يوظّف أدونيس أسطورة تموز في وصف البطل المنقذ و رسم صورته على شاكلة الشخص التموزي القديم فيجد كل بواكير الحياة و الغد الأحلى مجسّدة في ذلك البطل”. “و يستخدم أدونيس أسطورة تموز للتدليل على إضمحلال الحضاري الذي أصاب وطنه لذلك فهو يصوّر الأطلال الإجتماعية في هذا الوطن ثم يشير بلهجة الأنبياء إلى البطل المنقذ “، “و نجد صدىً للدماء التموزية التي أهرقها الخنزير البري يتردّد في قول الشاعر” ـ “على سبيل المثال في قصيدة «قالت الأرض» يريد الشاعر أن يكون نفسه و أن يحيا وجوده و أمّته و بلاده فمن بلاده أقلع الشراع الحرف و إلى العالم و فيها بني صرح الحضارة القديمة. و يجيل طرفه في تاريخ بلاده فيجده حافلاً بالمآثر العظيمة و معاقل الحضارات التي أوجدت الإغريق والرومان و أوقظت الكون من سباته آنذاك. و يتلفت حوله في طبيعة بلاده و أرضها و شعبها فلا يجد إلا الجمال و الحب و النشوة و الأغاني والفرح والبناء، فيروح مغزى الأسطورة التموزية معتبراً الشهادة طريق الحق و الموت إنتصاراً لحرية الأمم العربية” : لغة الحقّ أن نموت مع الحق إنتصاراً أو أن نموت إنكساراً كما أن الشاعر يتوحّد في هذه القصيدة مع نهضة بلاده و يرى الشعب في كلّ شيء و يتمرأى كلّ ما في بلاده في نفسه و يجري في دمه ـ «كلّها في دمي، و كلّي فيها». و تتوحّد نفسه كذلك مع جيله و مع روح أمّته فيشعر و كأنه قد ذاب في كيانها و يحسّ أنه حقق وحدة صوفية مع جميع أبناء أمته : أنا فيض من أمّتي و عتيقٌ مرّ في كونها العتيق الجديد مطلق في كيانها، فأنا فيها كيان طلقٌ بغير حدود كل فرد فيها أحسّ كأنّ جمّع فيه صدري، وسال وريدي إنّ في الغير بعض نفسي، و في الآخر، شرطاً و منبعاً لوجودي . يدعو أدونيس من خلال الأبيات إلى البعث والنشور الجديد و يوظّف تموز على وجه شاحب و على الرغم من جراحه الحاد يطلب منه أن يعيد النشاط والحركة إلى الأرض و يسيطر على أعدائه.
و هذا أدونيس يكاد ينصب معظم ديوانه على فكرة العودة أو البعث من الموت ـ فقصيدة «قالت الأرض» تمثّل نموذجاً رائداً للإستعانة بالأسطورة التّموزية للتعبير عن بعث و إنهاض أمة عن طريق إستشهاد فرد و مقتل بطل والشاعر ينظر إلى شهيده و كأنّه المنقذ الذي سيخرج بشعبه من الظلمة إلى النور و يعيد إلى بلاده سالف مجدها و سابق عهدها. و إستعماله للرمز التموزي يعود في الدرجة الأولى إلى حصول الإستشهاد في شهر تموز، و هو الشهر الذي سميّ بعد تموز الأسطورة ـ لكنّه إكتسب مدلولاً ثانياً لدى الشاعر إذ هو يعتبر أنّ كلاً منهما قد لقي مصير نفسه و مات شهيداً مقتولاً. فبينما يعتبر موت تموز الأسطوري و بعثه دلالة على جدب الطبيعة و خطبها نجد الشاعر يعتبر موت البطل المنقذ دلالة على عودة الخصب إلى الأرض التي رواها بدمه الزكي و دبيب الحياة في عروق تراب النهضة و جذور شجرة الحضارة و الإنسان.
و ما حياة المنقذ التي تستمرّ في النهضة التي بعثها التيّار الفكري الذي أطلقه سوى إشارة إلى تكرار المضمون في أسطورة تموز و مقتله و إصطباغ مياه النهر بدمه كلّ عام في مطلع الربيع و تفتح الشقائق الحمر التي رواها دمه المراق . و يتحدّث الباحث الدكتور إبراهيم محمد منصور عن غرض أدونيس لتوظيف الأسطورة فيقول: “و يبدو أن أدونيس في غياب الحقيقة تحضر الأساطير لتفسّر بها الشعوب ما ينزل بها، و لتنفّس من خلالها تنفّساً بعضه روحي، و بعضه بطولي وبعضه تاريخي و بعضه فنّي”. “كما أنّ قليل من الشعراء قد إستطاعوا الخروج برموز الخصب كتموز إلى أجواء المبتكرة للرموز القديمة بظروفهم السياسية و الإجتماعية و تظلّ الأمثال على الإستخدامات المبتكرة للرموز القديمة عند الشعراء السوريين والعراقيين خاصة و العرب عامة، محدودة و نرى في بعض القصائد أنّ الشاعر يعبّر عن هزيمة العرب في خامس من حزيران 1967م”. “فبعد النكبة في الخمسينات و بداية الستينات ظهر بعض حركات الأمل في النفوس و رغبتها في التحرّر و التقدم، فكان هذا أشبه بهاجس الخصب و البعث والولادة …
و ما يرمز إلى الحياة و انبعاثها و تجددها بعد جدب أو فناء، و هذا ما يفسر في الوقت نفسه إنطلاقة شعر الحداثة العربية بأساطير النماء و الخصب و البعث والولادة (تموز و أدونيس و عشتار) و غيرها من الأساطير”. فقصيدة «قالت الأرض» الطويلة تمثل هذا النزوع التموزي في شعر أدونيس و في وقت مبكر. و أدونيس مثل الكثيرين من الشعراء و الكتّاب إستعان بالرمز التموزي و إستلهم القصة التموزية في قصائده للتعبير عن إستشهاد من كان في نظرهم بطلاً منقذاً و قد صرعته الخنازير البرية و أراقت دمه الزكي على رمال الشاطيء. ولابدّ من الإشارة إلى أنّ النزوع التموزي كان ملازماً و لايزال لأدونيس في شعره و حياته و فكره. فقد إستعاض عن التكنيك الذي استعمله في «قالت الأرض» بأسلوب الشعر الحديث و موسيقاه و بعض صوره و تشابيهه و استعاراته و رموزه، لكن تموز مازال يرمز لديه إلى ذات الإنسان البطل الذي استشهد في سبيل أمته و بلاده و لكي يحيا شعبه