لا أنسى هذا الاسم أبدا. لم يمح من ذاكرتي كأنه اسم علم من الأعلام، رغم أنني لم أزامله إلا ثلاثة أعوام من حياتي، في المدرسة الثانوية.أمضى فترة الدراسة الابتدائية في السودان حيث كان يعمل والده. ولما عاد الرجل إلى مصر أقام في العباسية وألحق ابنه بمدرستنا.
كان رشيقا طويلا وسيم الوجه لطيفا مهذبا رزينا لدرجة لا تناسب سنه ولعله كان الوحيد في السنة الأولى الذي يلبس بنطلونا طويلا. وربما كان انبغ تلميذ صادفته في حياتي. كان لكل تلميذ مجال في تفوقه إن وجد، فتلميذ يتفوق في اللغات وآخر يتفوق في الرياضيات وهكذا أما ناجي مرقص فكان متفوقا ممتازا في جميع المواد. في العربية والانجليزية والفرنسية والحساب والجبر والهندسة والطبيعة والكيمياء والتاريخ والجغرافيا. وكان الأول دون نزاع وكان المدرسون على اختلاف جنسياتهم من مصريين وانجليز وفرنسيين يحترمونه ويعاملونه كأنه رجل لا تلميذ. سألته يوما: – كيف تفوقت في جميع المواد؟ فأجاب بأدبه الجم: – انتبه في الفصل واذكر من أول يوم في السنة الدراسية.
ـ وسأله جعفر خليل: ـ ألا تذهب إلى السينما كل خميس؟
ـ في الأعياد والمواسم فقط.
فسأله رضا حمادة: ـ أليس لق هواية؟
فأجاب: ـ اعزف على البيانو في أوقات الفراغ.
ونجح في امتحان الكفاءة بتفوق فجاء ترتيبه بين العشرة الأوائل في القطر كله، وعندما عدنا إلى المدرسة في بدء العام الدراسي الجديد لم نعثر لناجي مرقص على أثر لا في القسم الأدبي ولا في غيره. وتساءلنا عن سر اختفائه دون أن نظفر بجواب. وكان يسكن بعيدا عن حينا في أطراف العباسية المشرفة على منشية البكري فذهبنا إلى مسكنه نستطلع فعلمنا هناك بأنه أصيب في صدره وأنه أرسل إلى جدته بصعيد مصر ليعالج وان علاجه سيستغرق عاما كاملا في اقل تقدير. أحزننا الخبر كما أحزن جميع أقرانه و مدرسيه، وأرسلنا إليه رسالة جماعية حملناها تحياتنا و تمنياتنا له بالشفاء العاجل. وشفي ناجي من مرضه ولكنه عجز عن مواصلة التعليم، كذلك قضت الظروف على انبغ تلميذ في جيلنا. وكثيرا ما كنت أتذكره وأتحسر على نهايته، وكلما صادفني شيء من التوفيق في حياتي الدراسية أو العلمية تذكرته فداخلني الأسى وتخيلت الأمجاد التي وئدت بضربة عمياء من ضربات العبث. ومضت أعوام فأعوام دون أن تقع عليه عيناي أو اسمع عنه ذكرا حتى إلتقيته مصادفة في مقهى حديقة الأزبكية. مررت به أول الأمر دون أن افطن إلى هويته إذ جذبت عيني لحيته البيضاء فحسبته فنانا، ثم سمعت صوته يناديني فالتفت إلى وجهه وعرفته في الحال. وتصافحنا بحرارة ثم جلسنا حول مائدة مواجهين. لم يكد يتغير وجهه لولا لحيته وشيبة رأسه، وانبعثت من جملة منظره شفافية كالعبير الحلو أو الطمأنينة الشاملة وتذاكرنا الماضي والزملاء، من رحلوا ومن نبغوا في الحياة، ثم جاء دوره فقال: ـ مازلت موظفا بوزارة الدفاع ووصلت إلى الدرجة الثالثة، متزوج وأب لفتاة في العشرين طالبة بكلية العلوم….
وسكت قليلا ثم استطرد: ـ اتجهت من قديم إلى دراسة الروحانيات، عن طريق الكتب والمراسلة..
فقلت له: ـ قرأت بعض الكتب عنها.
فابتسم قائلا: ـ إني ادرسها
! ـ حقا؟
فقال بوجد وحماس: ـ عالم الروح عالم عجيب،أعجب، من عالم المادة.
