أخبار سب الصحابة رضي الله عنهم هذا سرد تاريخي لواقع خلفاء الدولة العُبَيدية (المسماة بالفاطمية) في سب الصحابة رضي الله عنهم، التقطتُه من كتب التاريخ؛ ليكون سهلًا بين يدي القارئ؛ ليعلم تاريخ هذه الدولة الباطنية في سب الصحابة رضي الله عنهم، وليعلم لماذا يحرص روافض اليوم التباكي على سقوط هذه الدولة، وإحياء ما يسمي بتراثها في مصر؟!
وقولنا: “العُبَيدية” ولم نقل: “الفاطمية”؛ وذلك لما قاله أهل العلم:
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: “سماهم جهلة الناس: الفاطميين”؛ انظر: تاريخ الخلفاء (1/ 4).
وقال الذهبي في دول الإسلام (2/ 80): “يدَّعون أنهم فاطميون، ونسبتهم إلى يهودي أو مجوسي”.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/ 483): “… والذين خرجوا بأرض المغرب ثم جاوزوا إلى مصر وبنَوا القاهرة، وادعوا أنهم فاطميون مع اتفاق أهل العلم بالأنساب أنهم بريئون من نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نسبهم متصل بالمجوس واليهود”.
وقال ابن كثير في “البداية والنهاية” (11/ 346): “وقد كان الباقلاني يقول في عبارته عنهم: هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض”.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (35/ 138): ” دعوة العُبَيديين من القرامطة الباطنية”.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (8/ 161): “إن الفاطميين أدعياء كذبة، لم يكونوا من سلالة فاطمة، كما نص عليه غير واحد من الأئمة”.
وقال أيضًا في (11/ 62): “وقد ذكر ابن الجوزي تفصيل قولهم وبسَطه، وقد سبقه إلى ذلك أبو بكر الباقلاني المتكلم المشهور في كتابه: “هتك الأستار وكشف الأسرار” في الرد على الباطنية، ورد على كتابهم الذي جمعه بعض قضاتهم بديار مصر في أيام الفاطميين الذي سماه: “البلاغ الأعظم والناموس الأكبر”، وجعله ست عشرة درجة، أول درجة أن يدعو من يجتمع به أولًا إن كان من أهل السنة إلى القول بتفضيل عليٍّ على عثمان بن عفان، ثم ينتقل به إذا وافقه على ذلك إلى تفضيل عليٍّ على الشيخين أبي بكر وعمر، ثم يترقى به إلى سبِّهما؛ لأنهما ظلَما عليًّا وأهل البيت، ثم يترقى به إلى تجهيل الأمة وتخطئتها في موافقة أكثرهم على ذلك، ثم يشرع في القدح في دين الإسلام من حيث هو”.
قال الحافظ الذهبي – رحمه الله – في “سير أعلام النبلاء” (15/ 213): “قلت: وكانت دولتهم مائتي سنة وثمانيًا وستين سنة”.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في “منهاج السنة” (4/ 101): “وانقرض مُلك هؤلاءِ في الديارِ المصرِية سنة ثمان وستين وخمسِمائة، فملكوها أكثر من مائتي سنة، وأخبارهم عنِ العلماءِ مشهورة بالإلحاد والمحادة لله ورسوله، والردة والنفاق”.
وسوف أسرد ما جاء من أخبارهم في السب طوال مدة دولتهم:
فهذا أول خلفائهم أبو محمد عبيدالله، وتلقب بالمهدي، والد الخلفاء الباطنية العُبَيدية، افترى أنه من ولد جعفر الصادق، الهالك سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة (321هـ): قال الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (15/ 145): “قال أبو الحسن القابسي صاحب الملخص: إن الذين قتـلهم عبيدالله وبنوه أربعة آلاف في دار النحر في العذاب، من عالم وعابد، ليردهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، فقال سهل الشاعر:
وأحل دار النحر في أغلاله = من كان ذا تقوى وذا صلوات”.
