هل شعر البياتي هذا فوضى ضاربة الأطناب ؟ الجواب نعم، هي فوضى تضطرب كالإعصار المدمر لكن في فضاء مغلق صلب من الفولاذ المزدوج والمسلح تسليحاً جيداً. كالقنبلة الذرية تماماً إنْ صحَّ التشبيه من باب المجاز. هذا الفضاء المغلق إنما يمثل أقصى درجات النظام، أعني التزام التفعيلة من جهة وهو واحدٌ من أسيادها الطليعيين مع بعض الزحافات هنا وهناك، وهي مطبات هوائية تحس بها ذائقة القاريء قبل سمعه.
أجلْ، التفعيلة نظام وسلامة اللغة قيد ونظام ورقيب على الشعر وعلى الشاعر معاً. فشعر البياتي والحالة هذه فوضى داخل نظام صارم مزدوج الطبيعة. فإنه يتمتع من ناحية بأقصى درجات الحرية في التعبير عن أفكاره وهواجسه وأحاسيسه ومشاعره، ويُلزمُ من ناحيةٍ أخرى نفسه بنوعين ودرجتين من القيود الصارمة. وإنه لهوَ الحاكم المطلق وإنه لهوَ القاضي الخصم في عين الوقت ( فيك الخصامُ وأنتَ الخصمُ والحكمُ / المتنبي ). هو الحر الطليق لكنه هو العبد المقيد. حر بالإستسلام الصوفي الكلي لغيبوبته أمام سطوة وسلطان لغة الإبداع الناطقة والهذيان الذي تفرضه حالة اللغة هذه. ومقيد بالوعي الكامل لأحكام التفعيلة واللغة.
كيف تسنى للبياتي أن يجمع الضدين ؟ الجواب لدى فرويد وأضرابه من علماء النفس والطب النفساني. إنه البياتي الشاعر والإنسان جامع الأضداد بجدارة. وهو في شعره شيء وفي حياته شيء آخر. ما تقرره النظريات شيء وما تقوله الحياة شيء آخر. جمع البياتي في نفسه الأضداد التي لا يعترف بها هو فيما كتب من شعر ولا تعترف بها أصلاً النظرية الصوفية – السوريالية سواء في الشعر أو الفلسفة أو الحياة. وخلافاً للبياتي، كان كبار فلاسفة المتصوفة المعروفين متصوفين في شعرهم وفي حيواتهم الخاصة والعامة. في حين كان البياتي صوفياً – سوريالياً في متون كتبه الشعرية حسب. سقط في التناقض الأكبر مُدعّي تحطيم جُدُر وأرضيات النقائض. قال أحد الشعراء :
إلى الماءِ يسعى من يَغَصُ بلقمةٍ
إلى أين يسعى من يَغَصُ بماءِ ؟
بعض الخلل في لغة البياتي :
حذفه لألف النصب على المفعولية في آواخر الكثير من سطوره، وذلك بسبب ولعه المطلق بتسكين هذه الآواخر ليستقيم إيقاع التفعيلة على أُذن القاريء أو ليستقيم السجع الصوتي بالتقفية مع ما يأتي من سطر أو سطور. وهو أسلوب أشبهه بآليّة التصفيق بالكفين توخياً لرجع الصدى المتكاثر كحالة تردد قصف الرعود كثرةً وقوةً في السماء في إثر إندلاع شرارة البرق الأولى. أضرب أمثلة على ذلك وهي غيض من فيض :
من قصيدة ” عذاب الحلاّج ” ص 9 – 20 / المقطع السادس ” رماد في الريح ” :
عشر ليالٍ وأنا أكابد الأهوالْ ( الصواب : الأهوالا )
وأعتلي صهوةَ هذا الألم القتّالْ

أوصالُ جسمي أصبحتْ سمادْ ( الصواب : سمادا )
ومن قصيدة ” محنة أبي العلاء ” ص 24 – 27 / المقطع الثاني ” العباءة والخنجر ” :
أصبحتُ في بلاطه حجرْ ( الصواب : حجراً أو حجرا )
ليلاً بلا سَحَرْ
قيثارةً مقطوعة الوترْ
عباءةً باليةً، مسمارْ ( الصواب : مسماراً أو مسمارا )
وفي قصيدة ” لوركا ” ص 151 :
يموتُ أنكيدو على السريرْ
مُبتئساً حزينْ ( الصواب : حزيناً أو حزينا )
من قصيدة ” المجوسي ” ص 215 – 216 :
وراقصتُ الفراشاتِ وعانقتُ الزهورْ ( الصواب : الزهورا )
منحوني عندليبباً وقمرْ ( الصواب : وقمراً أو وقمرا )
ولماذا استرجعوا مني القمرْ ( الصواب : القمرَ أو القمرا )
كان حبي لكِ موتاً ورحيلْ ( الصواب : ورحيلا )
وجدوه عند بابِ البيتِ في الفجرِ قتيلْ ( الصواب : قتيلا )
وفي قصيدة ” ديك الجن ” ص 157 – 161 :
صنعتُ من رمادها فراشةً ودُميةْ
وقدَحاً مسحورْ ( الصواب : مسحورا )
أنامُ في الضفافْ
صفصافةً تنتظرُ العرّافْ ( الصواب : العرّافا )
هنا نجد ما كنت قد قصدتُ بآلية التصفيق بالكفين من أجل الحصول على تضخيم أثر الظاهرة الصوتية في أُذن القاريء أو السامع بتكرير الصدى داخل القصيدة. المفروض أن يكون البيتان كما يلي :
أنامُ في الضفافِ
صفصافةً تنتظرُ العرّافا … بهذا الشكل اللغوي السليم يخسر الشاعر أثر رجع الصدى المدوّي في أُذن السامع. أرى تلك واحدة من مشاكل البياتي العويصة: التضحية بقواعد اللغة من أجل الظاهرة الصوتية وبعض ( المُحسّنات البديعية … حسب لغة إبن المعتز ). ثم يأتي البيت التالي مباشرة بعد هذين البيتين :
والبرقَ والعصفورْ ( الصواب : والعصفورا )
وفي قصيدة ” هكذا قال زُرادشتْ ” ص 217 – 218 :
فمتى يهبطُ زارا من جبالِ النومِ والموتِ إلى الشارعِ حُرّاً وطليقْ ( الصواب : وطليقا )
وفي قصيدة ” القصيدة الإغريقية ” ص 382 – 385 / المقطع 12 :
كانت ترسمُ فوق الرملِ عيوناً وشفاهْ ( الصواب : وشفاهاً )
تصريف الممنوع من الصرف :
نقرأ في قصيدة ” قراءة في كتاب طواسين الحلاّج ” ص 372 – 375 ما يلي :
كان الحلاّجُ يعودُ مريضاً وينامُ سنيناً / الصواب : سنينَ أو سنينا، بدون تنوين.
كذلك صرّفَ السنين في قصيدة ” النور يأتي من غرناطة ” ص 403 – 405 :
ويظلُّ الرجلُ الطفلُ سنيناً في سَفَرٍ.
