المجاهدة ، الجهاد والمجاهدة : استفراغ الوسع في مدافعة العدو
الجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حقَّ جِهادِهِ} [الحج: 78] وقوله: {وجاهدوا بأموالِكُم وأنفُسِكم في سبيل الله} [التوبة: 41] وقال صلى الله عليه وسلم: “جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم”) [“المفردات في غريب القرآن” مادة جهد ص101]. فمجاهدة النفس فطمها وحملها على خلاف هواها المذموم، وإلزامها تطبيق شرع الله تعالى أمراً ونهياً.
دليلها من الكتاب والسنة:
قال الله تعالى: {والذينَ جاهَدوا فينا لنَهديَنَّهم سُبُلَنا} [العنكبوت: 69] وهذه الآية نزلت قبل فرض القتال. وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المجاهدُ مَنْ جاهد نفسَهُ في الله” [أخرجه الترمذي في كتاب فضائل الجهاد وقال: حديث حسن صحيح، وزاد البيهقي في “شعب الإيمان” برواية فضالة: “والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب”. “مشكاة المصابيح للتبريزي” كتاب الإيمان رقم 34]. وفي رواية: لله.
حكمها: تزكية النفس فرض عين كما سبق أن بينا ذلك [انظر بحث أهمية التصوف ص28] ولا تتم إلا بالمجاهدة ومن هنا كانت المجاهدة فرض عين من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قابلية صفات النفس للتغيير:
لا شك أن النفس الإنسانية قابلة لتغيير صفاتها الناقصة وتبديل عاداتها المذمومة، وإلا لم يكن هناك فائدة من بعثة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ؛ ولا ضرورة لمن بعده من ورثته العلماء العاملين والمرشدين المصلحين. وإذا كان كثير من سباع الطيور والبهائم قد أمكن ترويضها وتبديل كثير من صفاتها، فالإنسان الذي كرمه الله تعالى وخلقه في أحسن تقويم، من باب أولى. وليس المراد من مجاهدة النفس استئصال صفاتها ؛ بل المراد تصعيدها من سيء إلى حسن، وتسييرها على مراد الله تعالى وابتغاء مرضاته.
طريقة المجاهدة:
أول مرحلة في المجاهدة عدم رضى المرء عن نفسه، وإيمانُه بوصفها الذي أخبر عنه خالقها ومبدعها: {إنَّ النفس لأمَّارةٌ بالسوء}[يوسف: 53]. وعلمه أن النفس أكبر قاطع عن الله تعالى كما أنها أعظم موصل إليه وذلك أن النفس حينما تكون أمَّارة بالسوء لا تتلذذ إلا بالمعاصي والمخالفات، ولكنها بعد مجاهدتها وتزكيتها تصبح راضية مرضية لا تُسَرُّ إلا بالطاعات والموافقات والاستئناس بالله تعالى. ويتدرج في المجاهدة على حسب سيره، فهو في بادىء الأمر يتخلى عن المعاصي التي تتعلق بجوارحه السبعة، وهي: اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج وهذه الجوارح السبعة منافذ على القلب إما أن تصب عليه ظلمات المعاصي فتكدره وتمرضه، وإما أن تُدخل عليه أنوار الطاعات فتشفيه وتنوره. ثم ينتقل في المجاهدة إلى الصفات الباطنة فيبدل صفاته الناقصة كالكبر والرياء والغضب… بصفات كاملة كالتواضع والإخلاص والحِلم. وبما أن طريق المجاهدة وعر المسالك متشعب الجوانب، يصعب على السالك أن يَلِجَهُ منفرداً كان من المفيد عملياً صحبة مرشد خبير بعيوبها، عالم بطرق معالجتها ومجاهدتها، يستمد المريد من صحبته خبرة عملية بأساليب تزكية نفسه، كما يكتسب من روحانيته نفحات قدسية تدفع المريد إلى تكميل نفسه وشخصيته، وترفعه فوق مستوى النقائص والمنكرات. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المرشد الأول والمزكي الأعظم الذي ربَّى أصحابه الكرام وزكَّى نفوسهم بقاله وحاله، كما وصفه الله تعالى بقوله: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً مِنْهُم يتلو عليهم آياتِه ويُزكِّيهم ويُعلِّمُهم الكِتاب والحِكمَةَ وإن كانوا من قَبْلُ لَفي ضلالٍ مُبينٍ} [الجمعة: 2].