وهذا القائم بأمر الله، أبو القاسم محمد بن المهدي عبيدالله، الهالك سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة (334هـ): قال عنه الذهبي في “سير أعلام النبلاء (15/ 152): “وكان شيطانًا مريدًا يتزندق، ذكر القاضي عبدالجبار المتكلم أن القائم أظهر سب الأنبياء، وكان مناديه يصيح: الْعَنُوا الغار وما حوى، وأباد عدةً من العلماء، وكان يراسل قرامطة البحرين ويأمرهم بإحراق المساجد والمصاحف”.
ومما صنَعه في المغرب تجاه الصحابة رضي الله عنهم ما حكاه الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (15/ 154): “ووجد بخط فقيه قال في رجب سنة (331هـ): قام المكوكب يقذف الصحابة، ويطعن على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلقت رؤوس حَمِير وكِبَاش على الحوانيت، كُتب عليها أنها رؤوس صحابة”.
وقوله: “المكوكب”: كذا! في سير أعلام النبلاء، ولعل: معناها كما في “مجالس ثعلب” (ص/ 91): “المكوكب: الذي يسير في الموكب”، والمَوْكِبُ: وهو الجماعة من الناس يسيرون رُكبانًا ومشاةً في زينة أو احتفال، والجمع: مَواكِبُ؛ المعجم الوسيط (2/ 1095)، والله أعلم، ثم وجدت الدكتور سعد بن موسى الموسى فسر المكوكب في رسالته: “موقف الإمام الذهبي من الدولة العُبَيدية” (ص/ 46) بأنه: “أحد الدعاة للمذهب الباطني”، ولم يتبين لي ذلك، ولعل الأول أقرب، والله أعلم بالصواب.
ولذلك قال الحافظ الذهبي: “وقد أجمع علماء المغرب على محاربة آل عبيد؛ لِما شهروه من الكفر الصراح الذي لا حيلة فيه، وقد رأيت في ذلك تواريخ عدة يصدق بعضها بعضًا”.
وذكر أيضًا في “سير أعلام النبلاء” (15/ 155) ما حدث من أهل المغرب حيال زندقة القائم بقوله: “وخطبهم في الجمعة أحمد بن أبي الوليد وحرَّضَهم، وقال: جاهدوا من كفر بالله وزعم أنه رب من دون الله، وغيَّر أحكام الله، وسب نبيه وأصحاب نبيه، فبكى الناس بكاءً شديدًا، وقال: اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيدالله المدعي الربوبية جاحد لنعمتك، كافر بربوبيتك، طاعن على رسلك، مكذِّب بمحمد نبيك، سافك للدماء، فالْعَنْه لعنًا وبيلًا، وأخزه خزيًا طويلًا، واغضب عليه بكرة وأصيلًا، ثم نزل فصلى بهم الجمعة”.
وهذا العزيز بالله العُبَيدي الهالك سنة ست وثمانين وثلاثمائة (386هـ): قال الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (15/ 170): “وفي أيامه أظهر سبَّ الصحابة جِهارًا”.
وهذا الحاكم بأمر الله العُبَيدي الرافضي، بل الإسماعيلي الزنديق المدَّعي الربوبية، الهالك سنة إحدى عشرة وأربعمائة (411هـ): قال عنه الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (15/ 174): “له شأن عجيب، ونبأ غريب، كان فرعون زمانه، يخترع كل وقت أحكامًا يلزم الرعية بها، أمر بسب الصحابة رضي الله عنهم، وبكتابة ذلك على أبواب المساجد والشوارع، وأمر عمَّاله بالسب”.
وقال أيضًا في “تاريخ الإسلام حوادث سنة 395هـ (ص/ 283)”: “وكان عجيب السيرة، يخترع كل وقت أمورًا وأحكامًا يحمل الرعية عليها، فأمر بكَتْب سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع، وأمر العمال بالسب في سنة خمسٍ وتسعين وثلاثمائة”.
وقال ابن تغري بردي في “النجوم الزاهرة” (4/ 177 – 178): “قال العلامة أبو المظفر بن قزأوغلي في تاريخه: “وكتب على المساجد والجوامع سب أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم، في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، ثم محاه في سنة سبع وتسعين”.
وقال المقريزي في “المواعظ والاعتبار” (4/ 72) عند ذِكر الحاكم وما حدث في ولايته سنة خمس وتسعين وثلاثمائة: “وكتب على أبواب المساجد وعلى الجوامع بمصر وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر سب السلف ولعنهم، وأكره الناس على نقش ذلك وكتابته بالأصباغ في سائر المواضع”، ثم قال في (4/ 73): “وفي سنة سبع وتسعين أمر بمحو سب السلف، فمحي سائر ما كتب من ذلك”.
