تقديم وطرح اشكالي:
رغم التفاوت الحاصل بين دول الشمال ودول الجنوب في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية بحوض البحر الأبيض المتوسط، إلا أن ذلك لم يمنع من تشكيل تكتل اقليمي عالمي يضم بلدان شمال وجنوب المتوسط أطلق عليه”الاتفاق الأورومتوسطي” والذي جسده إعلان برشلونة سنة 1995 الذي حدد مجالات الحوار والتعاون بين الطرفين.
فما موقع المجال المتوسطي؟ وماهي بعض خصائصه العامة(جغرافيا،طبيعيا وبشريا)؟ وما مظاهر عدم التكافؤ الاقتصادي بالمجال المتوسطي والعوامل المفسرة له؟ وما هي بعض مظاهر تفاوت الدخل الاقتصادي بالمجال المتوسطي والعوامل المفسرة له؟ وما انعكاسات عدم التكافؤ الاقتصادي على الاوضاع الاجتماعية بالمجال المتوسطي؟ وما المقصود بالتعاون الاورومتوسطي، وحصيلته وتحدياته وآفاقه المستقبلية؟.
I- تعريف المجال المتوسطي وبعض خصائصه موقعه الجغرافي:
1- تعريف المجال المتوسطي: هو عبارة عن فضاء جغرافي يتكون من مجموعة من البلدان المطلة على البحر الابيض المتوسط من جهة الشمال والجنوب والشرق.
2- توطين المجال المتوسطي:
* حسب الاحداثيات الجغرافية: يقع بين خطي عرض 21° و 48° شمال خط الاستواء وخطي طول 17° و 40° غرب وشرق خط غرينتش.
* حسب الكيانات الجغرافية: يوجد المجال المتوسطي في ملتقى قارات العالم القديم(أوربا،أفريقيا وآسيا)وبذلك فهو يحتل موقعا استراتيجيا بتواجده في محاور الملاحة العالميةمما يجعله منطقة احتكاك واتصال بين عالمين متفاوتين من حيث درجة النمو الاقتصادي والاجتماعي هما العالم النامي في الشرق والجنوب والعالم المتقدم في الشمال، تتخلله مجموعة من المضايق والممرات البحرية المهمة كمضيق جبل طارق، مضيق صقلية، ممر قناة السويس، مضيق باب المندب ومضيق البوسفور.
II- بعض المميزات الطبيعية والبشرية بالمجال المتوسطي:
1- الخصائص الطبيعية:يتميز المجال المتوسطي بخصائص طبيعية متباينة، يمكن رصدها من خلال:
* التضاريس: قلة السهول وسيادة الهضاب والجبال ومن ابرزها السلسلة الاطلسية والبرانس والالب وجبال طوروس، إضافة الى الامتداد الشاسع للصحاري في القسم الجنوبي للمتوسط.
* المناخ: يتميز بالتنوع والتدرج، حيث يسود المناخ المتوسطي في الشمال والمناخ الصحراوي في الجنوب، مما يفسر تفاوت نسبة الاراضي الصالحة للاستغلال الزراعي(27% مقابل 14،3%).
2- الخصائص البشرية: تتميز بالتباين ويمكن رصد ذلك من خلال ما يلي:
* من حيث عدد السكان: تتوفر دول الجنوب المتوسطي على طاقة بشرية هائلة تبلغ 249،6 مليون نسمة مقابل 199،1 مليون نسمة في دول الشمال.
* من حيث البنية العمرية: تتوفر بلدان الجنوب على بنية فتية حيث تشكل الفئة الاولى نسبة 33،4% والفئة النشيطة 61،5% ، في مقابل بنية عمرية شائخة في دول الشمال،إذ تشكل فئة الشيوخ نسبة .15،3%
* من حيث التوزيع الجغرافي: تتراوح الكثافة السكانية ما بين أقل من 10ن/كلم2 و أزيد من 100ن/كلم2 مما ساهم في بروز تجمعات حضرية كبرى تجاوز عدد سكانها 5 ملايين نسمة لاسيما في الجزء الشمالي،بينما يتركز أغلب سكان الجنوب في المناطق الساحلية المتوسطية والاطلنتية بسبب العوامل الطبيعية و التاريخية والاقتصادية.
III- بعض مظاهر عدم التكافؤ الاقتصادي بالمجال المتوسطي والعوامل المفسرة له:
1- مظاهر عدم التكافؤ الاقتصادي بالمجال المتوسطي:
تتجلى مظاهر عدم التكافؤ بين ضفتي المجال المتوسطي في كافة القطاعات الاقتصادية،ويتضح ذلك من خلال:
أولا: في القطاع الفلاحي:
* انتاج فلاحي وافر ومتطورفي الشمال سواء الزراعي خاصة الحبوب بـ 115م طن أوالحيواني بـ 157،6م طن سنويا، في مقابل انتاج ضئيل ومتخلف في الجنوب باستثناء انتاج الاغنام الذي يحقق فيه تفوقا واضحا.