فتابعته باهتمام واحترام فاستطرد: ـ وهو أمل الإنسان في الخلاص الحقيقي.
فقلت مجاملا وصادقا في آن: ـ الإنسان في حاجة إلى الخلاص.
فقال بحرارة متشجعا بإقبالي: ـ حضارتنا مادية، وهي تحقق بالعلم ـ كل يوم ـ انتصارات مذهلة وتمهد لسيطرة الإنسان على دنياه ولكن ما جدوى أن تملك الدنيا و تفقد نفسك؟
! فقلت بحذر: ـ على الإنسان أن يملك الاثنين
فابتسم بعذوبة وقال: ـ لعلك لا تؤمن بقولي، أو لعلك لا تؤمن به كل الإيمان، ولكن ثق من أن عالم الروح حافل بالمجاهل كعالم المادة، وان التنقيب فيه يعد الإنسان بانتصارات مذهلة لا تقل عن انتصاراته في غزو الفضاء.
وأعطاني بطاقته التي لم يطبع عليها إلا الاسم والوظيفة والعنوان بشارع دير الملاك. ومع أنني تلقيت كلماته بحب لا باقتناع فقد خطر في جحيم حياتي كعبير زهر اللارنج . وفي مساء اليوم نفسه قابلت الأستاذ سالم جبر في مكتبه بالجريدة، وحدثته عن ناجي مرقص، وبإغراء وتحد معا، عرضت عليه أن نزوره معا، ولكنه استخف الفكرة، وذكرني بأنه لم يعد يوجد فاصل بين عالمي المادة والروح، وان التوغل في حقيقة المادة هو توغل في حقيقة الروح، ولم أر ناجي مرقص بعد ذلك ولكنه يهفو على قلبي أحيانا، كذكريات الصبا فأدرك انه يعيش في ركن من نفسي ..
نجيب محفوظ: المرايا، مكتبة مصر،(د.ت)، ص303.299 ـ بتصرف
تحليل القصة
تحددت هوية فن القصة باعتبارها شكلا من أشكال التعبير الفني، في سياق التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي مر منها الغرب، كما تحددت هويتها في العالم العربي، انطلاقا من أسئلة عصر النهضة، وما أفرزته هذه الأسئلة من تفاعلات بين الشرق والغرب كان من نتائجها أن أخذ جيل الرواد يبحث عن أشكال تعبيرية جديدة مثل القصة والرواية والمسرحية التي كان يراد منها أن تستجيب لظروف المجتمع العربي وتستوعب قضاياه ومشكلاته الحضارية والإنسانية. فقد ارتبط ظهور القصة في العالم العربي بالواقع الذي صدرت عنه وتفاعلت معه منذ بداياتها الجنينية الأولى في فصول عبد الله النديم التهذيبية في “التنكيت والتبكيت” وغيرها. وحددت هذه الكتابات في نظر بعض النقاد أمثال صبري حافظ ، الأرض التي تحركت فوقها كل المحاولات القصصية الأولى حتى مرحلة التبلور والنضج في عشرينيات القرن الماضي. وفي هذا الإطار يجمع الدارسون والنقد على إن جيل رواد القصة القصيرة أمثال محمود تيمور، ويحيى حقي وغيرهما قد تأثر بالقصة الفرنسية والروسية وبرائديها غي دوماو باسان وتشيخوف. وشكل هذا التأثير انفتاحا على العالم الخارجي للتعرف على تيارات الفكر العالمي واكتشاف الأشكال الجديدة والتطور المستمر. فما المقصود بالقصة؟ وما خصائصها؟
القصة نوع من أنواع السرد الذي يرتكز على مجموعة من المكونات والخصائص والعناصر البنائية التي تتضافر مجتمعة في تجسيد هويتها المتمثلة في اقتناص الحقيقة والتعبير عنها. وفيما تشترطه لحظة الاقتناص هذه من وحدة الانطباع والإيجاز والمهارة والدربة والبحث عن الكلمة المعبرة. بهذه المكونات تعد القصة من الأشكال الفنية القوية التأثير، وذلك بما تمتلكه من ارث قصصي في الذاكرة الإنسانية، وبما تتمتع به من احتفاء فطري لدى الإنسان. وكلما تبنين الفن القصصي ودخل عالم التشكيل فانه يغوص في الفني والجمالي