وأبان لنا الإمام ابن القيم – رحمه الله – عن السبب الذي جعل الحاكم يبدِّل ويغيِّر الأحكام التي كان يأمر بها، وهو اعتماده على المنجمين في إدارة حكمه، وعلى رأس هؤلاء المنجمين: الفكري، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله – في “مفتاح دار السعادة” (2/ 139): “وكان هذا الفكري قد استولى على الحاكم، فإنه اتفقت له معه قضيتان أمالتاه إليه.
إحداهما: أن الحاكم عزم على إرسال أسطول إلى مدينة صور لمحاربتهم، فسأله الفكري أن يكون تدبيره إليه، ليخرجه في طالع يختاره، وتكون العهدة إن لم يظفر عليه، واتفق ظهور الأسطول.
الثانية: أنه ذكر أن بساحل بركة رميس مسجدًا قديمًا، وأن تحته كنزًا عظيمًا، وسأله أن يتولى هو هدمه، فإن ظهر الكنز وإلا بناه هو من ماله، وأودعه السجن، فاتفق إصابة الكنز، فطاش المغرور بذلك.
فلما حكم عليه الفكري بتغيير دولته، وقضى المنجمون بمثل قضائه، فوقع للحاكم أن يغير أوضاع المملكة والدولة؛ ليكون ذلك هو مقتضى الحكم النجومي، فصار يأمر في يومه بخلاف كل ما يأمر به في أمسه، فأمر بسب الصحابة رضوان الله عليهم على رؤوس المنابر والمساجد، ثم أمر بقطع سبهم وعقوبة من سبهم، وأمر بقطع شجرة الزرجون من الأرض، وأوجب القتل على من شرب الخمر، وأمر بغرس هذه الشجرة، وأباح شرب الخمر، وأهمل الناس نهب الجانب الغربي من القاهرة، وقتلت فيه جماعة، ثم ضبط الأمر، حتى أمر ألا تغلق الحوانيت ليلًا ولا نهارًا، وأمر مناديه ينادي من عدم له ما يساوي درهمًا أخذ من بيت المال عنه درهمين بعد أن يحلف على ما عدمه أو يعضده شهادة رجلين، حتى تحيل الناس في ستر حوانيتهم بالجريد؛ لئلًا تدخلها الكلاب، ثم عمد إلى كل متولٍّ في دولته ولاية فعزله، وقتل وزيره الحسن بن عماد؛ كل ذلك ليكون قول أهل النجم أن دولته تتغير واقعًا على هذا الضرب من التغيير”. وهذا المستنصر بالله العُبَيدي الهالك سنة سبع وثمانين وأربعمائة (487هـ): قال الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (15/ 196): “وكان سب الصحابة فاشيًا في أيامه، والسنَّة غريبة مكتومة”.
وهذا العاضد لدين الله خاتم الدولة العُبَيدية: خلعه صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله – من حكم مصر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/ 637 – 638): “ومن حينئذٍ ظهرت بهذه البلاد كلمة الإسلام والسنة والجماعة، وصار يقرأ فيها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كالبخاري، ومسلم، ونحو ذلك، ويذكر فيها مذاهب الأئمة، ويترضى فيها عن الخلفاء الراشدين، وإلا كانوا قبل ذلك من شر الخلق، فيهم قوم يعبدون الكواكب ويرصدونها، وفيهم قوم زنادقة دهرية لا يؤمنون بالآخرة ولا جنة ولا نار، ولا يعتقدون وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وخير من كان فيهم الرافضة، والرافضة شر الطوائف المنتسبين إلى القبلة”.
قال الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (15/ 213 – 214) عن العاضد هذا: “الهالك يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمسمائة بذَرَب مُفْرِطٍ، وقيل: مات غمًّا لما سمع بقطع خطبته وإقامة الدعوة للمستضيء، وقيل: سقي، وقيل: مص خاتمًا له مسمومًا، وكانت الدعوة المذكورة أقيمت في أول جمعة من المحرم، وتسلم صلاح الدين القصر بما حوى من النفائس والأموال، وقبض أيضًا على أولاد العاضد وآله، فسجنهم في بيت من القصر، وقمع غلمانهم وأنصارهم، وعفا آثارهم”.
