لا تظهر الأسطورة التموزية بشكل واضح في أغلب قصائد السياب. و لكن الصور والأفكار التي تطالعنا في تلك القصائد تشير إلى مغزى الأسطورة التّموزية و كون الشاعر قد إستوحاها بعد أن أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ثقافته الشعرية و مناخه الشعري”. فالقارئ يشعر إذ يرافق الشاعر أن السيّاب يتصوّر أنّه تموز، فالخنزير البري يقتله، فيتدفّق دمه، و خيّل إلى الشاعر بأنّ أحلامه و آماله ستولد من جرحه، فتموز في شعره رمز للخصب و البعث. و لهذا يودّ الشاعر تحقيق الإنتصار على الموت و الجدب و اليأس والجهل و التخلّف. “ينتمي السياب إلى أسرة الشعراء التموزيين “و تنعكس صور الأسطورة التموزية و رموزها المختلفة و تنويعات و موضوعها في قصيدة «جيكور و المدينة» بصورتها الكاملة.
ففي هذه القصيدة تبرز معاناة الشاعر لطينية المدينة و ضياعه في دروبها الملتوية، و هو إبن القرية ـ «جيكور» ـ الخضراء حيث تعانق الشمس الحزينة ذوى النخل عند الأصيل. إنّ جيكور قرية مهجورة يخيم عليها الصمت والسكون ـ «جناحا أبي الهول فيها» و تنحبس مياه عيونها في باطن أرضها. ويبدو أنّ الله قد غادرها. و يبدو أنّ الشاعر كان فيمن هجروها إلى المدينة ـ لكنه يعاني آلاماً شديدة من جراء حياته في المدينة و اضطراره لسكانها و كسب رزقه فيها. فالمدينة تغطى عليه و تقتل الحنين الذي يعصف في روحه إلى جيكور. و دروبها كحبال الطين التي تلتفّ حوله و تمضغ قلبه و تحيل جمرته المتوقدة إلى طينه : حبالاً من النار يجلدن عرى الحقول الحزينة و يحرقن جيكور في قاع روحي ويزرعن فيها رماد الضغينة”من المحتمل أن اليأس و خيبة الأمل الذي تغلّب على السياب / تموز، و هذا هو الذي يستحيل عودته إلى جيكور ولهذا السبب يأمل الشاعر أن تبعث جيكور من جديد” و أن تتغلّب ما جرى عليها من مصائب و نكبات و أن تجرى الحياة في عروقها لكي تهدي الأمل و الحرية إلى الشعب الذي يعاني، مرارة الجهل واليأس والضياع. ”
إنّ «جيكور» رمز لحياة الهناءة والبساطة و الهدوء والصفاء بينما المدينة مقبرة للروح والألوهية و رمز الضمير المعدوم و عبادة المال. لكن جيكور اليوم قد غدت مهجورة الدروب والمقاهي و الدور و إنطفأت شعلة الحب فيها. فمن يعيد إليها الحياة و الفردوس الذي تستعيده في أثناء الليل و من يخصب حياتها من جديد ؟ هل يا ترى تجد من يصغي لها لو أنّها «سبّحت بإسم رب المدينة»؟ و إن هي عبدت النضار فمن يبسط عليها الطلّ في هجيره اللافح ؟ و من الذي تسبب في إغلاق دورها و تحويل الدروب عنها و دفع أبنائها إلى هجرها للمدينة ؟ “. و من المعلوم أنّ الحالة النفسية للشاعر كان دافعاً له لتوظيف أسطورة تموز على هذا النحو فالمدينة تعيش في حالة من الترف و الرخاء الكامل. “و جيكور التي أصابها العقم غدت «شرايين تموز عبر المدينة» لأنّ الأيدي التي كان عليها الإنصراف للعناية بتلك الكروم في جيكور قد إجتذبها المدينة إلى جنتها ـ حجميها”
و أصبحت جيكور الأرض بائسة والمصابة بالعقم و الجدب. فلهذا يمرّ الشاعر هنا بحالة من الكآبة و اليأس بسبب مأساة جيكور فهو لا يتحمل فكرة تحول هذا الفردوس إلى جحيم قافرة و عقيمة فيقول: شرايين في كل دار و سجن و مقهى و سجن و بار و في كل ملهى و في كل مستشفيات المجانين في كل مبغي لعشتار … يطلعن أزهارهن الهجينة : مصابيح لم يسرج الزيت فيها و تمسسه النار فكأنّ الشاعر هنا يصاب بالدّهشة والذهول من فعل أبناء القرى الذين يتركون مسقط رأسهم والقرى الجميلة والخضراء ليذهبوا إلى المدينة المريبة بظنّهم أنّهم يذهبون إلى الفردوس و لكن ينظر الشاعر فإنّهم و بفعلهم هذا قد اختاروا الهلاك و الجحيم بلا شك. فأبناء القرى يقدّمون أنفسهم قرابين على مذبح المدينة و يهلكون أنفسهم لكي تزهو المدينة. لقوله: دمي ذلك الماء، هل تشربونه؟ و لحمي هو الخبز لو تأكلونه! ” فالشاعر يصوّر في هذه القصيدة طغيان وطينتها على حياتنا أبدع تصوير. و كأنه يدعو إلى المحافظة على حضارية القرية الزائلة والتمسّك بقيمتها و هدوئها و ببساطتها و صفائها. لكن من يخترق السور القائم حول جيكور و يفتح البوابة و يدخل إلى عالمها من جديد ليستقرّ فيه؟ الأقلام على عمل من هذا النوع يتطلّب تضحيةً و بذلاً من جانبنا و إستعداداً لكفاح و إعادة الحياة إلى جيكور المهجورة. والقارئ عند قراءته لمعظم شعر السيّاب يشعر أن الشاعر يحمل بين جنبيه قلباً يفيض من النوستالجيا التي تعتري الانسان المدينة والآلة و الحياة الرتيبة و المكفهرة بالدّخان الأسود و تجعله يلتفت صوب القرية الوادعة ـ الغافية ـ على كتف جيل أو تل أو ضفة النهر والتي لم تمت الروح و القيم في أعماقها”.
مما ريب فيه أن هذه التفاصيل تدلّ على أنّ السياب من خلال رموز الخصب و البعث يسعى أن يرتبط بين الخصبة و العراق الشاحبة الحديثة. فهو يرجو أن يعود يوماً إلى جذوره الأصيلة أي القرية الهادئة والمساملة؛ قرية جيكور. ذلك بأن الشاعر بدر شاكر السيّاب كان يستطيع أن يوظّف رموز تموز في رموز و صور عديدة و أن يطابق بين الماضي التاريخي العريق و الحاضر الحديث والموازنة القياسية بينهما .