تحاول هذه الدراسة استقراء أسلوب بدر شاكر السياب (1926 – 1964 ) ولغته التي استعملها في قصيدة (رحل النهار)، باعتباره رائدًا من رواد الشعر الحر، ترك أثره في التجديد الشكلي والمضموني وتناولته الدراسات الأدبية الكثيرة.
العناصر القديمة عند السياب، تتمثل بـتأثره بالقرآن الكريم والشعر القديم، وكثرة استعماله الألفاظ المعجمية الغربية، مما يوضح استفادته من القرآن والشعر القديم، بشكل لا يضاهيه فيه شاعر محدث، وهذا لا ينفي عن غيره عدم تضمينه شعره بعض هذه العناصر كالبياتي مثلا. أما عن العناصر الجديدة التي استعملها السياب ، فهي الظواهر غير المألوفة في اللغة القديمة، مع أن هذا غير مختص بالسياب، بل تكرر عند غيره كالجمل الإنشائية والاعتراضية وجمل التشبيه.
الجمل الإنشائية من طبيعة الشعر، وتراكمها من خلال تكرار أدوات الاستفهام والتمني والنداء وغيرها يؤكد أن هذه سمة من سمات شعرالسياب. ونستطيع أن نلخص الظواهر ا لبارزة في مبنى جمل السياب، في ما يلي:
1. انتقاله بين القديم والجديد، انتقالا سهلا محببا
2. إقتباساته من الألفاظ القرآنية، وهو بذلك يطعم شعره بالروح التراثية . وبهذا اكتسبت قصائده خصبا ورونقا باستخدامه القصة بوصفها أداة تعبيرية موحية ومؤثرة كما انتشرت في شعره الرموز الأسطورية كأحد أساليب القصص الشعري . يُقال أن وراء قصيدة بدر شاكر السياب هذه، قصة محزنة، مفادها أنه عندما اقعده المرض في المستشفى احب ممرضه لبنانية ذات شعر اشقر كانت تقوم على خدمة كما أحبته الممرضة، واعطته خصلة من شعرها الاشقر فاحتفظ بهذه الخصلة في كتاب عنده واثناء تواجد زوجته معه اكتشفت صدفة تلك الخصلة وعرفت انها تعود للمرضه فغضبت وقررت ان ترميها بالبحر ولم يجد ما يعزي به نفسه لفقد تلك الخصلة فكانت القصيدة التي يستعيرفيها ملامح السندبا، ويطلب من زوجته عدم انتظار عودته من رحلة العلاج فالسندباد/ السياب ، لن يعود هذه المرة … يسرد الشاعر تساؤلات الزوجة وقلقها وخوفها من زوال شبابها
سيعود، لا ،غرق السفين من المحيط إلى القرار
سيعود، لا، حجزته صارخة العواصف في أسار
إشارة إلى انقطاع أمله في العودة إلى حياة الاستقرار، وفقدان الأمل في العودة بسبب المرض ، ويلحّ على عدم الجدوى من الانتظار
رحل النهار
فلترحلي، رحل النهار
ويكرر الشاعر الجمل كما هي عادته في التكرار، فيقول:
هو لن يعود
بعض الجمل تتطوروتتغير حتى تحدث في العبارة هزة ومفاجأة
” الموت من أثمارهن وبعض أرمدة النهار
الموت من أمطارهن وبعض أرمدة النهار
الخوف من ألوانهن وبعض أرمدة النهار”
سندباد السياب المسافر يفقد كل آماله بالعودة ، وينطفىء الشعاع الذي ينير رحلة الكشف والمغامرة بفعل المؤثرات الخارجية القاسية . “ولم يكن هكذا السندباد القديم ، ولكن لا غرابة في أن يكون، فهكذا رآه الشاعر، أو رأى نفسه فيه . إنّ رحلته ليست رحلة كشف ومغامرة يعود بعدها بالمغامرات كما كان شأن السندباد، ولكنها رحلة في عالم الضباب والمجهول ، رحلة لا عودة منها ، وإذا كان للأسطورة وظيفة نفسية ترتبط بأحلام البشر وتصوراتهم الرمزية لأشياء أو حيوانات خرافية تومئ إلى تجاربهم النفسية في الحياة ومخاوفهم وآمالهم فإن استخدام السّيّاب لأسطورة السندباد هنا ، يعتبر تجسيداً واعياً لتجربته الطويلة مع المرض ورحلة الإحباط التي رافقته طيلة سنواته الأخيرة .‏