أقوال العارفين والمربين المرشدين في المجاهدة: قال أبو عثمان المغربي رحمه الله: (من ظن أنه يُفتح له بهده الطريقة أو يكشف له عن شيء منها لا بلزوم المجاهدة فهو في غلط ).
وقال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: (سمعت السري السقطي يقول: يا معشر الشباب جِدُّوا قبل أن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتُقصِّروا كما ضعفتُ وقَصَّرْتُ. وكان في ذلك الوقت لا يلحقه الشباب في العبادة ).
وقال أبو عثمان المغربي رحمه الله: (لا يرى أحد عيب نفسه وهو مستحسن من نفسه شيئاً، وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال) . وقال أبو علي الدقاق رحمه الله تعالى: (من زين ظاهره بالمجاهدة حسَّنَ الله سرائره بالمشاهدة، قال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا} [العنكبوت: 69]. واعلم أنه من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة). وقال الإمام البركوي رحمه الله تعالى: (ما أسرع هلاك من لا يعرف عيبَه، فإن المعاصي بريد الكفر) .وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى: (إنَّ نجاة النفس أنْ يخالف العبدُ هواها، ويحملَها على ما طلب منها ربُّها ) .
وقال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (لا بد للمريد في أول دخوله الطريق من مجاهدة ومكابدة وصدق وتصديق، وهي مُظهِر ومجلاة للنهايات، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فمن رأيناه جادَّاً في طلب الحق باذلاً نفسه وفلسه وروحه وعزه وجاهه ابتغاء الوصول إلى التحقق بالعبودية والقيام بوظائف الربوبية ؛ علمنا إشراق نهايته بالوصول إلى محبوبه، وإذا رأيناه مقصِّراً علمنا قصوره عما هنالك) [“إيقاظ الهمم في شرح الحكم” ج2/ص370].
رد الشبهات حول المجاهدة:
إن قال قائل: إن رجال التصوف يُحَرِّمون ما أحل الله من أنواع اللذائذ والمتع، وقد قال الله تعالى: {قٌلْ مَنْ حرَّمَ زينة الله التي أخرجَ لعبادِهِ والطيبات من الرزق…} [الأعراف: 32]. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا ما أحلَّ الله لكم ولا تعتدوا إنَّ الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87]. فنقول: إن رجال التصوف لم يجعلوا الحلالَ حراماً، إذْ أسمى مقاصدهم هو التقيد بشرع الله، ولكنهم حين عرفوا أن تزكية النفس فرضُ عين، وأن للنفس أخلاقاً سيئة وتعلقات شهوانية، توصِل صاحبها إلى الردى، وتعيقه عن الترقي في مدراج الكمال، وجدوا لزاماً عليهم أن يهذبوا نفوسهم ويحرروها من سجن الهوى.
وبهذا المعنى يقول الصوفي الكبير الحكيم الترمذي رحمه الله رداً على هذه الشبهة، وجواباً لمن احتج بالآية الكريمة: {قُلْ مَنْ حرَّمَ زينة الله….} [الأعراف: 32]: فهذا الاحتجاج تعنيف، ومن القول تحريف لأنَّا لم نُرِدْ بهذا، التحريمَ، ولكنا أردنا تأديب النفس حتى تأخذ الأدب وتعلم كيف ينبغي أن تعمل في ذلك، ألا ترى إلى قوله جل وعلا: {إنّما حرّم ربيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطنَ والإثمَ والبَغيَ بغيرِ الحقِّ} [الأعراف: 33]. فالبغيُ في الشيء الحلال حرامٌ، والفخرُ حرام، والمباهاةُ حرام، والرياء حرام، والسرف حرام، فإنما أُوتِيَتِ النفسُ هذا المنعَ من أجل أنها مالت إلى هذه الأشياء بقلبها، حتى فسد القلب. فلما رأيتُ النفس تتناول زينة الله والطيبات من الرزق تريد بذلك تغنياً أو مباهاة أو رياء علمتُ أنها خلطت حراماً بحلال فضيَّعَتِ الشكرَ، وإنما رُزِقَتْ لتشكُرَ لا لِتكْفرَ، فلما رأيتُ سوء أدبها منعتُها، حتى إذا ذلَّت وانقمعت، ورآني ربي مجاهداً في ذاته حق جهاده، هداني سبيله كما وعد الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المحسنين} [العنكبوت: 69] فصرتُ عنده بالمجاهدة محسناً فكان الله معي، ومن كان مع الله فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، وقذفَ في القلب من النور نوراً عاجلاً في دار الدنيا حتى يوصله إلى ثواب الآجل. ألا ترى إلى ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا قُذِفَ النورُ في قلب عبدٍ انفسح وانشرح”. قيل: يا رسول الله فهل لذلك من علامة ؟ قال: “نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابةُ إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله” وإنما تجافى عن دار الغرور بما قُذفَ في قلبه من النور فأبصر به عيوب الدنيا ودواهيها وآفاتها وخداعها وخرابها، فغاب عن قلبه البغيُ والرياء والسمعة والمباهاة والفخر والخيلاء والحسد، لأن ذلك إنما كان أصله من تعظيم الدنيا وحلاوتها في قلبه، وحبه لها، وكان سببَ نجاته من هذه الآفات ـ برحمة الله ـ رياضتُه هذه النفس بمنع الشهوات منها) [كتاب “الرياضة وأدب النفس” للحكيم الترمذي ص124].