* تفاوت الانتاج الفلاحي من بلد لآخر،حيث تحتل فرنسا صدارة بلدان الشمال بانتاجها 50 مليون طن من الحبوب سنويا، بينما تتصدر تركيا بلدان الجنوب بانتاجها 32 مليون طن من الحبوب سنويا.
ثانيا: في القطاع الصناعي:
* انتاج صناعي كثيف ومتطور ومرتفع القيمة لاعتماده على الصناعات المتطورة، في مقابل انتاج محدود ومتخلف وضعيف القيمة لاعتماده على الصناعات الاستهلاكية.
* تفاوت قيمة الانتاج الصناعي من بلد لآخر، حيث تتصدر فرنسا و ايطاليا بلدان الشمال بما قيمته 190 مليار دولار سنويا، في مقابل تصدر تركيا لبلدان الجنوب بما قيمته 50 مليار دولار سنويا.
ثالثا: في القطاع التجاري:
* عدم تكافؤ الميزان التجاري بين طرفي المجال المتوسطي ، حيث يحقق فائضا مهما لصالح الاتحاد الاوربي الشريك التجاري الاساسي لبلدان الجنوب المتوسطي، في مقابل عجز واضح بالنسبة لبلدان الجنوب المتوسطي بسب عدم تكافؤ العلاقات التجارية بينهما، حيث تصدر بلدان الجنوب نحو بلدان الشمال أكثر مما تستورد منها 55% مقابل 5% فقط .
2- العوامل المفسرة لعدم التكافؤ الاقتصادي بالمجال المتوسطي:
2-1: العوامل التنظيمية والتقنية:
أولا:اعتماد دول الشمال على سياسة هيكلية + توظيف مكثف لاسهامات البحث الزراعي والمواد الكيماوية ، في مقابل ارتكاز دول الجنوب على فلاحة كثيفة مسقية فرضها الضغط الديمغرافي في ظروف قاحلة غير مساعدة، اضافة الى توسيع الاراضي الفلاحية على حساب الغابات والمراعي، فأدى كل ذلك الى استغلال مفرط للموارد الطبيعية.
ُثانيا: تفاوت الموارد الطبيعية المتاحة، وما توفره من امكانات للنشاط الصناعي:
– عدم توفرالشمال على موارد طاقية ومعدنية بالقدر الكافي للنشاط الصناعي لكنه يتوفر على البنيات التحتية كالمراكز الصناعية المتعددة التخصصات ومراكز صناعة الالمنيوم والفولاذ والفوسفاط ومصافي النفط والغاز إضافة الى حدوث تغيير في السياسة التصنيعية لبعض بلدانه حيث يلاحظ تراجع نسبي للصناعات الثقيلة لصالح دول الجنوب ، في مقابل العمل على تطوير جيل جديد كالتكنولوجيا الحيوية- الالكترونيك – ادوات التجهيز الحديثة وغيرها في إطار ما يعرف “بإعادة التوطين”.
*احتضان الجنوب لأهم حقول النفط والغاز الطبيعي وانابيب نقل الغاز والبترول نحو الشمال فضلا عن محاور التجارة الدولية إضافة الى حدوث تغيير في السياسة التصنيعية لبعض بلدانه حيث يلاحظ ظهور ما بات يعرف” بالبلدان المعامل”(كالمغرب وتونس وتركيا) التي استفادت من توطين بعض الصناعات التي تم نقلها من البلدان المتقدمة بسبب تكاليفها الباهضة في بلدانها الاصلية، وبهدف الاستفادة من امتيازات قوانين الاستثمار في البلدان المستقبلة، مع الاحتفاظ بمركز قرارها في البلد الأم.
ثالثا:*اعتماد بلدان الشمال على تصدير المواد المصنعة ذات القيمة العالية، واستيراد المواد الأولية الفلاحية والطاقية والمعدنية في حالتها الخامة عكس بلدان الجنوب.
* تعدد الشركاء التجاريين لبلدان الشمال في مقابل بلدان الجنوب في مختلف مناطق العالم.
2-2: العوامل الطبيعية والبشرية:
أولا- تفاوت الظروف الطبيعية من حيث التضاريس والتربة والمناخ، وما توفره من امكانات للاستغلال الفلاحي العصري:
– المناخ :ففي الشمال، يسود المناخ المتوسطي و المتوسطي شبه الجاف والمناخ المعتدل، بينما يسود في بعض اجزاء الجنوب المتوسطي مناخ متوسطي ومتوسطي شبه الجاف اضافة الى المناخ الصحراوي القاحل.