ثم الخطأ في إستخدام أداة الجزم “لم ” الواقعة بعد لماذا كأن يقول : لماذا لم بدل لِمَ لَمْ أو لِمَ لا – ص 411 -. لا تأتي لم بعد لماذا لأنَّ لماذا في الأصل هي مزيج مركّب من لِمَ هذا = لِمَ ذا = لِمَذا = لماذا . من هذا تتضح إستحالة القول : لِمَ هذا لمْ = لِماذا لمْ . لا مكان لإسم الإشارة ” هذا ” ما بين أداة الإستفهام لِمَ وأداة الجزم لمْ.
أخطاء أخرى في كيفية تهجّي وكتابة الهمزة :
وهذه لحسن الحظ ليست كثيرة. وربما يُلام ناشر الكتاب على ذلك لا الشاعر ( أتمنى ذلك !! ). أمثلة :
في قصيدة ” مرثية إلى عائشة ” ص 135 – 138 / على الصفحة 137 :
عدتُ كتاباً باهتَ النقوشْ
يقرؤهُ العشاقْ ( الصواب : يقرأهُ العشّاق … قرَأَ … يقرَأُ وليس يقرؤُ . حرف الراء مفتوح وهو يسبق الهمزة مباشرةً )
يبيعهُ الورّاقْ
( العشّاقْ… الورّاقْ … ظاهرة التصدية والتصفيق بالكفين مارّة الذكر… ).
وفي قصيدة ” مراثي لوركا ” ص 151 – 156 / المقطع الثالث ص 153 :
جاؤوا على ظهرِ خيولِ الموتْ ( الصواب : جاءوا … الماضي المفرد هو جاءَ ، وفي حالة الجمع تبقى الهمزة مستقلة وكما كانت في الأصل، كحال الفعل قرأ …قرأوا، فقأ …فقأوا، ملأَ … ملأوا … وهكذا ).
وفي قصيدة ” قمر شيراز ” ص 390 – 393 / المقطع الثالث ص 391:
أكتبُ تأريخَ الأنهارْ
أبدؤهُ بطيور الحبِّ وبالنهرِ الذهبيِّ الأشجارْ ( الصواب : أبدأهُ … ما قبلَ الهمزة حرف مفتوح، حرف الدال. وصيغة الفعل الماضي المفرد: بدَأَ … وأنا أبْدَأُ … أبدَأهُ ).
وفي قصيدة ” حجر التحوّل ) ص 442 – 446 / المقطع السادس ص 444 :
يتقيأُ بعضٌ منكمْ والبعض يُغيّرُ كالحرباءْ
ألوانَ الأشياءْ
وجلودَ الحملانْ
بجلودِ الذئبانْ ( الصواب : الذؤبان ). ذئبان هو مثنى ذئب وليس الجمع كما أراد الشاعر.
قرأتُ الشعر بالروسية والإنجليزية ثم الألمانية فلم أجد ( كما لم يجد غيري ) أي خطأ في لغة الشعراء الذين كتبوا بلغاتهم هذه، بينما يخطأ شعراء العربية المعاصرون أو يسهون أو يتعاملون مع اللغة بدون إكتراث، فما سبب ذلك ؟!؟! هل الخلل كامن أساساً في لغة هؤلاء الشعراء وفي تربيتهم الثقافية أم في تسامح وتهاون القرّاء والنقّاد وجهل الناشرين؟؟ أحسب أنَّ الكل مسؤول بهذه الدرجة أو تلك ولاسيما الشعراء أو قوّالة الشعر.
البياتي وعائشة
من هي عائشة ؟
نقرأ في المقطع السادس من قصيدة ” الرحيل إلى مدن العشق ” / الصفحة 308 ما يلي :
تبكي ليلى المجنونَ وعائشةٌ تبكي الخيّامْ.
عائشة هي صاحبة ومثال عمر الخيام.كما كانت عين الشمس أو النظام مثالَ محيي الدين بن عربي. وكماكانت إلزا للشاعر الفرنسي أراغون ومنوّر لزوجها ناظم حكمت.
ثم نقرأ في المقطع 16 من قصيدة ” حب تحت المطر ” :
” عائشةٌ إسمي ” قالت : ” وأبي ملكاً أُسطوريّاً كانْ. يحكمُ مملكةً دمّرها زلزالٌ في الألف الثالثِ قبلَ الميلادْ “.
هنا تنقلب عائشة إلى كائن أُسطوري، نراها تتحول وتتقمص أرواح وشخوص الكثرة من النساء وتخترق التأريخ وأحداثه جيئةً وذهاباً، لا تعترف بزمن أو حدود، ماضيها في مستقبلها ومستقبلها هو ماضيها. الزمن طريق مُعبّد ذو ممرين Two – Ways Road . لا تعرف الموت بل موتها في حياتها وحياتها في موتها. تموت مراتٍ وتحيا مراتٍ. ومن هنا جاء إسمها ” عائشة “. عائشة تحيا من الأزل إلى الأبد في جميع نساء العالم روحاً خالداً. أجساد ووجوه النساء تتبدل وتتغير وتتنوع لكنَّ الروح أو الجوهر يبقى هو هو دون تبدل أو تغيّر. فعائشة إذنْ كائن خرافي لا يعرفه إلاّ المتصوفة والغائبون عن وعيهم والقادرون على خرق وإختراق الحجب الزمانية والمكانية ورؤية المستقبل والرجوع بالحياة القهقرى إلى الوراء.
بل وأكثر من ذلك. قد تتجلى عائشة للبياتي على شكل مخلوقات رقيقة فيتخيلها صاحبته عائشة كما ورد في المقطع الثامن من قصيدة ” رسائل إلى الإمام الشافعي ” التي لا علاقة لمحتواها لا بالشافعي ولا بمذهبه الواسع الإنتشار في مصر. عائشة في هذا المقطع مجرد فراشة زرقاء :
تهدّلَ النورُ على الرياض في ” شيرازْ ”
وفتحت أبوابها ورفرفت فراشةٌ زرقاءْ
تطيرُ فوق سورها وفوق وجه العاشق الفقيرْ
صحا لكي يتبعها لكنها اختفت وراء السورْ
تاركةً وراءها خيطَ دمٍ يمتدُّ في خمائل الأصيلْ
ناديتها :
عائشةٌ !
عائشةٌ ! لكنها لم تسمعْ النداءْ
ولم ترَ العاشقَ في جحيمه يزحفُ نحو النارْ
منتظراً في آخر الأبوابْ.
لا وجود لإسم عائشة أو لارا في قصائد المجلّد الأول. بدأ ظهور إسم عائشة ولأول مرّة في قصيدة ” الموتى لا ينامون “، الصفحة 71 من كتاب ” الذي يأتي ولا يأتي ” الذي قدّمه بالقول ( سيرة ذاتية لحياة عمر الخيام الباطنية الذي عاش في كل العصور منتظراً الذي يأتي ولا يأتي ). حياة عمر الخيام الباطنية خلقت له مثالاً على شاكلته يعيش في كل العصور. ذكرها في هذه القصيدة مرتين في حين إفتتح القصيدة بذكر الخيام قائلاً :
في سنواتِ الموت والغربةِ والترحالْ
كَبُرتَ يا خيّامْ

شعرُكَ شابَ والتجاعيدُ على وجهك والأحلامْ
ماتت على سور الليالي، مات ” أورفيوس ”
ومات في داخلك النهر الذي أرضع نيسابورْ

عائشةٌ ماتت، وها سفينةُ الموتى بلا شراعْ
تحطّمت على صخور شاطيء الضياعْ
– قالت، ومدّت يدها : الوداعْ

عائشةٌ ماتت، ولكني أراها تذرع الحديقةْ
فراشةً طليقةْ
لا تعبرُ السورَ ولا تنامْ
الحزنُ والبنفسجُ الذابلُ والأحلامْ
طعامها في هذه الحديقة السحريةْ
– أيتها الجنيّةْ !
