لعلّ الشاعر خليل حاوي من أهم الشعراء الذين وظّفوا أسطورة تموز توظيفاً مناسباً في أشعارهم؛ مثل صور الحياة بعد الموت، أو التجدّد الأبدي الذي نجدها كثيراً في قصائده و أشعاره “. و تظهر في أشعار خليل حاوي معاناة الموت و معاناة البعث على إيقاع من الأمل واليأس بصور الخراب والدمار و الجفاف و العقم، و نرى فيها تجربة عظيمة قائمة من تاريخ الأمة العربية، و على قدرة الشاعر تجاوز ذلك الواقع و تخطّيه، و على معاينة ملامح الواقع المرعب الذي يهابه الشاعر و يحذر الشعب العربي من وقعة النكبة التي لم تكسو الوطن العربي بعد. والحقيقة أن خليل حاوي برأيي قد كان أقدر الشعراء العرب على إستيعاب الوهن العربي أي بسبب ما إستعمله من إتحاد تموزي في قصائده وأشعاره. فعلى سبيل المثال يستلهم الشاعر من أسطورة تموز في قصيدة «بعد الجليد» و تتوحّد الأسطورة السابقة مع أسطورة العنقاء. يقول خليل حاوي في مقدمة نثرية مهدّ بها للقصيدة: ”
في هذه القصيدة التي تعبّر عن معاناة الموت و البعث من حيث هي أزمة و حضارة و ظاهرة كونية، يفيد الشاعر من أسطورة تموز و ما ترمز إليه من غلبة الحياة و الخصب على الموت والجفاف، و يفيد من أسطورة العنقاء التي تموت ثم يلتهب رمادها فتحيا ثانية “. “في هذه القصيدة يستفيد الشاعر من دور الطبيعة ليعبّر عن الإنبعاث الحضاري، و معاناة في عالم يملؤه الموت، وهو يختار تموز والعنقاء بوصفهما أسطوريين لا رمزيين فقط”، كما في قوله: عندما ماتت عروق الأرض في عصر الجليد مات فينا كل عرق يبست أعضاؤنا لحماً قديد عبثاً كنا نصد الريح والليل الحزينا و نداري رعشة مقطوعة الإتقاس فينا . لقد حلّ الموت و غمر الأرض في هذا العصر الجليدي، تقطّعت العروق و ماتت، و يبست الأعضاء و تحوّلت إلى لحم قديد، هذا الموت الوجودي يتسربل في عروق العالم و يصل إلى كل شيء، إنه موت حتمي إذ بدأ يدبّ في موجودات الحياة التي راحت ـ بعد فشل محاولاتها لصدّه ـ تستسلم لرعشته و بتحوّلها من الحياة إلى الموت في الحياة.
و الأنثى عند الشاعر خليل حاوي هي؛ الأرض والمرأة و الحياة. و من دون الإتحاد بالذكر لا تتم الولادة، و هذا الموت المسيطر لا تدفعه إلا الحياة، لكي تتحقق الحياة يجب أن يتمّ الانبعاث، والشاعر في هذه القصيدة يمثّل الانسان الرائد بحدسه و وعيه، و يطأ الموت توقاً إلى القيامة و معانقة الحياة ، كقوله: يا إله الخصب ، يا بعلاً يفضّ التربة العاقر يا شمس الحصيد يا إلهاً ينفضّ القبر ويا فصحاً مجيد، أنت يا تموز، يا شمس الحصيد نجّنا، نجّ عروق الأرض من عقم دهاها و دهانا أدفئ الموتى الحزانى . و كما نرى، فإن تموز في هذا المقطع من قصيدة «بعد الجليد»، هو المنقذ الذي يحمل مقوّمات الحياة و هو وحده القادر على فضّ بكارة الأرض و إنهاء العقم و الشاعر حين يلجأ إليه يعي تماماً ما يحمله هذا الإله من خصوبة و قدرة على تذويب الجليد وإعادة الحياة
و هذا القول في المقطع السابق من القصيدة، حديث أسطوري يعبّر عن معاناة الموت و البعث، و هذا الشعر يتحوّل إلى صلاة رومانسية ترفع الخالدين من الأوائل الذين سطروا في صفحة المجد حكايات البطولة الروية على مرّ الأجيال و أبناء هؤلاء الأوائل وحدهم «يرثون الأرض للدهر الأبيد» والشاعر يؤكد في قصيدته أنّه من الذين ورثوا الأرض، فكان عليه أن يسجلّ في جبين الدهر، شعره المنصهر في عين الزمن، ليبقى راوياً عنه ما ترويه الشعوب في حضارة العالم المتمدن وإذا وقفنا على حقيقة هذا البذار، نتعرّف ما نرى معرفته، مما يفيده الشاعر من أسطورة تموز و ما ترمز إليه من غلبة الحياة والخصب على الموت والجفاف
و إذ كان الشاعر قد ركّز على تموز فإننا نجد أن رموزه تتداخل و تتكامل في وحدة الموقف فيتّحد الديني مع الأسطوري، و الإلهي مع الإنساني، ليدفع بكل رموز الإنبعاث لتخلّص البشرية من أزمتها، و قد يكون ركّز على تموز لأنّه إله ولد من الحياة لمجد الشهوة الحيويّة مما أضعف فعل الإنسان الفاعل في الوجود”. و تأسيساً على ما سبق نجد أن خليل حاوي يخلق للشعر الحديث بنية فكرية، نفسية، تاريخية، فنية، و يتميّز شعره بوحدة الرؤيا الخلاقة و إنسجام البنية و تماسك الأسلوب و صفاء الرموز وتوهّجها، و هذه القصيدة توضّح براعة الشاعر في التعبير الفني عن أزمة الحضارة العربية عبر الأسطورة التي تمنح النص طاقة هائلة تفجّر الدلالات الكامنة في الإطار الفني، فتموز و العنقاء يشكّلان محورين رئيسين لبثّ رؤيا الإنبعاث الحضاري المتجلّية في القصيدة