– التربة: ففي الشمال تمثل الاراضي الزراعية نسبة 27% بينما لاتمثل في الجنوب سوى 14،3%.
ثانيا: تفاوت الخصائص البشرية للقسمين الشمالي والجنوبي:
– ففي الشمال يبلغ عدد السكان 199،1 مليون نسمة، تشكل منها الفئة النشيطة 68،2% و 97،8% من المتعلمين، وهو ما يعني توفر قوة بشرية مؤهلة وسوق استهلاكية واسعة.
– أما الجنوب فيبلغ عدد سكانه 249،6 مليون نسمة تمثل فيها الفئة النشيطة 61،5% و المتعلمين 79،8%.
IV- بعض مظاهر عدم تكافؤ الدخل والعوامل المفسرة له، وآثار ذلك على الاوضاع الاجتماعية داخل المجال المتوسطي:
1- مظاهر عدم تكافؤ الدخل بالمجال المتوسطي:
أولا: تفاوت في قيمة الناتج الداخلي الخام بين بلدان الشمال والجنوب المتوسطيين ويتضح ذلك من خلال المؤشرات الآتية:
– احتلال فرنسا واسبانيا صدارة بلدان الشمال المتوسطي بما قيمته: 1392 مليار دولار سنة 2005.
– تصدر تركيا قائمة بلدان الجنوب المتوسطي بما مجموعه: 185 مليار دولار سنة 2005.
ثانيا: تفاوت في قيمة الدخل الفردي بين بلدان الشمال و الجنوب المتوسطي ويتجلى ذلك من خلال المؤشرات الآتية :
– تراوح قيمة الدخل الفردي في بلدان الشمال مابين 30 ألف دولار و 5 آلاف دولار،وتصدر فرنسا لها.
– تراوح قيمة الدخل الفردي في بلدان الجنوب مابين 8 آلاف دولار و 3 آلاف دولار،وتصدر تونس لها.
2- العوامل المفسرة لعدم تكافؤ الدخل بالمجال المتوسطي:
يرجع التفاوت الملحوظ إلى عدة عوامل من أبرزها:
* تفاوت مساهمة القطاعات الاقتصادية في الناتج الداخلي الخام.
* حجم الاستثمارات الداخلية والخارجية التي يقوم بها كل طرف من أطراف المجال المتوسطي لتحسين الناتج الداخلي الخام.
* توفر بعض بلدان الشمال على شركات متعددة الجنسيات لها في في كل بلدان المعمور و مساهمتها في الرفع من ناتجها الداخلي الخام.
* حصة كل طرف من أطراف المجال المتوسطي من التجارة العالمية.
* مكونات الصادرات الاساسية لكل من دول الشمال ودول الجنوب المتوسطي .
3- بعض آثار عدم التكافؤ الاقتصادي على الأوضاع الاجتماعية بالمجال المتوسطي:
يتضح من خلال المؤشرات الاجتماعية مدى التباين الحاصل ما بين طرفي المجال المتوسطي:
أولا: تفوق بلدان الشمال على بلدان الجنوب في جميع مؤشرات التنمية البشرية ويتجلى ذلك من خلال ما يلي:
– نسبة التعليم: 97،8% في الشمال مقابل 79،8% في الجنوب.
– نسبة الامية: 2،2% في الشمال مقابل 20،2% في الجنوب.
– نسبة الفقر: 21% في الجنوب.
– نسبة البطالة: 10،7% مقابل 19% في الجنوب.
– مؤشر التأطير الطبي: 450 طبيب لكل 100ألف نسمة في اليونان مقابل 300 طبيب في لبنان.
ثانيا: انعكاس هذا التفاوت على مستوى مؤشر التنمية البشرية والتصنيف بين طرفي المجال المتوسطي ويتضح ذلك من خلال:
– تأرجح مؤشر التنمية البشرية في الشمال المتوسطي ما بين 0،784 و 0،942 ، الشيء الذي جعل أغلب بلدانه تصنف ضمن قائمة البلدان ذات مؤشر مرتفع.
– تأرجح مؤشر التنمية البشرية في الجنوب المتوسطي ما بين 0،640 و 0،798 ، مما جعل بلدانه كلها تصنف ضمن قائمة البلدان ذات المؤشر المتوسط .
