبو العباس المرسى رضى الله عنه : ليس الشأن من تطوى له الأرض فإذا هو بمكة أو غيرها من البلدان ، إنما الشأن من تطوى له صفات نفسه فإذا هو عند ربه .
فمن أنزل حوائجه بالله والتجأ إليه وتوكل فى أمره كله عليه ، كفاه كل مؤنة ، وقرب إليه كل بعيد ، ويسر عليه كل عسير ، ومن سكن إلى علمه ، وعقله ، واعتمد على قوته وحوله ، وكله الله إلى نفسه ، وخذله وحرمه توفيقه  وأهمله فلم تنجح مطالبه  ولم تيسر مأربه، وهذا معلوم على القطع من نصوص الشريعة وأنواع التجارب لذا يقول ابن عطاء الله السكندرى:
( ما توقف مطلب أنت طالبه بربك ، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك ).
التصوف بصورة عامة يخاطب وجدان البشر ويهتم بتهذيب سلوكهم وترقيق مشاعرهم ، وترقية أرواحهم .ومن هنا يأتى التصوف ليحافظ على قوى النفس جميعها  فهو يحقق التوازن النفسى والإعتدال ، فيقى بذلك الإنسان من الخوف والقلق والاهتزاز.
والمجتمع المسلم فى أمس الحاجة إلى ما يمكن تسميته “بالنموذج الصوفى” لأن كل شيئ من حولنا يهتز ويخور والقيم الأخلاقية آخذة فى الإضمحلال ، والشباب حين يفقد القوة يندفع تحت تأثير الإحباط نحو الجريمة.