والذَّربُ: داء يَعْرِض للمعدة فلا تهضم الطعام، ويَفسُدُ فيها ولا تُمْسِكُه؛ المعجم الوسيط (1/ 321).
وقال الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (15/ 211 – 212): “قلت: تلاشى أمر العاضد مع صلاح الدين إلى أن خلعه وخطب لبني العباس، واستأصل شأفة بني عُبيد، ومحق دولة الرفض، وكانوا أربعة عشر مُتَخَلِّفًا لا خليفة، والعاضد في اللغة أيضًا القاطع، فكان هذا عاضدًا لدولة أهل بيته”.
ومن أخبار العاضد هذا ما قاله ابن خلكان في “وفَيَات الأعيان” (3/ 110): “وكان العاضد شديد التشيع، متغاليًا في سب الصحابة رضوان الله عليهم، وإذا رأى سُنِّيًّا استحل دمه”.
وقال أيضًا الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (15/ 208): “وكان العاضد سَبَّابًا خبيثًا مُتَخَلِّفًا”.
ومعنى متخلفًا: قال الزبيدي في “تاج العروس” (23/ 266): “خَلَفَ فلان: فسد، نقله الجوهري عن ابن السكيت، ومنه قولهم: عبدٌ خالف؛ أي: فاسد”.
وقال أبو بكر الأنباري في “الزاهر في معاني كلمات الناس” (2/ 231): “ويقال: قد خَلَفَ الرجل يخلف خلافة: إذا كان متخلِّفًا لا خير فيه، مُؤيسًا من رشده”.
وقال ابن خلكان في “وفيات الأعيان” (3/ 111): “فلما استولى السلطان صلاح الدين وعزم على القبض على العاضد، واستفتى الفقهاء في قتله، أفتَوْه بجواز ذلك؛ لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة، وفساد الاعتقاد، وكثرة الوقوع في الصحابة والاستهتار بذلك”.
ومن أفعال العُبَيدين في الجملة: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – حيث قال في “مجموع الفتاوى” (35/ 138): “وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب، فله دينار وإردب، وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة، بل يتكلم فيها بالكفر الصريح”.
وبين القصرين: فضاء كبير وبراح واسع، كان في القاهرة في أيام الدولة العُبَيدية، يقف فيه عشرة آلاف من العسكر ما بين فارس وراجل، فلما انقضت أيام الدولة العُبَيدية وخلت القصور من أهاليها، ونزل بها أمراء الدولة الأيوبية وغيَّروا معالمها، صار هذا الموضع سوقًا يعجز الواصف عن حكاية ما كان فيه؛ [انظر: خطط المقريزي (3/ 53، 176)]، وهو الآن من أحياء مدينة القاهرة.
والإرْدَبُّ: مكيال ضخم، وهو أربعة وعشرون صاعًا (الصاع أربعة أمداد)، ويساوي: 150 كيلو جرامًا؛ [معجم لغة الفقهاء (ص/ 54)].
ومن جملة هذه الأفعال أيضًا: منعُهم التكني بأبي بكر! كما وقع مع الإمام المحدث الحجة محمد بن عوف بن أحمد بن محمد بن عبدالرحمن المزني الدمشقي، قال ابن عساكر – رحمه الله – في “تاريخ دمشق” (55/ 46): “وكان يتكنى قديمًا بأبي بكر، فلما منع بالشام من التكني بأبي بكر، تكنى بأبي الحسن”، وقال الذهبي – رحمه الله – في “سير أعلام النبلاء” (17/ 550): “وكان تكنى قديمًا بأبي بكر، فلما منَعت الدولة العُبَيدية من التكني بذلك، تكنى بأبي الحسن”؛ ولذا قال ابن تغري بردي في “النجوم الزاهرة”: “فإنه معلوم من كون خلفاء بني عبيد كانوا يظهرون الرفض وسب الصحابة، وكذلك جميع أعوانهم وعمالهم”.
هذا آخر ما تيسر لي جمعه، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.