تناثري حطامْ
مع الرؤى والورق الميّتِ والأعوامْ
وخضّبي بالدمِ هذا السورْ
وأيقظي النهرَ الذي في داخلي مات ورشّي النورْ
في ليلِ نيسابورْ
ولتبذري البذورْ
في هذه الأرض التي تنتظرُ النشورْ .
واضح أن البياتي هنا إنما يخاطب نفسه بإسم الخيام ( كَبُرتَ يا خيّام … ). وكما هو الأمر مع الكثرة الغالبة من أشعاره، يذكر البياتي في هذه القصيدة وبإلحاح واضح كلمات الموت والسور والنور. ثم إن عائشة المتوفاة تودّع الشاعر ثم تتحول إلى فراشة طليقةْ … يراها تذرع الحديقةْ… لا تعبرُ السورَ ولا تنامْ. لا تتخطى السور الحاجز الذي يفصل الأحياء عن الموتى. فهي إذن عائشة، لم يُمتها الموت ولا يستطيع. ثم هي يقظى أبداً لا تأتيها سِنةٌ من نوم. هي حية ما دامت في الكون حياة.
في القصيدة التالية ” الذي يأتي ولا يأتي ” كرر البياتي تقريباً كل ما قد قاله في القصيدة السابقة مع إعادة ترتيب الوضع المكاني لبعض الكلمات في بعض الأسطر. ذكر فيها السور ونيسابور وذكر عائشة ثلاث مراتٍ. بدأ القصيدة بموت عائشة التي تحولت في القصيدة السابقة إلى فراشة :
عائشةٌ ماتت، ولكني أراها تذرع الظلامْ
تنتظرُ الفارسَ يأتي من بلاد الشامْ
– أيتها الذبابةُ العمياءْ
لا تحجبي الضياءْ
عني، وعن عائشةٍ ، أيتها الشمطاءْ


عائشةٌ ماتت، ولكني أراها مثلما أراكْ
قالت، ومدّت يدها : أهواكْ
وابتسمَ الملاكْ.
ذكر البياتي إسم عائشة في الكثير من قصائد المجلّد الثاني ( أربعاً وأربعين مرةً وفق حساباتي الأولية ) لكنه خصّها بخمس قصائد هي حسب تسلسلها في الكتاب :
في قصيدة ” بكائية ” يبحث الشاعر في نيسابور عن عائشة التي ماتت وأنزلها حفّار القبور إلى قبرها وهي في ثياب العرس مكللةً بتاج من الزهور( مثل أوفيليا في مسرحية هاملت ) لكنه لم يجدها في سرداب أو قبر. في القصيدة سياحة مذهلة وخلط بين رؤى الأحلام وما يشبه الحقائق. بين الأساطير والواقع. يستعير العالم السفلي في ملحمة جلجامش السومرية الذي ينزل فيه تموز ( دموزي ) لستة أشهر من السنة ثم تنزل إليه آلهة الجنس والخصوبة عشتار ( عشتروت ). عائشة إذنْ هي أوفيليا مرةً وهي عشتار السومرية مرةً أخرى. فيها خيال عجيب ساحر في سرده الذي يماثل قصص وحكايا الأطفال المكرّسة لمساعدتهم على النوم المبكّر. للبياتي قدرة فائقة على إقناع القاريء بما يقول من تخريف وبما يمزج من توليفات غير مألوفة في عالم البشر. لا تنسجم مع منطق أو عرف أو قانون. فالزمن واحد غير قابل للتجزئة. كأنه عجلة لا حدود لمحيطها دائبة الحركة الدورانية حتى أن ما كان ماضياً يعود كرّةً أخرى ليصبحَ مستقبلاً والعكس بالعكس. لا ماضيَ في الزمن ولا مستقبلاً. متصل من الأزل إلى الأبد دون توقف. هو سكة الحديد غير المتناهية ونحن البشر نتحرك كقاطرةٍ عليها ونتوقف، نُسرع ونُبطيء ونتحرك مخلفين وراءنا مسافاتٍ يمكن قياسها في المكان أو الفضاء غير المتناهي.كما يمكننا قياس سرعة حركتنا على سكّة الزمان بما نحمل من ساعات إخترعناها نحن البشر ولا يعترف بها الزمان ولا علاقة له بها. يثير الدهشة ويجعلك تشعر بحرارة وصدق ما يقول وما يرى في يقظته ونومه. يجعلك تصدّق الأكاذيب والتهويلات وتود لو يواصل السرد وسبر الأغوار غير المعروفة. نقرأ أكثرَ ما جاء في قصيدة ” بكائية ” :
عدتُ إلى جحيمِ نيسابورْ
لقاعها المهجورْ
للعالم السفليِّ، للبيت القديم الموحش المقرورْ
أبحثُ عن عائشةٍ في ذلك السردابْ
أتبعُ موتها وراءَ الليلِ والأبوابْ
كزورقٍ ليس به أحدْ
تتبعني جنازةُ الشمسِ إلى الأبدْ
– من ههنا أنزلها الحفّارْ
للقبرِ وهي في ثيابِ العُرسِ، فوق رأسها تاجٌ من الأزهارْ
وغيمةٌ من نارْ


أتبعُ موتها بلا دليلْ
أجرُّ خلفي سنواتِ حبها كذيلِ ثوبٍ فاقعٍ طويلْ
طرقتُ بابَ العالم السفليِّ مرتينْ
فمدَّ لي حارسهُا يدينْ
وقال لي : من أينْ
قلتُ : أنرْ لي هذه السهوبْ
فالليلُ في الدروبْ
قال، وكانت يدهُ تعبثُ بالمكتوبْ
ليقرأَ المحجوبْ :
– عائشةٌ ليست هنا، ليس هنا أحدْ
فزورقُ الأبدْ
مضى غداً وعادَ بعد غدْ
عائشةٌ ليس لها مكانْ
فهي مع الزمانِ ، في الزمانْ
ضائعةٌ كالريحِ في العراءْ
ونجمةِ الصباح في المساءْ
فعُدْ لنيسابورْ
لوجهها الآخرَ ، يا مخمورْ
وثُرْ على الطغاةِ والآلهةِ العمياءْ
والموتِ بالمجانْ.
(( فزورقُ الأبدْ، مضى غداً وعادَ بعدَ غدْ ))
كيف يتقبل القاريء هذا المنطق المقلوب ؟ مضى فعلٌ ماضٍ وغداً ظرف زمان يفيد المستقبل، فكيف يستقيم جمع الماضي بالمستقبل ؟ كيف يجتمع طرفا الخط المستقيم ؟ في شعره يجمع البياتي البداية بالنهاية، طرفي الزمان.كذلك الأمر بالنسبة للفعل الماضي عادَ الذي وظّفه بدل الفعل المضارع يعود. خيالٌ خاص وسحرٌ ( أسود ) خاص جداً لا يمارسه ولا يُحسن ممارسته إلاّ شاعر صوفي – سوريالي جسوركالبياتي.