V- تعريف التعاون الاورومتوسطي و مجالاته،وحصيلته وتحدياته وآفاقه المستقبلية:
1- تعريف التعاون الاورومتوسطي و مجالاته الرئيسية:
1-1: تعريف التعاون الاورومتوسطي:
هو سياسة للتعاون المشترك ين الاتحاد الأوربي والبلدان المتوسطية، بدأ منذ1992، وتوج بإصدار إعلان برشلونة سنة 1995 الذي حدد مجالات التعاون بين الطرفين في ثلاثة محاور كبرى:سياسية-أمنية،واقتصادية-مالية،واجتماعية ثقافية.
1-2: مجالات التعاون الاورومتوسطي: وقد حددت في ثلاث مجالات أساسية هي:
*المجال السياسي والأمني: ويشمل خلق منطقة للسلام والاستقرار السياسي في حوض المتوسط + العمل على احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية + تشجيع تبني الديمقراطية ودولة الحق والقانون + محاربة مشاكل الهجرة السرية و تهريب المخدرات والعنف السياسي.
*المجال الاقتصادي والمالي: و يضم إنشاء منطقة للتبادل الحر في أفق سنة 2010 عبر إلغاء الرسوم الجمركية وخلق مناطق حرة + تنمية المبادلات التجارية بين البلدان المتوسطية + تقديم مساعدات مالية للاصلاح الاقتصادي من خلال برنامج “ميدا” + منح قروض واستثمارات بواسطة البنك الاوربي للاستثمار.
*المجال الاجتماعي والثقافي: ويتوخى تحقيق تقارب و تواصل بين مجتمعات المنطقة المتوسطية + تنمية الموارد البشرية بها + تشجيع الحوار والتبادل الثقافي بين شعوب وحضارات المنطقة المتوسطية.
2- حصيلة التعاون الاورومتوسطي:
*التوقيع على عدة اتفاقيات للشراكة بين الاتحاد الاوربي و بلدان الجنوب المتوسطي.
*انطلاق المشاريع التنموية الممولة من طرف برنامج “ميدا 1 و ميدا 2” والتي حققت تطورا واضحا حيث بلغ الغلاف المالي لميدا 2 ،5،35 مليار أورو.
* تعدد مصادر الاستثمارات الاجنبية المنجزة في بلدان الجنوب المتوسطي ، والتي تتصدرها بلدان الخليج العربي بنسبة 39،2% ، و الولايات المتحدة وكندا بنسبة 26،5% والاتحاد الاوربي بنسبة 20،7%.
* هزالة المبادلات التجارية البيجهوية في البلدان الاورومتوسطية حيث لا تمثل سوى نسبة 15% من مجموع مبادلاتها الخارجية، وهي الأضعف عالميا إذا ما قورنت بمنطقة في مثل هذا الحجم والأهمية.
3- تحديات وآفاق التعاون الاورومتوسطي:
3-1: التحديات والمشاكل: ويمكن إيجازها كالآتي:
*تزايد الهجرة السرية نحو الشمال + ضعف تدفق الاستثمارات نحو الجنوب + انعكاسات التوسع المستمر للاتحاد الاوربي + استمرار نهج السياسة الحمائية ( المنتجات الفلاحية بأوربا، المنتجات الصناعية بالجنوب) + الصراعات والازمات السياسية بالمنطقة + الخلاف حول تخفيض الرسوم الجمركية لانشاء منطقة للتبادل الحر في أفق 2010م.
3-2: الأفاق المستقبلية: وتتلخص في انقسام المتتبعين إلى طرفين إزاء ما تحقق من انجازات يتعلق الأمرب:
*طرف المتشائمين: يرون الحصيلة هزيلة والآفاق غامضة بسبب انشغال الاتحاد الاوربي واهتمامه بتنمية الاعضاء الجدد في شرق وجنوب شرق اوربا + ضعف الاهتمام بدول الجنوب(ضعف الاستثمارات والمساعدات الممنوحة، ضعف نسبة التجارة..) + حرص الاوربيين على مصالحهم أكثر من اهتمامهم بتنمية الجنوب، وتركيزهم على قضايا السياسة والامن(الهجرة، المخدرات، محاربة الارهاب…) .
* طرف المتفائلين: يرون ضرورة الاشادة بما تحقق ولو كان يسيرا(تزايد نسبة التجارة والاستثمارات الاجنبية) + الدعوة لتطوير التجربة مستقبلا من خلال الاسراع بتحقيق الاندماج الجهوي بين بلدان الجنوب المتوسطي + تبني سياسة اوربية جديدة للحوار مع البلدان المتوسطية والاوربية الشرقية + تدارك التأخر بنهج اصلاحات عميقة في دول الجنوب المتوسطي ( تحرير الاقتصاد، تحسين مناخ الاستثمار ونشر الديمقراطية).