استطاع صلاح عبد الصبور كشاعر عربي وازن ان يتخطى ميلاده البيولوجي الأول إلى ميلاده الرؤيوي اذ انقلب من شاعر تقليدي ينتج من داخل ما هو معطى ومقول سلفا في التجربة الشعرية المتوارثة إلى شاعر حديث ومعاصر رافع للواء التجديد ، وبدا ينشر قصائده محتديا تجارب الشعر المرسل والحر كما عرفته القاهرة على يد احمد على باكتير و كما عرفته بغداد على يد بدر شاكر السياب و نازك الملائكة.
و قصيدته قيد الدرس ،ومن خلال شكلها الهندسي ، تشى بهذا التحول الذي بموضع النص في إطار خطاب المعاصرة و التحديث،و من هنا سنحاول تحديد علاقته بهذا الخطاب شكلا و مضمونا ووظيفة.
يبدو من خلال الملاحظة البصرية،ان النص ينهض على شكل هندسي جديد،يقوم على خرق البنية الشكلية التقليدية القائمة على نظام الشطرين المتناظرين ، ووحدة الوزن والقافية واعتماد بنية جديدة تقوم على نظام الأسطر الشعرية المتفاوتة في الطول و المتنوعة في القوافي . ويبدو من خلال القراءة ان مضمون النص ينهض على ثنائية ضدية قطباها الأساسيان ( الشاعر / الجارة ) حيث يشكل السطر الشعري الأول مفتاحا للقراءة بالوقوف على كلمتين مركزيتين : حبلا : باعتبارها توحي بدلالة التواصل ونغم : باعتبارها توحي بدلالة النشوة والطرب . غير أن الشاعر يكسر أفق انتظار المتلقي في الأسطر الشعرية الموالية ( 5.4.3.2) حيث يغدو النغم مرادفا للقسوة والرتابة والحزن فينقطع حبل التواصل في السطرين (7.6) وتتسع الهوة بين الشاعر والجارة ( بحر عميق / سبع صحاري ) ليشرع الشاعر ابتداء من السطر العاشر الى حدود السطر 23 في استعراض مظاهر التضاد بينه وبين الجارة والمتمثلة في الفوارق الاجتماعية الصارخة . بينما يدعو في الأسطر الشعرية ( 24-34) الجارة إلى اعتناق هموم التعساء وأحزانهم لينتقل بعد ذلك إلى دمج تجربة الذات في تجربة الجماعة . وقد اعلنت هذه الدلالات عن نفسها من خلال تواتر حقلين دلالين احدهما يحيل على ذات الشاعر تتشكل بؤرته الأساس من معاني الحزن والألم والبؤس والفقر والجوع ( نغم قاس رتيب / منزوف القرار / نغم كالنار / يقلع من قلبي السكينة / يورق في روحي أدغالا حزينة /ألقيت في رجلي الأحقاد / لا املك كفى طعاما /…) وآخر دال على الجارة وتتشكل بؤرته من معاني الترف والغنى ، البدخ والسعادة ( انت في القلعة / فرش الحرير / المرايا اللالي/ العطور الفارس الاشقر / بخديك من النعمة تفاح وسكر …) ويشي هذا المعجم الشعري بالمضمون الثاوي في تضاعيف النص والمتمثل في التناقض الصارخ بين وضع الجارة ( أقصى درجات البذخ والترف) ووضع الشاعر ورفاقه ( أقصى درجات البؤس ) .
وقد اتخذ الشاعر من تفعيلة (فاعلاتن) المعروفة برتابتها المتواترة ومن التكرار للألفاظ ( نغم في السطور ( 2-3-4) وبيننا س (6-7-9) ويا جارتي أداة لعزف موسيقى حزينة وفية لتيمة الحزن التي تهيمن على النص . وفيما الإيقاع يعكس تفاصيل هذا الحزن ، كانت الصورة أداة تعبر عنه وذلك من خلال خلق علاقات جديدة مع اللغة والكلمات . كما تميزت تقنيات البلاغة القديمة بتطويعها ومحاولة تحديثها فيما حضرت بكثافة تقنيات حديثة كالرمز : البحر : رمز لعجز الذات عن ركوب مغامرة الإبحار/ سبع صحاري رمز لتأكيد الهوة التي تفصل بينهما / المصباح رمز الأمل والإشراق . هذا وتهيمن في النص الأساليب الخبرية الابتدائية على الخصوص والتي تفيد في مجملها غاية الشاعر المتمثلة في تقرير واقع البؤس الاجتماعي ، فيما تحضر الأساليب الإنشائية للدلالة على رغبة الشاعر في تعديل سلوك جارته بدعوتها إلى معانقة التعساء ونضال الرفاق وتضحياتهم .
خلاصة القول إن القصيدة تتوزع إلى لحظات شعورية محورها الأساس هو الحزن وقد استطاعت أن تجسد مأساة إنسانية كانت ولا تزال مستمرة في كل زمان ومكان في شكل شعري حديث يتضمن موقفا جديدا في التعامل مع اللغة والإيقاع والصورة .

القصيدة بعنوان : لحن
جارتي مدت من الشرفة حبلاً من نغم
نغم قاس رتيب الضرب منزوف القرار
نغم كالنار
نغم يقلع من قلبي السكينه
نغم يورق في روحي أدغالاً حزينه
بيننا يا جارتي بحر عميق
بيننا بحر من العجز رهيب وعميق
و أنا لست بقرصان، ولم اركب سفينه
بيننا يا جارتي سبع صحارى
و أنا لم ابرح القرية مذ كنت صبيا
ألقيت في رجلَي الأصفاد مذ كنت صبيا
أنت في القلعة تغفين على فرش الحرير
و تذودين عن النفس السآمه
بالمرايا الفارس الأشقر في الليل الأخير
(أشرقي يا فتنتي)
(مولاي !!)
( أشواقي رمت بي )
(آه لا تقسم على حبي بوجه القمر
ذلك الخداع في كل مساء
يكتسب وجهاً جديد ..
جارتي ! لست أميراً
لا ، ولست المضحك الممراح في قصر الأمير
سأريك العجب المعجب في شمس النهار
أنا لا املك ما يملأ كفيّ طعاما
وبخديك من النعمة تفاح وسكر
فاضحكي يا جارتي للتعساء
نغّمي صوتك في كل فضاء
و إذا يولد في العتمة مصباح فريد
فاذكريني ..
زيته نور عيوني وعيون الأصدقاء
ورفاقي الطيبين
ربما لا يملك الواحد منهم حشوَ فم
و يمرون على الدنيا خفافاً كالنسم
ووديعين كأفراخ حمامه
وعلى كاهلهم عبء كبير وفريد
عبء أن يولد في العتمة مصباح جديد ..