والثقافي لينتقل إلى مرحلة تمثيل جديدة لرؤيا الإنسان، رؤية تتفتح على اللعب الأسلوبي والحيل السردية والمفاجآت الحكائية والتخفي والظهور والمطاردة والابتكار، وكل ذلك يعمق روح المتعة في المتابعة وحل العقد ووهم النهاية، الأمر الذي يمنح الشكل السردي مساحات أوفر ويضاعف من إمكانيات تنوعه وثرائه على نحو يضاعف من اشكالية الجمال في النصوف القصصية: إن روح القص يمكن أن توجد في أي شكل من أشكال الحكي، غير أن هذه الروح لا تكتسب قوة التمثيلي السردي الأدبي إلا في تحويل روح القص إلى تشكيل أو تبيين، وما ينطويان عليه من خصائص وقواعد وعناصر ومكونات وأساليب على نحو ما نجد في كتابات نجيب محفوظ الذي ولد سنة 1311 في القاهرة، حصل على الإجازة في الآداب بقسم الفلسفة من جامعة القاهرة، وتدرج في الوظائف الحكومية إلى أن عمل مديرا عاما للرقابة على المصنفات الفنية، وقد بدا بكتابة الرواية التاريخية،ثم الرواية الاجتماعية. ترجمت أعماله إلى معظم اللغات العالمية، وحصل على جائزة الدولة التشجيعية في الرواية عام 1959. وكان أول روائي عربي يحصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1988، وتوفي عام 2006 من أشهر أعماله القصصية مجموعاته الآتية : همس الجنون(1944) ودنيا الله(1963) وبيت سيء السمعة(1965) وخمارة القط الأسود(1969) وتحت المظلة(1969) وحكاية بلا بداية ولا نهاية(1971) والشيطان يعظ(1979). تطورت القصة القصيرة عند نجيب محفوظ من خلال مسار ثلاثي المراحل:
ـ المرحلة التجريبية الأولى وتمتد بين سنتي (1942ـ1932)
ـ مرحلة النضج وتمتد بين سنتي (1965ـ1973)
ـ مرحلة تطور ثالثة بدأت مع سنة (1973الى حين وفاته). ويعد مؤلفه “مرايا” واحد من هذه الألفات المتعددة، والذي ندرس احد نصوصه المعنوية “ناجي مرقص” فما السبيل إلى ذلك؟
لقد قدمت المنهجيات الحديثة الكثير من المعطيات والآليات والرؤى التي بوسعها دفع قراءة النصوص إلى التوغل في عوالم الظواهر الأدبية والعمل على استجلاء بوطنها وفحص مكوناتها على النحو الذي يساعد القراءة في إدراك جوهر النص، وفهم خصائصه التعبيرية والأسلوبية للظاهرة. وفي هذا الإطار يعد الالتفات إلى الموجهات الخارج ـ نصية ودورها الهام في دعم الفعاليات الداخل ـ و تطوير مستويات اشتغالها وقدرتها على الإسهام في كشف ثراء النصوص، من ابرز نتائج المنهجيات الحديثة. ويأتي العنوان في مقدمة هذه الموجهات التي يمكن ان تستقطب فضول القراءة من اجل العمل على حل مشكلات النص.
يندرج عنوان قصة ناجي مرقص لنجيب محفوظ ضمن عنوان اكبر هو عنوان المجموعة برمتها”مرايا”. ويكشف العنوانان عن إمكانات هائلة في فهم النص وتأويله، اذ يمكن اعتبارها مفتاحا تاويليا كاشفا لا يمكن الاستغناء عنه، فهما داخل منطقة نوعية هي منطقة السرد القصصي فما الكنز الاشاري والعلامي الذي تضمه هذه العناصر: مرايا ـ ناجي مرقص ؟ وكيف يشرفان تاويليا على دروب المتن القصصي ؟
حسب مقتضيات الوضع النحوي للعنوانين، وما يتضمنه هذا الوضع من انعكاسات وظيفية وجمالية على عموم البنية النصية في القصة، نجد ان: ـ مرايا خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه مرايا.
ـ ناجي مرقص: خبر لمبتدأ محذوف مرفوع بالضمة المقدرة على الياء لانه اسم منقوص.