مرثية إلى عائشة
في السطر الأول من هذه القصيدة تضمين لأحد أبيات أبي الطيب المتنبي من القصيدة التي قالها في رثاء عمّة عضد الدولة البويهي التي توفيت في بغداد. وهي أخت معز الدولة بن أحمد إبن بويهْ، حاكم بغداد الفعلي يومذاك. قال المتنبي :
يموت راعي الضأنِ في جهلهِ
ميتةَ جالينوسَ في طبّهِ
قاصداً أنَّ الموت واحدٌ بالنسبة لكل البشر، يتساوى فيه الجاهل الأمي والعالم الجهبذ، راعي الشياه البسيط والطبيب النطاسي جالينوس الذي لم يدرأ طبه الموت عنه. لقد سبق وأن عبّر المتنبي عن هذه الفكرة ببيت شعري آخر إذ قال :
فطعمُ الموتِ في أمرٍ حقيرٍ
كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمِ
الموت واحد وطعمه واحد.
فما الذي قاله البياتي في هذا الصدد وفي معرض رثائه لعائشة ؟
يموتُ راعي الضأنِ في إنتظارهِ ميتةَ جالينوسْ
يأكلُ قُرصَ الشمسِ أورفيوسْ
تبكي على الفراتِ عشتروتْ
تبحثُ في مياههِ عن خاتمٍ ضاعَ وعن أُغنيةٍ تموتْ
تندبُ تموزَ فيا زوارق الدخانْ
عائشةٌ عادت مع الشتاءِ للبستانْ
….
وهكذا يمضي البياتي- كما هي عادته أبداً – صافعاً قاريء شعره بالسجع المُقفّى في صليات أو جرعات مخدّرة مفرطة في السذاجة : جالينوس… أورفيوس… عشتروت… تموتْ…دخانْ… بستانْ…،
ماذا سنجد في هذه القصيدة إذا ما تجاوزنا مطلعها هذا؟ نجد أنه قد ذكر نهر الفرات ستَ مراتٍ وذكر عائشة خمس مرّاتٍ وبابل مرتين ثم ذكر تموز وأشار إلى جزء من ملحمة جلجامش السومرية – البابلية، فضلاً عن جالينوس وعشتروت وأورفيوس ماري الذكر.
” مرثية إلى عائشة ” هي القصيدة الأولى في ديوان ( الموت في الحياة ) الذي قدّم له قائلاً
(( الوجه الآخر لتأملات الخيام في الوجود والعدم )). على الصفحة التالية ثبّت جملة قالها
الروائي الفرنسي ألبير كامو (( هناك شمس لا تغيب في قلب ما أكتب )).
كيف سنفهم رثاء عائشة بعد أنْ جعلنا البياتي محصورين بين مطرقة وجودية سارتر العدمية وسندان رمزية شمس كامو التي لا تغيب؟ أين نجد الشاعر، هل نبحث عنه في الرثاء الذي قال أم تُرى نجده مختبئاً بين الخيام وسارتر وألبير كامو؟ لا وجود للبياتي في الأغلب الأعم من شعره. لا يهمه أصلاً هذا الوجود. يخشاه فينأى بنفسه عنه. تلكم مشكلة عويصة وخطيرة، أن يسلخ الشاعر ذاته أو ينسلخ عما يقول ويتوارى خلف حُجُب وسُتر صوفية بحيث يتسنى له من خلال كوى خاصة غامضة رؤية ومراقبة ما في داخل القصيدة وما في خارجها. رغم هذا الإنسلاخ ورغم هذه المراقبة الدقيقة عن بعد ومن الخارج غير القصي نرى قصائد البياتي فالتة كالزوبعة والريح من قبضته. لا سلطانَ له عليها وعلى تحديد مساراتها وإتجاهاتها وضبط منطقها الذي هو في الحق اللامنطق. إنه في شعره يخالف ما قال المتنبي :
على قلقٍ كأنَّ الريحَ تحتي
أوجهها جنوباً أو شمالا
فرياح البياتي هى التي توجهه وتمسك بزمام أموره.
لا يتوقع القاريء أن يفهم شيئاً ذا بال من هذه القصيدة. إنها كأغلب سابقاتها ولاحقاتها بلا هدف أو غرضٍ محدد واضح. لا رأسَ لها ولا أطراف. تتمدد كالإميبيا في جميع الإتجاهات عرضاً وطولاً، تأريخاً وجغرافيةً، رموزاً وأساطيَر يحشوها الشاعر حشواً مستخدماً آليات مكررة بعينها أتقنها لكثرة الممارسة جيداً مستهدفاً تمتين نسيج ولحمة شعره وزيادة كثافته مضافاً إلى ذلك المؤثرات الصوتية بالتقفية والرنين وتكرار بعض الأسطر أو الأبيات أو الأفكار وخلط مضمون بعض القصائد السابقة باللاحقة. ثم الإفراط في توظيف الديكورات الداخلية والخارجية المتعددة الأشكال والألوان. إنها سياحة عشوائية يختلط فيها الحابل بالنابل وتنتهي نهايات مبتورة ضائعة هزيلة… كما هو الحال
مع الكثير من القصائد.
قصيدة البياتي طنين نحل ثابت الموجة أو سوق كبيرللصفّارين…فوضى وضرب مطارق تهوي وترتفع بنغمة واحدة ومقام واحد لا يتغير… حسب وصف بعض الأصدقاء.
من باب التداعي والربط الجغرافي، يمارس البياتي حق أن يذكر الفرات وبابل وتموز بعد أن ذكر عشتار البابلية أو عشتروت السومرية التي تتبادل الأدوار بالحلول والتناسخ الصوفي مع عائشة. هذا هو خط البياتي وفلسفته في الشعر منذ ديوان ” سِفر الفقر والثورة “. لقد إلتصق بعائشة بعد أن إختطفها من عمر الخيام وجعلها موضوعاً للكثير من قصائده. إنها تخترق التأريخ والحقب والأزمان وتتبادل الأدوار مع باقي النساء وتحل روحاً في جسد فراشة. قصيدة أو قصيدتان من هذا اللون من الشعر تكفينا وتكفي البياتي وتوفر له جهد الإعادة والتكرار الممل واللف والدوران واللت والعجن وإستهلاك الذات والموهبة الشعرية. لِمَ لم ينتبه البياتي إلى ذلك في الوقت المناسب وهو المثقف والذكي والممارس ؟ لا جواب لديَّ.