يرتحل السندياد من مدينة إلى مدينة ، ويلاقي أهوالاً كثيرة ، وبالرغم من هذه المصاعب التي تصل حدّ الموت ، يبقى هناك قنديل سريّ أسطوري يشعل اللحظة ويضيء الفتيلة ، وعلى ضوء هذه الفتيلة كانت تلوح طريق العودة، التي يصر الراوي في ألف ليلة وليلة على أن تكون دائما مكللة بالظفر والأموال والجواهر، بالرغم من مدّ الشدائد والأهوال والبحار. ينتقل السيّاب من مشفى إلى مشفى حاملاً قروحه وآلامه وغربته ويأسه، من العراق إلى مشفى الجامعة الأمريكية ببيروت في 8 نيسان 1962، إلى مشفى سانت ماري في لندن في 21 كانون الأول 1962، وإلى مشفى في باريس، ثم عودة إلى مشفى الموانىء في البصرة، ثم إلى أحد مستشفيات بغداد ، ثم إلى المشفى الأميري بالكويت حيث وفاته يوم الخميس الموافق للرابع والعشرين من كانون الأول 1964 ، ينتقل فاقداً الأمل في شفائه، وتبدو قصيدته “رحل النهار” تجربة مريرة مع هذا الإنتقال الذي تجسده اسطورة السندباد . ويصبح الأفق ، الفضاء الممتد الذي يشير رمزياً في حالته الجمالية إلى الأمل والنور والخلاص، يصبح عند السيّاب في حالته المرضية سحباً ثقيلة وخوفاً وموتاً :‏
“الأفق غابات من السحب الثقيلة والرعود…
ويأخذ الموت في أعمال السيّاب الأخيرة ، وبخاصة تلك التي أنجزت بين عام 1962 إلى حين وفاته عام 1964 – وهي فترة مرضه الشديدة – يأخذ حيزاً واسعاً، حيث يصبح ظاهرة متجذّرة ، تحول حياة السيّاب إلى هواجس، وهذيانات ، وكوابيس، وهموم يومية .” إن فضاء الموت يستحوذ على الشعر المعاصر ، (..) إن الموت محور شعري تمتد جذوره إلى ملحمة جلجامش ، وهو يسكن الفعل الشعري بما هو فعل كوني تتجاوب فيه الشعوب، بعيدها وقريبها. كرحم تعيد فيه التجربة الشعرية على الدوام مساءلة العالم فيما هي تعيد مساءلة ذاتها، أنطولوجياً وإجتماعياً – تاريخياً ”
إن فعل الموت عند السيّاب يرتبط بتجربة خاصة منذ وفاة والدته، حتى وفاة والده في أوائل أيار 1963، إذ لم يستطع أن يذهب إلى المسجد لحضور جنازته، بسبب فقدان السيّاب التام للقدرة على المشي، وسيتعمق تأثير هذا الفعل في قصائده التي ذكرت هذا الفعل وصّورته وحشاً يفترس الأماني والأحلام ،” وكان اهتمام بدر بمشكلة الموت يزيد حدّة بانحدار صحته المتواصل حيث كان يشعر بضعف جسده أمام حياة لا ترأف به. كان في السابق يرى الموت قوة فداء ووسيلة خلاص تؤديان إلى حياة موفورة فضلى. أما الآن فبدأ يشعر أنه مشكلة شخصية بكل ما للتجربة الفردية من صميمية ويقين . كان الموت الآن ، موته هو ، لاموت الآخرين. كان موته وحده ولا يستطيع الآخرون مساعدته – بل إنّ الآخرين مضوا في لامبالاة يتابعون شؤون حياتهم “أمام تأثير فعل الموت نجد أن سندباد السيّاب في هذه القصيدة “رحل النهار” مسجون في قلعة سوداء نائية في جزر بعيدة، تجتاحها العواصف المدمّرة التي ستغرق سفينته إلى القرار، وهذه القلعة هي الأخرى تتأثر بهذا الفعل إذ أنها تغرق في الدم ، وهي هنا تشير رمزياً إلى الكون المصغّر الذي يعيشه السيّاب ، إنه الكون المحكوم بالفشل في الحب والشفاء، والأمل على المستوى الشخصي، وعلى المستوى العام في علاقته مع الحياة الإجتماعية والسياسية في تاريخ العراق . يقول في نفس القصيدة :‏
“خصلات شعرك لم يصنها سندباد من الدمار،‏
شربت أجاج الماء حتى شاب أشقرها وغار‏