بذلك يأتي العنوانان ـ الموضوعة ـ على شكل أسماء مكثفة.ويتحركان بإشرافهما على القصة ليستلهم مكامن المتن النصي وتجلياته أللانعكاسية (المرآة) والباطنية. العنوان الاول منتج اذن لدلالته الانعكاس والتطابق، في حين تتجلى دلالة العنوان التاني في الوصف السردي لشخصية رجل اسمه “ناجي مرقص”. ويمكن هنا إدماج العنوانين في عنوان واحد هو “مرآة ناجي مرقص” او “ناجي مرقص كما تعكسه المرآة ” وبذلك يصبح العنوان شكلا من أشكال الارتباط الاسمي لوضع سردي يتلاءم مع دلالة العنوان وسيميائيته. وبهذا التركيب المفترض يشتغل عنوان “ناجي مرقص” على واحدة من مرايا المجموعة القصصية، وينفرد بها باعتباره شخصية محورية في النص القصصي نفسه. ان عنوان القصة يستند في تشكيله الدلالي على ما سيعكسه فضاء القصة من حالات نفسية ومواقف، حيث تنهض الحادثة الحكائية على خط التحول في حياة “ناجي مرقص”. من هنا يأخذ العنوان محتواه الدلالي وقوته التعبيرية من منطقة الداخل ـ نصية في الحادثة القصصية، وبذلك يتلاءم كليا مع الصيغة اللغوية الرامية الى تحقيق الكفاية العنوانية.
يمكن دعم ملاحظة العنوان بموجهات ومشيرات من النص القصصي نفسه: “لا أنسى هذا الاسم ابدا، لم يمح من ذاكرتي…”(بداية النص).”ولم ار ناجي مرقص بعد ذلك، ولكنه يهفو على قلبي احيانا كذكريات الصبا، فادرك انه يعيش في ركن من نفسي ” (نهاية النص) في هذه المشيرات تتقوى التسمية العنوانية باستدعاء شخصية “ناجي مرقص” وتداعياتها من الذاكرة وربطها بمشاهد يستقبلها السارد عن طريق التذكر ـ الذاكرة، فالاسم مستل من شريط الحياة الواقعية، ودخول مفردة “لم يمح من ذاكرتي ” يربطه بسياق الراوي السارد، وتكرار اسم “ناجي مرقص” في السياق النصي يؤكدحضوره في المشهد الحكائي لكن هذا الحضور النصي للاسم يرتبط عند الراوي ب “فلاش باك” يعود فيه الى الذاكرة اثر تحفيز خاص من واقع الحادثة القصصية. بناء على هذه الملاحضات يمكن ان نطرح التساؤلات الاتية؛ هل يشتغل عنوان القصة على امتصاص وحدات الحادثة القصصية لفضا ودلالة ليرسم تشكيل العنران على نحو يعبر تعبيرا مركزيا عن خصائص الحادثة ومحتواها؟ هل تدخل بؤرة التسمية في صميم منطقة التوتر السردي في الحادثة القصصية؟
في هذه القصة يسترجع السارد ذكرياته مع احد الاصدقاء المتميزين في مسارهم الدراسي متوقفا عند التحول الذي طرا على هذه الشخصية، فكان منعطفا في تاريخها وحياتها الفكرية والاجتماعية.
انطلق الراوي ـ السارد في بداية القصة من تذكر صديقه “ناجي مرقص” الذي لا تمحى ذكراه، فقد كان “ناجي مرقص” مثالا للتميز والتفوق والنبوغ في الدراسة وفي كل المواد ، وقد جعله هذا النبوغ يحظى باحترام و التقدير من طرف الاساتذة والزملاء الذين تنباوا له بمستقبل زاهر، لكن بعد نجاح”ناجي مرقص” في امتحان الكفاءة بتفوق يفاجئ اساتذته وزملاءه بغيابه وانقطاعه عن الدراسة. وشكل هذا الانقطاع حدثا بارزا ومثيرا لتساؤلات الأساتذة والأصدقاء، الامر الذي دفعهم الى زيارته في بيته.
وفي البيت فوجئ الجميع بخبر اصابته بمرض صدري وسفره الى الصعيد قصد الاستشفاء. احزن الخبر اصدقاء “ناجي مرقص” وعثوا له برسالة يتمنون له الشفاء العاجل، لكن “ناجي مرقص” وبعد شفائه عجز عن مواصلة تعليمه ، وبهذا العجز قضت الظروف على واحد من المع اصدقاء مرقص وبعد مضى اعوام واعوام التق الراوي ـ السارد بزميله ناجي مرقص في مقهى الازبكية ، واستعاد ذكريات الماضي ، وفي عذا اللقاء عرف الراوي ان صديقه اصبح موظفا بوزارة الدفاع ، وانه متزوج واب لفتاة ، وانه اتجه الى دراسة الروحانيات . امتزجت دهشة السارد وهو يلتقى خبر تحول صديقه الى دراسة الروحانيات .بمشاعر التقدير والاحترام. لم يقتنع السارد بفلسفة”ناجي مرقص” ولكنه تلقى تحوله هذا بحياد ممزوج بالحب . وعند ما حدث السارد صديقه سالم جبر عن “ناجي مرقص” واقترح عليه ان يزوراه ، استقبل سالم جبر الاقتراح باستخفاف معللا ذلك بانه لم يعد ثمنه فاصل بين عالمين المادة والروح،و على الرغم من ان الراوي ـ السارد لم يفكر في زيارة صديقه”ناجي مرقص” الا ان ذكراه بقيت مستقرة في مكان ما من نفسه.
