يوظّف الشاعر يوسف الخال شخصية تموز في ديوانه الشعري بعنوان «البئر المهجورة» فهو يؤكد من خلال رمز تموز على أن الخصب سيعود يوماً ما إلى الأرض العربية بلا شك و يرضى الشاعر أن يذبح أهمّ قيمة الأساسية للتجدّد و الانبعاث و الوصول إلى أرفع مستويات الإلتحام القائم بين النضال القومي و الصراع الاجتماعي الذي فقدته الأمم العربية، يندرج بعض هذه الأشعار في إطار أدب المقاومة الذي يناهض الاستعمار الأجنبي و الأميركي في العالم العربي المعاصر “. و ديوان البئر المهجورة ما هي إلا صرخة الشاعر لإيقاظ الشعب العربي من جهلهم و غفلتهم تجاه النكبات و الصراعات المختلفة التي تجري في الإمم العربية. أو كما يتحدّث الشاعر جبرا ابراهيم جبرا حول رمز تموز في ديوان البئر المهجورة فيقول: ” و ديوان البئر المهجورة بقصائدها كلها، يكاد يكون قصيدة، تتنوع فيها عملية إكتشاف الجدب في النفس والجماعية ] الذات والمجتمع ـ الحضارة[ و إستصراخ البعث
يلتفت الشاعر حوله فيجد أن الفلاة قد حلّت في كل شيء”، فيرى الموت والعقم و القحط والجفاف منتشرة في كافة أرجاء هذه الفلاة فيرفع صوته معلناً: أ تبسط السماء وجهها، فلا تمزّق العقبان في الفلاة قوافل الضحايا؟ فالشاعر في هذه القصيدة يتساءل لماذا إنتشر الجدب و إختفت الواحة الظليلة و نضب الماء الجاري و شحّ العطاء و بارت المواسم الكبار. لماذا حلّ العقم في الأرض و مازلنا نتعهد الغرس بالعناية و نرقب نموه و نتطلّع إلى موعد الجنة. و ينتابه شعور الضياع والوحدة. فهو ضائع في فلاة الحياة الحاضرة يبحث عن نفسه و مجتمعه و إلهه. إنه إنسان ذو ماض عريق في الحضارة و العمران. لكنّ حاضره كلّه ضياع و وحدة و فراغ. إن حاضره يسأل عنه ولكنّه يتمنى على حاضره ألا يسأل الماضي الغابر بل يلتفت إلى «هاهنا» حيث يباع جسده و عقله و حيث نفسه و روحه تنتظران الخلاص. إن مناخ القبر يخيّم على عالم الحاضر المظلم. و هنا يتذّكر الشاعر أنّه سيموت و إن الفناء أمر محتوم و مصير أكيد ـ فها هو ينتظر مصيره وسط عالم من الفراغ والضياع ـ والشاعر يعلم أنّ التاريخ يمضي قدماً إلى الأمام متطلعاً إلى الغد الأفضل بينما حاضرنا مازال يبحث عنّا في الماضي البائد متجاهلاً واقعنا والفراغ الشامل الذي يملأ حياتنا و ترزح كواهلنا تحت عبئه الثقيل
والشاعر في هذه القصيدة يمضي في رحلة إكتشاف الجدب و البوار في النفس و الحضارة و في عملية التساؤلات التي تصدر عنه إذ يجد الإنسان الحاضر ضائعاً وحيداً تائهاً في (لم يا ترى). و يجد دارته السوداء مليء بالعظام والرمم وبابها توصده صخرة القبر”. “فيوسف الخال و بتساؤلاته عن النفس البشرية والحقيقة والوجود، يعتبر من أكثر الشعراء المعاصرين و لعلّ بتكديس الرموز الأسطورية القديمة و لاسيّما تموز في شعره و إحالتها إلى مقابلات عقلية”. ” فمثلاً قصيدة الجذور تمثّل هذا البحث عن الأصول و الركائز التي يمكن لحضارة تبغي تخطى الفلاة و إحلال الخصب مكان الجدب إن تتمسّك بها. إنها جذور شجرة الحضارة و الإنسان التائه في الأرض . و تشهد عودته إلى التساؤل مصدرها الجذور: في الصيف تسأل الجذور عن مصيرها و النهر لا يجيب فمن يجيب هذه الجذور عن مصيرها، يحضنها في زمن الخريف يردّ عنها قسوة الشتاء يا ترى ؟
والشاعر لا يلبث هنا أن يطلع علينا بتأكيده أن السرّ يمكن في الجذور، فالماضي مختزن فيها والحاضر موجود فيها بالقوة و قد تسقط أوراق شجرة الحضارة والإنسان في الخريف لكن إذ كانت الجذور ممتدة في باطن الأرض فلا بدّ من تفتح جديد و أوراق جديدة و ثمر جديد”. و يعبّر الشاعر عن كل ذلك حين يقول: الورق الذي يهز جسد والسرّ في الجذور و في الجذور أمسنا و في الجذور غدنا “و يبدو أنّ الشاعر يوسف الخال و بتوظيفه المباشر أو غير المباشر لشخصية تموز في قصائده، يعزز القيم والمبادئ العربية الأصلية و يؤثره على الحياة المادية المعاصرة الهشة. و تموز في شعر يوسف الخال هو في الحقيقة أمله بأن عشتار ستعود بحبيبها من العالم السفلي”، و تموز في شعره رمز للنهوض من الخيبة والاستسلام و تحقيق الانتصار والسلام. كما أنّ مجموعة قصائد البئر المهجورة تعدّ من القصائد الفريدة و المتنوّعة التعبير عن تجربة الجدب والبوار فنجد الشاعرـ كما قال جبرا إبراهيم جبرا- في نقد هذه القصيدة يقول: “يتوغّل في مفازة المدن المدينة بحثاً عن حياة الانسان والنبات، موحّداً الإثنين على الطريقة السامية القديمة مستمداً من تجربة الانسان الأولى، صورة لتجربة الانسان المعاصر في عريه و ضياعه و وحدته… و هنا جدير بالإشارة بأنّ الشاعر يوسف الخال شاعر يوظّف عنصر تموز للتعبير عن أفكاره و خلجات نفسه و كذلك يتحدّث الشاعر بواسطة هذا الرمز التموزي في شعره عن واقع العالم العربي و القضايا المعاصرة. و لهذا يعرف بشاعر القوميّة العربيّة.