النص :
ما أجمل أن ينتعل المرء حذاء جديدا ، ويخرج هو الآخر إلى الشارع من غير ما خجل ، وان يتلذذ بالنعومة التي تدغدغ باطن الرجل!
وألقى نظرات خاطفة على المارة من حوله ، وهم يسيرون الهوينى، وبريق أحذيتهم ينتقل إلى وجوههم ، سيكون بينهم بعد قليل وسيرفع رأسه عاليا ، ولن يحس بالحصى تعاكس قدميه ، ولا المسمار الصغير بقدمه اليسرى … ووصل الزقاق الذي يسكنه وهو لا يصدق نفسه بأنه يمتلك ، كالآخرين ، حذاء جديدا . وقبل أن يدخل البيت توقف عند الدكان كعادته ، ليشتري عشاءه : بعض حبات من الزيتون ونصف خبزه وقليلا من السكر والشاي . سيضع ذلك بالبيت قبل أن يخرج بحذائه إلى الشارع . وسأله صاحب الدكان : ماذا تحمل بين يديك يا عباس ؟ فأجابه وبريق عينيه يلمع كمن يريد أن يشركه في فرحه : انه حذاء جديد . وتسلمه صاحب الدكان منه ، وتأمله قليلا قبل أن يقول : تجد المال لتشتري الحذاء … ولا تجده لتسدد ما عليك من دين . وعلت وجهه حمرة الخجل ، انه لا يجد ما يقول . وتنحنح .وتلعثم ولكنه لم يقل شيئا . ووضع صاحب الدكان الحذاء في الداخل ، وهو يرجع إلى زبون كان يطلب منه بعض الحاجيات . وانتظره عباس إلى أن انتهى ثم سأله : كيف وجدت الحذاء ؟ أليس جميلا ؟ وأجابه صاحب الدكان في حنق : أتستهزئ مني ؟ إني أجدك معتوها . لا تقدر من يقدم لك المساعدة . دائما تستدين مني وبدل أن تدفع لي ، تشتري حذاء جديدا . وخفض بصره وهو يعتذر : أنت لا تدرك مقدار الخجل الذي اشعر به وأنا انتعل حذائي هذا . انظر إليه . إن أصابع قدمي تظهر منه . ورفع صاحب الدكان الحذاء بين يديه ودخل به نحو خزانة حديدية حيث فتحها ورمى به داخلها ليستقر بين الرهائن الأخرى ورجع إلى عباس يقول له : انه في حرز حريز ولن تخشى عليه من السرقة ،انه داخل الحديد وأجابه عباس وهو يكتم غيظه : ولكني أريد أن انتعله . وأردف صاحب الدكان بسرعة : عندما تؤدي دينك . ثم اهتم بزبائنه ، وجمد عباس في مكانه ولم يجد غير الاستعطاف مخرجا. فكال له من الدعوات الطيبة ما لا يدرك إلا اله مقدار تنفيذها . ولكن صاحب الدكان كان قد قفل قلبه عن كل ذلك كما قفل بمفتاح من حديد على الحذاء الجميل . بل ليحسم الموقف انتهر عباس قائلا: لا تقف امامى هكذا.لقد انتهينا.عندما تسدد دينك ارجع لك الحذاء . هنا اشتد الحنق بعباس فانهال على صاحب الدكان بالسب والشتم،ولم يفلت عنقه من بين يديه القويتين إلا الزبائن الذين تدخلوا في الوقت المناسب.ولكن كل ذلك لم يفتح أبواب السجن عن الحذاء الجميل.ذلك الحذاء الذي سيسمح له بأنه يسير كبقية عباد الله،مرفوع الرأس،ولمعانه على محياه.وعاود الكرة في أن يستغفره ويطلب منه المعذرة،وعندما تدخل الزبائن مرة أخرى اتفقا على أن يسمح له برؤية الحذاء بين حين وحين. وهكذا لعباس عادة أخرى ، هي أن ينظر إلى حذائه فيتأمله مليا قبل أن يدخل بيته وهو يترقب اليوم الذي يطلق فيه سراحه نهائيا . ويومها سينتعله وهو يتمتم : ما أجمل أن يكون للمرء حذاء جديد …
السؤال :
اكتب موضوعا إنشائيا متكاملا تحلل فيه النص وفق تصميم منهجي منظم مركزا على ما يلي :
تاطير النص ضمن تطور الأشكال – اختزال المتن الحكائي – عناصر الخطاب السردي وخصائصها –
الأبعاد النفسية والاجتماعية لعباس
عناصر الإجابة
تعتبر القصة القصيرة شكلا ادبيا ينقل سلسلة محدودة من الاحداث والمواقف ، ويتميز بناؤها بوحدة الاثر او الانطباع ولحظة الازمة واتساق التصميم .
ويجمع اغلب الدارسين على ان ظهورها ارتبط بالتحولات الكبرى التي عرفها المشهد الثقافي في المغرب نتيجة اوضاع الاستعمار ومصاحباته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، ونتيجة مرحلة الاستقلال التي عرف فيها المغرب اختلالا في بنياته الاقتصادية والاجتماعية .
وقد اسهم القاص محمد ابراهيم بوعلو في تاسيس هذا الفن وتاصيله داخل الثقافة السردية المغربية ،بمجموعته القصية “السقف” التي استهدف فيها رصد الواقع الاجتماعي وتحليله ضمن رؤية لا تخلو من نقد يمكن تصنيفه داخل التيارات الواقعية .
والنص الذي بين ايدينا مقتطف من مجموعة “السقف” ويمكن اختزال متنه الحكائي في : رغبة عباس امتلاك حذاء جديد يمكنه من الاحساس بادميته ، غير ان تحقق الرغبة تلاه احساس بالاحباط حيث صار الحذاء رهينة عند صاحب الدكان ، هذا الاخير الذي اعتقل الحذاء الى حين اداء عباس ما عليه من مستحقات له ، وبعد السب والشتم والشجار حسم الامر ، بتدخل من الزبائن ان يسمح صاحب الدكان لعباس برؤية حذائه كل يوم الى حين أدائه للدين.
وتكشف القصة الابعاد الاجتماعية والنفسية لشخصية عباس والتي تتمثل في :
– الفقر : الحذاء المثقوب / طبق العشاء المتواضع / تراكم الديون.
– الحرمان : الحلم المحبط / الخجل / الحنق / التوثر / الانتظار.
وقد ساهمت مجموعة من الادوات في اخراج النص من دائرة الصفر في الكتابة ، وتصنيفه ضمن جنس المتخيل السردي اهمها :
– السرد : ساهم في تنمية الحدث وتطويره .
– الوصف ساهم في الكشف عن الحالة الاجتماعية والنفسية لعباس.
– الحوار : بين عباس وصاحب الدكان .
– الرؤية السردية : هيمنت الرؤية من الخلف اذ يبدو السارد علما بالشخصية ، فيتخذ وضعية التواري ، ويستعمل ضمير الغياب .
– المراوحة بين التكثيف والاختزال والاطناب وشفافية اللغة التي تعتبر احدى مميزات السرد الكلاسيكي.
وخلاصة القول : ان قصة “الحذاء الجديد” تجادل في قضية الفقر من منظور واقعي يختزل في ذاته ادانة للسياسات الاقتصادية التي سادت في المغرب والتي تعمل على توسيع الهوة بين الشرائح الاجتماعية والطبقات.