وبعد، ماذا قال البياتي في هذه المرثية ؟
عائشةٌ عادت مع الشتاءِ للبستانْ
صفصافةً عاريةَ الأوراقْ
تبكي على الفراتْ
تصنعُ من دموعها، حارسةُ الأمواتْ
تاجاً لحبٍ ماتْ
تعبثُ في خُصلاتِ ليلِ شعرها الجرذانْ
تزحفُ فوق وجهها الديدانْ
لتأكلَ العينينْ
عائشةٌ تنامُ في المابينْ
مقطوعةَ الرأسِ على الأريكةْ
أيتها المليكةْ

فصاحَ بي كاهنُ هذا العالم السفليِّ وهو يشحذُ السكّينْ
مَن الذي أتى بهذا الرجلِ المسكينْ؟
عائشةٌ عادت إلى بلادها البعيدةْ
قصيدةً فوق ضريحٍ، حكمةً قديمةْ
قافيةً يتيمةْ
صفصافةً تبكي على الفراتْ
عاريةَ الأوراقْ
تصنع من دموعها، حارسةُ الأمواتْ
تاجاً لحبٍ ماتْ
فارتفعتْ سحابةٌ من الدخانِ ومضى النهارْ
وثالثٌ ورابعٌ والنارْ
كانت فراشَ مَرضي، وكانت الأحجارْ
وها أنا أموتُ بعد هذه الرؤيا على الأريكةْ
مثلك يا أيتها المليكةْ
أكتبُ فوقَ ورق الصفصافةْ
على الفراتِ بدمي، ما قالت العرّافةْ
للريحِ والعصفورِ والرمادْ

أجوسُ في بابلَ وحدي منزلَ الأمواتْ
وحدي على خرائب الفراتْ
أُكلّمُ السحابْ
وأنبشُ الترابْ
أصيحُ من قبرِ انتظاري يائساً أصيحْ
أقولُ للصفصافةْ
ما قالت العرّافةْ
عائشةٌ عادت إلى بلادها البعيدةْ
فلتبكها القصيدةْ
والريحُ والرمادُ واليمامةْ
ولتبكها الغمامةْ
وكاهنُ المعبدِ والنجومُ والفراتْ
على فراشِ الموتِ أضجعتكِ يا عشتارْ
بكيتُ في بابلَ حتى ذابت الأسوارْ
فأيُّ خيرٍ نالني أيتها العنقاءْ
عُدتِ إلى الفراتِ، عُدتِ موجةً عذراءْ
وموقداً يخمدُ في البردِ وباباً لا يصدُّ الريحْ

أخذ البياتي السطر الأخير من خطاب جلجامش إلى عشتار على الصفحة 112 من ملحمة جلجامش (( ترجمة طه باقر/ دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، طبعة خاصة 2001 )). نقرأ على الصفحة 112 من الملحمة ما يلي :
أيَ خيرٍ سأناله لو أخذتك زوجةً ؟
أنتِ! ما أنتِ إلاّ الموقد الذي تخمدُ ناره في البرد
أنتِ كالبابِ الخلفي لا يصدُّ ريحاً ولا عاصفةً
أنت قصرٌ يتحطمُ في داخله الأبطال.
كان على البياتي أن يشير إلى مصدر كلامه هذا، كما فعل في العديد من المناسبات الأخرى. كذلك لم يُشرْ إلى أبي الطيب المتنبي في البيت سالف الذكر ( يموت راعي الضأن…) وقد جاء البيتُ نشازاً غريباً على مجمل سياقات السرد الشعري في هذه القصيدة. فعائشة تموت كما يموت سائر البشر ( ومن لم يمتْ بالسيف مات بغيره // تعددت الأسبابُ والموت واحدُ ).
تذكرني أشعار البياتي بأناشيد الطفولة ومراحل المدارس الإبتدائية المبكّرة في العراق. لقد كنا نقرأ أناشيد من قبيل :
أليست النظافةْ
علامة الظرافةْ
فالولدُ النظيفُ
منظرُه لطيفُ
أو :
مليكنا مليكنا
نفديك بالأرواحْ
عشْ سالماً عشْ غانماً
بوجهك الوضّاحْ
حلّقْ بنا إلى العلى
مرفرفَ الجناحْ.
قصيدة ” كتابة على قبر عائشة ” ليس فيها ما يمت بصلة لعائشة على الإطلاق !! لذلك سأهملها جملةً وتفصيلاً. إنها في الأصل تحمل الرقم 4 في قصيدة ” كلمات إلى الحجر “.
قصيدة ” مجنون عائشة ”
القصيدة موزعة على ثلاثة عشر مقطعاً بعضها قصير جداً يتكون من سطر واحد أو سطرين. لو غربلنا ونخلنا هذه القصيدة ثم جمعنا وكثّفنا ما يسقط بعد الغربلة والنخل لوجدناها لا تختلف من حيث الجوهر عن باقي القصائد التي كرّسها البياتي لموضوع عائشة. سياحات منفلتة لا رابط يربط بين أجزائها ولا نجد أي محاولة أو جهد بيّن لربطها ذاك لأن الشاعر نفسه غائب عن مسرح الأحداث. لا وجود لمخرج المسرحية والمؤلف يجهل مضمون ما قد ألّف. إنه حكواتي شعبي يعتلي منفرداً خشبة مسرح خالٍ ليس فيه سامعون أو مشاهدون. أو يجلس على قارعة الطريق ويقدم حكاياته إلى جمهور لا يقرأ ولا يكتب ماضٍ في السوق لقضاء حاجاته وحاجات أسرته اليومية.
وكما هو الأمر مع الكثير من القصائد، نرى البياتي يُعبيء هذه القصيدة بأسماء المدن مُشرّقاً ومُغرّباً فيذكر عائشة مرتين ويذكر عشتار ( اللوح السالب لعائشة ) مرتين ثم يتنقل سائحاً بين المدن على صاروخ كوني فيزور مدينة بُخارى ( في أوزبكستان ) ويعرّج على بحر قزوين ( في إيران ) ثم يعوج على حلب السورية فدمشق. وما دام وصل دمشق فلا بأس من ذكر جبل قاسيون المطل عليها. بعد ذلك يغير إتجاه صاروخه الكوني من الشرق إلى الغرب فيزور باريس. وفي باريس لا بدَّ من زيارة متحفها الشهير اللوفر. بعد هذا التجوال الممتع والمُضني في عالمنا الأرضي يفر الشاعر إلى عالم آخر، يتوق إلى الخلاص من أجواء الكرة الأرضية ومن أحكام زماننا فيتشبث بأساطير وقصص التوراة متكئاً على قصة خروج بني إسرائيل من مصر فيذكر سفر الخروج.
سأذكر بداية القصيدة ثم إنتقل إلى المقطع الثاني الذي وجدت فيه شيئاً مثيراً وجديداً. ففي الفحم نجد الماس وفي التراب نكتشف العقيق والزمرد :
أيقظني في الليلْ
غناءُ عصفورٍ فأوغلتُ مع العصفورْ
في الغيهب المسحورْ
لم تستطعْ سجنَ الربيعِ آه في بستانها
رأيتُ غصناً مزهراً يُطلُّ في الديجورْ
علىَّ من فوقِ جدار النورْ
عائشة بالطبع هي التي لم تستطع سجن الربيع في بستانها. أنتقل إلى المقطع الثاني :
خبّأتُ وجهي بيدي
رأيتْ
عائشةً تطوفُ حول الحجرِ الأسودِ في اكفانها
وعندما ناديتها هوتْ على الأرضِ رماداً وأنا هويتْ
فنثرتنا الريحْ
وكتبت أسماءنا جنباً إلى جنبٍ على لافتة الضريحْ.
في هذا المقطع قدرات كبيرة على الإدهاش والإيحاء. (( خبّأتُ وجهي بيدي ))، الشاعر لا يريد أن يرى عائشة ملتفةً بمحارم الحج البيض والطواف حول الكعبة. يخبيء وجهه بيديه كما يفعل الأطفال هرباً من عقوبة الأب أو المعلم في المدرسة. أو كالنعامة تغرس رأسها في الرمل هرباً من خطر قادم داهم. ثم نرى شيئاً عَجَباً حين تسمع عائشة صوت الشاعر ساعةَ أن كانت تُطيف بالحجر الأسود فتحترق هي ويحترق هو فيتناثرا رماداً. الريح التي نثرت الرماد عادت لتجمعه وتوسده القبر وتضع عليه إسميهما.