وقد تسرع بعض الناس فزعموا جهلاً أن التصوف في مجاهداته ينحدر من أصل بوذي أو بَراهيمي، ويلتقي مع الانحرافات الدينية في النصرانية وغيرها التي تعتبر تعذيب الجسد طريقاً إلى إشراق الروح وانطلاقها، ومنهم من جعل التصوف امتداداً لنزعة الرهبنة التي ظهرت في ثلاثة رهط سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا عنها كأنهم تقالُّوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أُفطر، وقال الثاني: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الثالث: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج. ولما عُرض أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صحح لهم أفكارهم، وردهم إلى الصراط المستقيم والنهج القويم.
والجواب على ذلك: أن التصوف لم يكن في يوم من الأيام شرعة مستقلة ولا ديناً جديداً، ولكنه تطبيق عملي لدين الله تعالى، واقتداء كامل برسوله عليه الصلاة والسلام. وإنما سرت الشبهة على هؤلاء المتسرعين لأنهم وجدوا في التصوف اهتماماً بتزكية النفس وتربيتها وتصعيدها، ومجاهدتها على أُسس شرعية وضمن نطاق الدين الحنيف، فقاسوا تلك الانحرافات الدينية على التصوف قياساً أعمى دون تمحيص أو تمييز. ففرقٌ كبير إذاً بين المجاهدة المشروعة المقيدة بدين الله تعالى، وبين المغالاة والانحراف وتحريم الحلال وتعذيب الجسد كما عليه البوذيون الكافرون ومن الظلم والبهتان أن يُحْكَمَ على كل من جاهد نفسه وزكاها أنه ينحدر من أصل بوذي أو بَراهيمي كما يزعم المستشرقون ومَنْ خُدِعَ بهم، أو أنه يقتدي بهؤلاء الرهط الذي تقالُّوا عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يقوله المتسرعون السطحيون، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحح لهم خطأهم فرجعوا إلى هديه وسُنَّتِهِ. وإذا وُجد في تاريخ التصوف من حرَّم الحلال أو قام بتعذيب الجسد على غرار الانحرافات الدينية السابقة فهو مبتدع ومبتعد عن طريق التصوف لذا ينبغي التفريق بين التصوف والصوفي. فليس الصوفي بانحرافه ممثلاً للتصوف، كما أن المسلم بانحرافه لا يمثل الإسلام. والمعترضون لم يفرقوا بين الصوفي والتصوف وبين المسلم والإسلام فجعلوا تلازماً بينهما فوقعوا في الكاملين قياساً على المنحرفين.
وبعد، فإن منتهى آمال السالكين ترقيةُ نفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا إلى مطلوبهم، والنفس تترقى بالمجاهدة والرياضة من كونها أمَّارة إلى كونها لوَّامة ومُلْهَمة وراضية ومَرْضيّة ومطمئنة… إلخ، فالمجاهدة ضرورية للسالك في جميع مراحل سيره إلى الله تعالى، ولا تنتهي إلا بالوصول إلى درجة العصمة ؛ وهذه لا تكون إلا للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.