ظهر خطاب البعث والإحياء نتيجة طبيعية لعاملين هما : الرد على التحدي الحضاري الغربي ثقافيا وانتشال العملية الإبداعية الشعرية من الجمود والاسفاف الذي طبعها في مرحلة ما يسمى بالانحطاط ، وذلك بربطها بالشعر العربي القديم ، وذلك من خلال :
– استلهام تقاليد القصيدة العربية القديمة والالتزام بعمود الشعر من حيث البناء واللغة والتصوير .
– إحياء القيم الثقافية العربية وتمثلها على مستويات ، الجمال ، الطبيعة ، الإنسان والحياة .
– التوفيق بين التقاليد الفنية ومحاولة تطويعها لاحتواء قضايا العصر الوطنية والقومية والاجتماعية .
ويعتبر حافظ إبراهيم من الشعراء الرواد الذين ساهموا في إرساء دعائم هذا الخطاب وتمكين التيارات الشعرية التي أتت فيما بعد من الوقوف على رجليها ، وقد اجتمعت عوامل كثيرة ساهمت في توجيه شاعريته نحو الحزن مما دفعه إلى التصريح ” لا استطيع قول الشعر إلا إذا كنت محزونا ” والقصيدة التي بين أيدينا ، تشي بهذا الحزن وتحاول رصده من خلال رثاء الشاعر احد أصدقائه ، وهو رثاء لا تغيب عنه قيم الرثاء المتواترة في الشعر العربي القديم .
فالشاعر يركز في رثائه على القيم الثالية :
– الإشادة بعمله الوطني المتميز
– ذكر مناقب الفقيد من إيثار / شجاعة / سماحة / …
– الإشادة بعراقة نسبه وحسبه .
– رصد مشاعر الأسى والحزن تجاه الفقيد .
وقد حققت هذه القيم وجودها من خلال تواتر الألفاظ التي تحيل على هذا الجو المأساوي من مثل : ( كنت فيهم / قصفته المنون / دموعي رثائي / الدموع الجواري / فمن الحزن / ومن الحزن ما / نظمت رثائي / كنت تاسو جراحهم / …) .
وإذا كانت القصيدة ، لغويا ، تمتح من المعجم الشعري الخاص بغرض الرثاء ، فإنها على مستوى الصورة الشعرية التمست تقنيات البلاغة العربية القديمة من تشابيه ( كنت فيهم كالرمح / كالكوكب / ..) واستعارات ( قصفته المنون وهو نضير / مورق عموده جني الثمار ) .
والملاحظ أن ندرة الصور الشعرية يمكن ان ينظر إليها من زاوية أخرى على أنها لا تعدو أن تكون تأثيثا للنص .
وكما تمثل النص لغة وبلاغة القديم ، تمثل أيضا عناصر الإيقاع القديمة ، من اعتماد بحر الخفيف التام والروي الموحد .
وننتهي مما سبق أن القصيدة إعادة إنتاج لنفس القيم الشعرية القديمة التي يمكن اختزالها في عمود الشعر ، وبتعبير آخر إن الذاكرة الشعرية ساهمت في تشكيل بنية النص شكلا ومضمونا .