وهناك صور شعرية قليلة فيها إبداع قد يكون غير مسبوق من مثل :
وكانت الغزلانْ
مذعورةً تبحثُ في مصيدة الموتِ عن الغدرانْ.
أو :
في زمن الفوضى وعصر الرعبْ
أشعلتُ نارَ الحبْ.
قصيدة ميلاد عائشة وموتها في الطقوس والشعائر السحرية المنقوشة بالكتابة المسمارية على ألواح نينوى
حملت القصيدة وهذا العنوان الطويل بدون مبرر معقول أخطاءً تأريخية قتالة. لو رجع الشاعر إلى المصادر ذات الصلة ولو تأنى قليلاً لكان في إمكانه تجنب الوقوع في مثل هذه الأخطاء. لقد حمله إستسلامه الكامل والأعمى لفلسفة التحول والتناسخ أن يخلط أوراق التأريخ وأحداثه المعروفة حد أن يربط عملية شنق مواطنين عراقيين عام 1968 ( وبينهم يهود ) وتعليقهم بطريقة بربرية وحشية في ساحة التحرير في قلب بغداد، بسبايا الغزو الآشوري ليهود السامرة ( الأجزاء الشمالية من فلسطين، إسرائيل ) الذي حدث قبل الميلاد بثمانية قرون، والذي لم تسفر عنه عمليات شنق أو أعدام معروفة.
أجمل أخطاء البياتي في هذه القصيدة بما يلي :
ما كانت الكتابة الآشورية كتابة مسمارية. كانت أبجدية سامية ما زالت آثارها قوية في لهجة سكنة الموصل ( نينوى ) وضواحيها ولا سيما في لهجة السريان والآثوريين.
5-5-2 لا وجود لإسم آشور بانيبال في التوراة على الإطلاق. ولا علاقة له بالغزو والنفي والسبي. كان رجل ثقافة ومكتبته الشهيرة تحمل إسمه. على أنَّ عدم وجود إسمه في التوراة لا يعني أنه لم يكن موجوداً على مسرح الأحداث. كان الرجلُ وما زال مِلأ السمع والأبصار.
تذكر التوراة ( سِفر الملوك الثاني ) أسماء خمسة من ملوك آشور، قام إثنان منهم فقط في عمليات غزو وسبي وسلب السامرة. ملوك هذا السِفر الخمسة هم حسب تواريخ حكمهم :
– الملك الآشوري فول ((… فجاء فول ملك آشور على الأرض فأعطى منَحيم لفول ألف وزنة من الفضة لتكون يداه معه ليُثبّت المملكة في يده. .. فرجع ملك آشور ولم يقم هناك في الأرض / سفر الملوك الثاني / الإصحاح 15/ 19- 20 )).
– تغلث فلاسر (( جاء تغلث فلاسر ملك آشور وأخذ عيون وأبلَ بيت معكة ويانوح وقادش وحاصور وجلعاد والجليل وكل أرض نفتالي وسباهم إلى آشور/ سفر الملوك الثاني / الإصحاح 15/ 29 )).
– شَلَمنأسر (( وصعد ملكُ آشور على كل الأرض وصعد إلى السامرة وحاصرها ثلاث سنين. في السنة التاسعة لِهُوشع أخذ ملك آشور السامرة وسبى إسرائيل إلى آشور وأسكنهم في حَلَح وخابور نهر جوزان وفي مدن مادي (( سفر الملوك الثاني/ الإصحاح السابع عشر / 5-6 )).
– سنحاريب يندفع جنوباً صوب يهوذا وأورشليم (( في السنة الرابعة عشرة للملك حزقيا صعد سنحاريب ملك آشور على جميع مدن يهوذا الحصينة وأخذها. وأرسل حزقيا ملك يهوذا إلى ملك آشور إلى لخيش يقول قد أخطأتُ. إرجعْ عني ومهما جعلتَ عليَّ حملته. فوضع ملك آشور على حزقيا ملك يهوذا ثلاث مئة وزنة من الفضة وثلاثين وزنة من الذهب (( سفر الملوك الثاني/ الإصحاح الثامن عشر/ 13- 14 )).
– أسر حدّون،إبن سنحاريب (( لا ذِكْرَ في سفر الملوك الثاني لغزوٍ أو سبي قام به هذا الملك )).
إثنان فقط من بين ملوك آشور قاما بغزو وسبي السامرة. وما كان آشور بانيبال واحداً منهم. أما الملك الآشوري الآخر الذ ي لم يذكره سفر الملوك الثاني فهو :
– سَرْجُونُ. جاء ذكره في الإصحاح العشرين من سفر إشعياء قصيراً مختصراً دون ذكر لسبي أو قتول (( في سنة مجيء تَرْنانَ إلى أشدود حين أرسله سَرجُونُ ملكُ آشورَ فحاربَ أَشدودَ وأخذها…/ 1 )). الغريب أنَّ التوراة قد سبق وأن ذكرت تَرنان كأحد قادة الملك الآشوري سنحاريب الذين أرسلهم لمحاربة حزقيا بن آحاز ملك يهوذا في اُورشليم نفسها بعد أن سقطت في أيديهم مدن يهوذا الأخرى الحصينة. حاصرت جيوش سنحاريب مدينة أُورشليم طويلاً لكنها عجزت عن دخولها فرجعت مندحرةً بعد أن كبّدهم ” ملاك الرب ” خسائر فادحة في الأرواح (( سفر الملوك الثاني/ الإصحاح التاسع عشر/ 35 – 37 )).
أوقع البياتي نفسه في خطأ تأريخي جسيم آخر إذ قال في هذه القصيدة :
وأرى آشور بانيبالْ
يطعنُ في حربته شمس الغروبِ، وأرى الأسرى على مشانق الإعدامْ
معلّقين في ظلامِ الغسقِ المخيفْ
وكاهناً يرتّلُ الصلاةْ :
ربُّ الجنودِ أرميا النبيُّ – قالَ هكذا سأدعُ القوّادْ
والأمراءَ يثملون وينامون إلى الأبدْ
ربُّ الجنودِ هكذا يقولْ.