ورسائل الحب الكثار… حتى ألق الوعود ” يشيرهنا إلى تجربة خاصة عاشها مع ممرضة لبنانية شابة وجميلة اسمها ليلى، بعد أن خرج من مشفى الجامعة الأمريكية ببيروت، إذ كانت هذه الممرضة تلازم بدراً في فندق سان بول ببيروت من الساعة السابعة صباحاً إلى التاسعة مساء ، وهذه الممرضة ستترك أثراً عميقاً في حياته وبعض أعماله الشعرية ” وكانت الممرضة الجميلة ليلى تلازمه في وحدته ووحشته، وكانت تعتني به جيداً وتعطف عليه . فبدأ بالتدريج يشعر بجاذبية نحوها . فتبادل وإياهاكلمات وديّة فيها تفاهم عميق . وصار يفكر بها ليلاً وينتظر عودتها بشوق كل صباح ، وقد أعطته هي خصلة من شعرها الأشقر وبعض رسائل حبها ليقرأها. ولم ترد أن تخيّب أمله بدافع شعورها بواجبها المهني فواصلت خدمته. لكن في زمن المرارة ، زمن الإنتظار المالح، تفقد المرأة بريقها الأنثوي، فيغور شعرها، ويغزوه الشيب في عزّ الصبا. إن توظيف أسطورة السندباد عند السيّاب يأخذ منحى إنسانياً مغايراً لما هو عليه في الأسطورة . وكثيراً ما يساهم إحساس الشاعر الجمالي بحركية الأبطال الأسطوريين وطبيعة مواقفهم الفكرية، بالتدليل على مآسي الإنسان المعاصر ، ومآسي الشاعر نفسه ، الذي يتخذ من الرمز الأسطوري قناعاً له في كثير من الأحيان. وقد يغير الشاعر من هذه المواقف فيضيف إليها ويحذف منها ، ويشكلها تشكيلاً جديداً وفق رؤيته الخاصة، التي تناسب موقفاً ما يريد أن يبرزه داخل نصّه الشعري .‏ في ألف ليلة وليلة ، يحقق السندباد – الأسطورة- لأسرته وزوجته كل ما تمنته ورغبت فيه من طمأنينة وأمان نفسي ، وقصر فسيح، وخدم ، بعدعودته إلى بغداد بالجواهر و الاموال والمتاع مما له قيمة عظيمة : ( جئت إلى حارتي ودخلت بيتي وقد جاء جميع أهلي وأصحابي ثم إني اشتريت لي خدماً وحشماً ومماليك وسراري وعبيداً حتى صار عندي شيء كثير،‏ واشتريت لي دوراً وأماكن وعقاراً أكثر من الأول) أما السندباد/ السيّاب فإنه لم يطفئ شعلة الحنين المتفجرة عند المرأة نحو الحبّ والأمان والرجل الغائب، لأنّ زمن السيّاب الفاجع يقف محبطاً أمنية المرأة وحلمها، فتغيب إشراقتها المتألقة، وتفقد الوعود الجميلة بريقها بعدم تحققها ، وتذوب رسائل الحبّ بماء البحر المالح ، ويطفىء الزمن توهج الحلم .وحين تشعر المرأة أنها على حافة الزمان، فإن رغبتها في التواصل الإنساني مع الرجل الغائب تدفعها للتعلق ولوببصيص من نور ، فتعيش على هذا الحلم الذي يبرد أعماقها المجروحة ، وتمني نفسها بعودته لتمسك قبضتيه ، ويعمّ الخصب والنماء ، ويتجدد القلب :‏
“دعني لآخذ قبضتيك كماء ثلج في إنهمار‏
من حيثما وجهت طرفي .. ماء ثلج في انهمار‏
ومن خلال حالة السياب الصحية والنفسية ، وفشله يمكننا فهم السبب الذي جعله يلغي عودة البطل الأسطوري ، وبالتالي غياب السندباد ، وتمزق شراع سفينته . وتنتهي القصيدة لتؤكد الحسّ الفاجع المأساوي عند بدر شاكر السيّاب ، فالبحر متسع وخاو ولا أثر للسندباد . وحده الشراع الممزق يترنح فوق صفحة الماء، فلترحلي أيتها المرأة،.‏
“رحل النهار‏
والبحر متسع وخاو لا غناء سوى الهدير‏
ويمكن أن يكشف فضاء النص الشعري السابق عن استفادة الشاعر بدر شاكر السيّاب من الأسطورة اليونانية ” أوديس ” أو عوليس وزوجته ” بنلوب” باعتبار أوديس رمزاً للرحال المغامر ، وباعتبار بنلوب رمزاً لزوجته الوفيه التي تنتظره على شاطىء البحر، لأن ثمة ملامح مشتركة بين السندباد وبين أوديس، وتتداخل هاتان الأسطورتان في الخطاب الشعري العربي المعاصر تداخلاً واضحاً.‏
هناك ملامح سندبادية أخرى تظهر عند الشاعر بدر شاكر السيّاب ، وبخاصة في قصائده :” الليلة الأخيرة ” من ديوان منزل الأقنان ،و” أفياء جيكور ” و “الوصية ” من ديوان المعبد الغريق .