انتقل الشعر – في ظل الحداثة الشعرية العربية المعاصرة – من مستوى الغموض إلى مستوى …. “الإبهام” الذي تجسد في كثير من حالاته، والذي يعد شيئا “قاراً” أي كامناً وكائناً في هذا اللون الشعري و ثمة عوامل وراء هذا الإبهام، تتمثل في “الأبعاد الثقافية والمعرفية” وهي: البعد الفكري والفلسفي والبعد الميتافيزيقي والبعد الصوفي ثم البعد الأسطوري، أننا لا نستطيع الفصل بين الفكر والشعر فصلاً قاطعاً بتجريد الشعر من البعد الفكري، فالشاعر يفكر لكنه تفكير شعري يحيل الأفكار، برؤيا خاصة وتقنية معينة، إلى شعرعلى سبيل المثال فأدونيس نفسه يرى ضرورة الربط اليوم بين الشعر والفكر أو الفلسفة، ذلك أن الفصل بينها يناقض – بحق – معنى التجربة الشعرية كما أنه ليس غريباً أن يرتبط الشعر لدى بعض مبدعيه بالتجربة الصوفية، لأن الشاعر في لحظات إبداعه يكون في حالة “فناء في ما هو فيه” أو في حالة خروجه من عالمه الطبيعي (العادي) إلى عالم آخر يكاد لا يحس فيه إلا ذاته إن تأثير الثقافة الغربية ومذاهبها الأدبية في الظاهرة الشعرية الحداثية، تأثير واضح من خلال مفاهيم: الحداثة وما بعد الحداثة والرومانسية والرمزية والسريالية
إن تعريف خصائص أو سمات الحداثة هو مما يفيدنا كثيراً في كشف هذا الإبهام في الشعر الحداثي اليوم ولعل التناقض والغموض هما أبرز سمتين للحداثة ابتداء من مفهومهما وانتهاء بأبعاد هذا المفهوم ومحولاته ومعطياته وخصوصاً المعطيات الفنية والأدبية ومن منطلق فكرة الصيرورة والتحول لم تكتف الحداثة بمقولة تجاوز الماضي، وإنما ذهبت – في بعض اتجاهاتها المتطرفة إلى القول إن “الماضي خانق” ولابد أن يقذف به إلى البحر من فوق سفينة الحداثة !
وفيما يتعلق بـ “تحولات مفهوم الشعور وبنيته” في زمن الحداثة فان أكثر الباحثين يتفقون على أن حركة الشعر الحر أو شعر التفعيلة، هي إرهاص للحداثة الشعرية العربية، أو مفتاح لها
و إن حداثة الشعر العربي المعاصر ذات مربعيات ثلاث هي: واقع المجتمع العربي نفسه بما فيه من تحولات وتغيرات ومستجدات في حقول الاجتماع والسياسة والثقافة معا فهذا الواقع أوجد عند الشاعر العربي تساؤلات وتطلعات نحو تغيير جذري في بنية القصيدة، يجعلها قادرة على استيعاب هذا الواقع وعلى التعبير عن مضامينه
ان ثمة جملة من المظاهر كانت سبباً في ذلك الإبهام، وهي: الغياب الدلالي (الذي يتمثل في: الموضوع – موضوع القصيدة الحداثية ذاتها) والتجريد، وما يسميه بالشعر الصامت، وكذلك ظاهرة التشتت الدلالي، فعلى عكس القصيدة العمودية التي تتسم بتماسكها ووحدتها العفوية، نجد القصيدة الحداثية تتشظى بنيتها ودلالتها مع انفجار الحداثة الشعرية، إلى جانب بروز سمات الإنشائية والإغراق في “التعريب” الذي يصيب القارئ أو المتلقي بمزيد الدهشة والحيرة في “تجلي” النص الحداثي، أو محاولة فهمه والوصول إلى معانيه ودلالاته المتخفية
و من مظاهر ذلك الإبهام كذلك ، إبهام العلاقات اللغوية، ولعل فكرة “تفجير اللغة” تعد أبرز سبب يقف خلف هذا الغموض في لغة الشعر الحداثي وهو ما تجده بوضوح مقولة: “عجز اللغة أو قصورها عن التعبير وخصوصا عند البحث عن مستجدات مضمونية لم تألفها تلك اللغة الشعرية من قبل إضافة إلى التنافر بين المفردات أو الجمل، والتضاد أو التناقض الذي يعد سمة بارزة في الحداثة نفسها، بل يعتبر قانوناً من قوانينها وكما يقول أحد شعراء الحداثة في ذلك: “بتلاقي الأضداد تكتسب القصيدة التوتر والزخم وترتفع عن مساق (مستوى) الكلام العادي”
أما آليات التأويل فتتحدد في أشياء هي إنتاج الدلالة، وكفاءة المؤول (من خلال أفق القارئ) ذاته، ومكونات هذا الأفق بالنسبة له
إن شعر الحداثة (المعاصرة) يمارس لغة تبدو أكثر غموضاً وإبهاماً اتفاقا مع طبيعته ومن ثم فلسفة الشعر الحداثي ليست لغة شفافة تبين المعنى، وإنما هي إيمائية، إشارية، تومئ إلى المعنى ولا تصرح به ولهذا فإن الرغبة في إيجاد لغة جديدة تكمن وراءها فكرة ، بهدف إزالة سمات اللغة الشعرية التقليدية، التي تتمثل في التقرير والوصفية والتحديدية إلخ
فالحداثة نفسها تعد رؤيا قبل أن تكون شكلاً فنياً، وبهذه الرؤيا تجسد القصيدة الحداثية رحلتها من الذاكرة (الماضي) إلى المستقبل، بل إلى ما وراء الحاضر والماضي نفسه وهذه (الرؤيا) عنصر مكون من عناصر القصيدة الحداثية المعاصرة
وفي سياق التجاوز والرفض (الذي هو سمة شعراء الحداثة) من أجل التجديد في الغالب، تتبدى فكرة أخرى هي فكرة “التجريب” التي تعد انعكاساً أو رد فعل لما حدث في المجتمع العربي من تحولات وتغيرات اجتماعية وسياسية وفكرية كما أنها تطبيق لنظريات أو هواجس “الثورة” على القديم بتجاوزه ورفضه أحياناً
لقد تأثر شعراء عرب كثيرون بشعراء غربيين أمثال: بيتس وبودلير وفاليري و رامبو و لوركا و إيدث سيتول و إليوت و إدجار آلان بو فهؤلاء تأثر بهم كل من نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي، وصلاح عبدالصبور وأحمد حجازي، وإن كان صلاح عبدالصبور أبرز الشعراء العرب تأثرا بإليوت
ان شعر الحداثة هذا اللون من الشعر العربي المعاصر صعب ومشتت دلاليا، ونصه يبدو متشظياً مليئاً بالشروخ والفراغات والمساحات البيضاء ولهذا فان تأويله يجب أن يكون منفتحاً على سائر القراءات والمناهج النقدية الحديثة، بحيث يتفاعل معها ويستفيد منها، وهو ما يجعل حركة الشعر الحداثي أكثر شمولاً وعمقاً ويبقى الهدف من هذه القراءة “ليس فهم النص كما فهمه المؤلف، وإنما أحسن مما فهمه مؤلفه” حيث يبدو الفهم – في معنى من المعاني – أكثر من مجرد معرفة معنى الكلمات!