النبي إرميا لا علاقة له بالحقبة الآشورية. كان إرميا نبي اليهود زمان الملك البابلي نبوخذنصّر صاحب السبي البابلي المشهور الذي وقع بعد الإمبراطورية الآشورية بأربعة قرون تقريباً. نقرأ في الإصحاح التاسع والثلاثين من سفر إرميا (( ولما أُخِذت أورشليم في السنة التاسعة لصدقيّا ملك يهوذا في الشهر التاسع أتى نبوخذراصرُ ملكُ بابلَ وكلُّ جيشهِ إلى أورشليم وحاصروها. وفي السنة الحادية عشرة لصدقيا في الشهر الرابع في تاسع الشهر فُتِحت المدينة…. فسعى جيش الكلدانيين وراءهم فأدركوا صدقيا في عَرَبات أريحا فأخذوه وأصعدوه إلى نبوخذناصر ملك بابل إلى رَبَلة في أرض حماة فكلّمه بالقضاءِ عليهِ. فقتل ملِكُ بابلَ بني صدقيا في رَبَلة أمام عينيه وقتل ملكُ بابلَ كل أشراف يهوذا. وأعمى عيني صدقيا وقيّده بسلاسل نُحاسٍ ليأتي به إلى بابل… وأوصى نبوخذراصر ملكُ بابلَ على أرميا نبوزَرَدانَ رئيس الشُرَط قائلاً خذه وضع عينيك عليه ولا تفعلْ به شيئاً رديئاً بل كما يُكلّمكَ هكذا إفعلْ به / 1 – 12 )). كما نقرأ في الإصحاح الأربعين من سِفر إرميا
ما يلي (( الكلمة التي صارت إلى إرميا من قِبل الرب بعدما أرسله نبوزَرَدان رئيس الشُرَط من الرامّة إذ أخذه وهو مُقيد بالسلاسل في وسط كل سبي أُورُشليمَ ويهوذا الذين سُبوا إلى بابلَ. فأخذ رئيسُ الشُرَط إرميّا وقال له أنَّ الربَ إلهكَ قد تكلّمَ بهذا الشر على هذا الموضع… فالآن هآنذا أحُلّك اليومَ من القيود التي على يديك. فإنْ حَسُن في عينيك أنْ تأتي معي إلى بابلَ فتعالَ فأجعلُ عينيَّ عليك. وإنْ قَبُح في عينيك أنْ تأتي معي إلى بابلَ فامتنعْ. أُنظُرْ. كل الأرض هي أمامكَ فحيثما حَسُن وكان مستقيماً في عينيك أنْ تنطلقَ فانطلقْ إلى هناك. وإذ كان لم يرجعْ بعدُ قال إرجعْ إلى جَدَليا بن أخيقامَ بن شافانَ الذي أقامه ملكُ بابلَ عل مُدن يهوذا وأقمْ عنده في وسط الشعب وانطلقْ إلى حيث كان مستقيماً في عينيك أنْ تنطلقَ. وأعطاهُ رئيسُ الشُرَطِ زاداً وهديةً وأطلقه / 1 – 5 )). وأخيراً نقرأ في الإصحاح الحادي والخمسين من سِفر إرميا (( لأنه جاء عليها على بابل المخرّبُ وأُخِذ جبابرتها وتحطّمت قسيّهم لأن الرب إلهُ مجازاة يُكافيء مكافأةً. وأُسكِرُ رؤساءها وحكماءها وولاتها وحكامها وأبطالها فينامون نوماً أبدياً ولا يستيقظون يقول الملكُ ربُّ الجنود. / الإصحاح 51 / 56 – 57 )).
ذكرتُ هذه التفصيلات المطوّلة لأهميتها التأريخية التي تبين خطأ البياتي في رصده وتفسيره وخلطه لبعض وقائع التأريخ القديم من جهة، ولطرافتها التي تلفت نظر القاريء والباحث: كيف يعتني نبوخذ نُصّر الملك الذي غزا وسبى أُورشليم قبل الميلاد بثمانية قرون (كذلك يأتي إسمه في التوراة بشكل نبوخذ راصر وبشكل نبوخذ ناصر ) … كيف يعتني ويولي أمر السبي النبي اليهودي إرميا إهتماماً إستثنائياً ويكلّف رئيسَ شُرَطه أن يكون مسؤولاً عن حياته ثم أن يُعطى حرية إختيار المكان الذي يرغبُ أن يُقيمَ فيه : أنْ يأتي إلى بابلَ أو أن يختار بلداً آخرَ أو أنْ يبقى مع بقية من بقي من اليهود في أُورشليم. الملك القاهرالبابلي الجبّار يمنح النبي اليهودي المقهور المسكين حرية التعبير وممارسة العقيدة ثم حرية التنقّل والإقامة حيثما يريد. أليست هذه هي عين الحريات التي يطالب بها البشر اليوم شرقاً وغرباً وتنادي بها منظمات ولجان حقوق الإنسان وهيئة الأمم المتحدة ودُعاة العولمة والقطب الواحد؟؟
كان نبي اليهود زمن الملك سنحاريب الآشوري هو ( إشعيّا بن آموص ). ثم إنّ مدينة نينوى قائمة على نهر دجلة وليس الفرات.
القصيدة :
ليس في هذه القصيدة منطق سوي يستهدي به القاريء، وذلكم أمر متوقع. فآشور بانيبال يقع في حب سبيّة يهودية أعطاها إسم عائشة لكنها لا تبادله هذا الحب، فالمقهور لا يهوى قاهريه.
أحبني آشور بانيبالْ
مدينةً بنى لحبي وبنى من حولها الأسوارْ
ساق إليها الشمسَ بالأغلالْ
والنارَ والعبيدَ والأسرى ونهرَ الجنةِ الفراتْ
أجبني وكان نصفُ قلبه مأسورْ
في قاع بئر العالمِ المسحورْ
ونصفه الآخرُ في آشورْ
تأكله النسورْ
عاصفةً كان وفأساً في يد القدرْ
تهوي على جماجم الملوك والقلاع والمدنْ
أحبني لكنني أواه لم أكنْ
أحبه فماتت الأشجارْ
وجفَّ نهرُ الجنة الفراتْ
واختفت المدينةْ
والنارُ والشعائرُ السحريةْ
وحلَّ في مكانها ديكٌ من الحجرْ

ولأن السبية اليهودية لم تحب آشوربانيبال فقد ماتت الأشجار وجف نهر الفرات ومُسِخت نينوى ديكاً من حجر. ثم تقوم السبيّة من عالم الموتى ومن مملكة الموت حالّةً في إمرأة أخرى تحملُ إسمَ عائشة فنراها معروضة للبيع في يد النخّاس في سوق الرقيق. ثم يحبها شاعر وساحرٌ ومحارب لكنها تختار المحارب من بينهم لأنه قدّم لها قرباناً وبنى لها مسلّة. إلى هنا نجد الأمر واضحاً ومعقولا. لكن الأمر غير الواضح هو كيف ولماذا تعود إلى القبر ثانيةً بعد قيامتها الأولى وبعد أن أحبها المحارب وقدّم لها ما قد قدّم. نقرأ :
أحبني الساحرُ والشاعرُ والمحاربْ
قدّم قرباناً… بنى مسلّةْ
دوّن في متونها رُقاهْ
وحركاتِ الريحِ والكواكبْ
ونفحاتِ الطيبْ
دوّن أسماءَ زهورِ وطني البعيدْ
بكى على قبري ورشَّ دمَ طفلٍ يافعٍ ذبيحْ
قبّلني وكنتُ في ذراعه عاريةً أصيحْ
وكان ضوءُ القمرِ الأحمرِ في آشورْ
يصبغُ وجهي ويدي ويغمرُ الضريحْ
فدبّت الحُمرةُ في خدي ودبَّ الدمُّ في العروق

عائشة تقوم من القبر مرة أخرى تحت تأثير دفء ضياء وحُمرة قمر آشور التي تنقل لها الحياة ( فدبّت الحُمرةُ في خدي ودبَّ الدمُّ في العروقْ ). وما أن تقوم حيةً من رمسها حتى تنقلب إلى آلهة الجنس والخصب البابلية عشتار حبيبة تموز الراعي وكانت بابلُ على الفرات. وثالوث الفرات – عشتار – تموز كثير الوقوع في أشعار البياتي وبشكل مُلّح إلى حد الإسراف الذي يسبب الملل والضيق لدى القاريء أحياناً.
حتى تموز هذا يقتله الجنود ويقتلعوا عينيه ثم يقطعوا رأسه. هنا يعود بنا البياتي القهقرى أربعة عشر قرناً من الزمان إلى الوراء ليضع أمامنا بانوراما وقائع مجزرة الطف التي وقعت في العام الحادي والستين للهجرة في ضواحي كربلاء حيث سقط الحسين بن علي قتيلاً ومُزقت أحشاؤه ووطأت جسدَه الممزقَ خيولُ فُرسان جيش الشام تحت إمرة عُمر بن سعد بن أبي وقّاص وخيولُ جيش أمير الكوفة والعراق عُبيد الله بن زياد. ثم ترجلَّ أحد قادة الكتائب ليحز رأس الحسين القتيل ويُحمل إلى دمشق محمولاً على رؤوس الرماح… كما تذكر الروايات التأريخية.
لقد لخّص البياتي أحداث هذه الواقعة بأسلوبه الرمزي – السوريالي فنسخ وأحلَّ حَدثاً محل حدثٍ وشخصاً بدلَ شخصٍ فقال والكلام عن تموز ( الحسين ) على لسان عشتار:
لكنه لم يُكمل الحديثَ فالجنودْ
داسوه بالأقدامْ
واقتلعوا عينيهْ
وكانَ في انتظارهم آشورُبانيبالْ
في قاعة المرايا
ممتشطاً لحيته وغارقاً في النورْ.

أبحثُ عن ” تموزَ ” في قصائد الشعرِ وفي الألواحْ
أضفرُ إكليلاً من القرنفلِ الأحمرِ
في تشرّدي
لرأسهِ المقطوعْ.
ليس عسيراً على القاريء الفطِن أن يحزر أن آشور بانيبال الواقف أو الجالس في قاعة المرايا محتقناً ومنتفخاً بالنرجسية وتأليه الذات ( المرايا ) وغارقاً بنور الأُبهة وزهوة النصر وسادية القدرة على القهر والتسلط… ليس من العسير على هذا القاريء أن يستنتج أنه إنما يرى في آشور بانيبال خليفةَ المسلمين يزيد بن معاوية الذي إنتصر على خصمه الحسين. يزيد هذا هو ناسخ آشور بانيبال والحالُّ فيه روحاً لا جسداً. الحلول الصوفي والتناسخ البوذي.
يربط بعض الباحثين بين ما جاء في ملحمة جلجامش السومرية من بكاء عشتروت
( عشتار ) ومواكب الندب والحزن السنوية على دوموزي ( تمّوز ) بطقوس مواكب الحزن ولطم الصدور وضرب الظهور بسلاسل الحديد المدببة التي يمارسها الشيعة في العراق وإيران وجنوب لبنان في اليوم العاشر من محرم من كل عام ( يوم عاشوراء ). يقولون إنَّ هذه طقوساً عراقيةً أصيلةً تضرب بجذورها في تربة العراق وفي تأريخه منذ أقدم العصور. نقرأ في ملحمة جلجامش المارّة الذكر وعلى الصفحة 113 محادثة جلجامش لعشتار بعد أن رفض العرض الذي تقدّمت به للزواج منه:
(( تعالي أقص عليكِ مآسي عشّاقكِ :
من أجل تموز حبيب صباكِ
قضيتِ بالبكاء والنواح عليه سنةً بعد سنةٍ ))
وفي باب الهوامش على الصفحة 175 نقرأ تعليقاً وشرحاً ضافياً على هذه الفقرة بالذات يقول :
((يُشيرُ هذا إلى العادة التي عمّت في تلك الأزمان من الندب والبكاء على تموز، إله الخصب والربيع، حيث إعتقدوا أنه كان ينزل إلى العالم الأسفل ويظلُ رهينةً في ذلك العالم طوالَ نصف عام ثم يقوم إلى الحياة في النصف الثاني مقابلَ بقاء أُخته المسمّاة كشتن – آنا رهينةً في العالم الأسفل بدلاً عنه )).
ولعُ عبد الوهاب البياتي بالعالم السفلي ولعٌ يثير الدهشة والإنتباه الشديد.لم يكتفِ بما جاء في ملحمة جلجامش العراقية السومرية حول هذا العالم السفلي ومملكة الأموات بل ساقه هذا التوله حتى إلى اللجوء إلى أسطورة أورفيوس الإغريقية فنظم قصيدةً أسماها ( هبوط أورفيوس إلى العالم السفلي ). ليس هناك من مماثلة أو تشابه أو توازٍ بين قصة عشتروت ودوموزي السومرية وقصة أورفيوس Orpheus وزوجه يوريديكه Eurydike التي ماتت بلسعة أفعى بُعيد قراءة أشعار وأناشيد طقوس حفل الزواج مباشرةً. في غمرة آلامه وأحزانه صعد أورفيوس إلى مملكة الظل التي يحكمها هاديس و بيرسيفون. طرق الأبواب مغنياً على قيثاره أغاني الحزن والشجو والألم التي أنست ” تانتالوس ” أحزانه الخاصة. كذلك إنتقلت عدوى الحزن والنواح إلى حُكّام العالم الأسفل حيث لا يرجع ميّتٌ من مملكة الموت إلى الحياة ثانيةً قطُّ. إستطاعَ أخيراً أورفيوس ومن خلال أغانيه المؤثرّة أنْ يحقق الأمنية التي يريد : إرسال زوجه إليه حيةً ولكن شرط أنْ يقمع أو يُخفي آلامه وشكاويه وأن لا يُدير بصره إلى الخلف كيما ينظر إليها وهي تتبعه حتى تبلغ العالم الخارجي. إنفعال أورفيوس بحسن الحظ الكبير جعله يستهين بالإتفاق ويطرحه ظِهريّا وأن يرجع ببصره إلى الخلف ليتأكد هل حقّاً أنَّ زوجه المتوفاة قد نهضت حيّةً من الموت وإنها حقاً تتبعه ماشيةً خلفه حسب الإتفاق المعقود ؟ خالفَ الإتفاقَ فتوجب عندئذٍ على الزوجة يوريديكا المتوفاة أن ترجع إلى عالم هاديس وأن أورفيوس يواجه كرّةً أُخرى سوء الحظ المكتوب عليه بأن يظلَّ يجوب غابات وطنه حتى يتلف ويموت ملتحقاً بحبيبته ليتجولا معاً في مملكة الظل. غير أنَّ رأسه وقيثاره يبلغان جزيرة ” ليزبوس Lesbos ” إذ ومذّاك تكوّن منهما في الوطن الكثير من الشعراء والمغنين.
هذه خلاصة قصة أورفيوس التي كتب عنها البياتي قصيدة ” هبوط أورفيوس إلى العالم السفلي ” . لا تمتُّ القصيدة للقصة الإغريقية الأصل ولا حتّى بأوهى صلة. ذكر البياتي آشور مرتين في قصيدته والثور الخرافي، الثور الآشوري المُجنّح، الذي فوق دُخان المدن الكبرى يطير ثم ذكر عشتار التي لا علاقة لها أصلاً بآشور ولا بالثور الخرافي.