اذا قمنا باستخراج مكونات قصة “ناجي مرقص” نجد انها انطلقت من وضعية بدئية ، وانتهت الى وضعية نهاية، وفي انتقالها من الوضعية الاولى الى الوضعية الاخرة، خضعت لعملية تحول ملحوظة طبعت بميسمها علاقة القوى الفاعلة بعضها ببعض. ولنتعرف المنطق الحكائي الذي نهجه القاص في تشييد عالمه القصصي لابد من تحديد مسار القصة بواسطة الخطاطة الاتية:
1ـ الوضعية البدئية : من “لا انسى هدا الاسم ابدا …(الى)لم نعثر لناجي مرقص على اثر لا في القسم الادبي ولا في غيره”.
2ـ عملية التحول : من “وتساءلنا عن سر اختفائه…ومضت اعوام واعوام …حتى التقيته مصادفة في مقهى حديقة الازبكية …”
3ـ الوضعية النهائية: من” واعطاني بطاقته ….(الى)ولكنه يهفو على قلبي احيانا كذكريات الصبا فادرك انه يعيش في ركن من نفسي”.
يكشف مسار هذه الحكاية عن عنصر حاسم في تحولها، و يتمثل هذا العنصر في المرض الصدري الذي اصاب “ناجي مرقص”. وتمكن وظيفة هذا العنصر في تحول عميق على مستوى المسار الذي عرفته حياة “ناجي مرقص” وانغماسه في عالم الروحانيات والابتعاد كليا عن العالم المادي الذي اصبح من ابرز سمات العصر الذي يؤطر حياة الراوي وصديقه “ناجي مرقص”. ويمكن اعتبار عنصر “المرض” من حيث وظيفته عنصرا حاسما في منطق التحول النصي. لقد كانت كل الاشارات البدئية في النص تمضي في اتجاه رسم ملامح مستقبل مشرق ومفتةح ينتظر “ناجي مرقص” لكن “المرض” غير مجرى حياة الشخصية، وعبر السارد عن هذا التحول “بضربة عمياء من ضربات العبث”
افرز منطق التحول في القصة انماطا من العلاقات بين القوى الفاعلة في القصة. ويمكن رصد هذه الانماط من خلال تلاثة انواع من العلاقات المتباينة:
ـ علاقات التعاطف بين كل من الاساتذة والاصدقاء وبين ناجي مرقص. وفي مرحلة الدراسة، وتتحدد هذه العلاقة من خلال قيم التقدير والاحترام لنبوغ التلميذ، وتعبر زيارة الاصدقاء لناجي مرقص عن درجات هذا التعاطف والاسى لما اصاب زميلهم.
ـ علاقات صراع او اختلاف: وهي علاقة سالم جبر ب “ناجي مرقص” في نهاية القصة.
ـ علاقة حياد: وتمثلها علاقة الساردـ الراوي بصديقه “ناجي مرقص”
تقف العلاقات التفاعلية على اساس قضية فكرية ذات طابع فلسفي تترجمها ثنائية الصراع بين الروح والمادة.
ينبني الفضاء القصصي في تمظهراته الحكائية السردية على افق التخيل من حيث هو فضاء متحرك وغير محدود. وتجسدت حركيته في ذاته وفي استمراريته معا، كما ولد دينامية ايقاع اشبع الفضاء بطاقة متدرجة في تطورها وتوقدها الهادئ، وهي تضاعف من استعداده لاستقبال ما جرى لناجي مرقص ، كما توفر هذه الدينامية للحكي سبلا كافية للتبنين الذي تشترطه حاجة الكتابة القصصية السردية الى التركيز والتكثيف بما يسهم في اثراء الفضاء وتخصيب آلياته، وتذهب بالسرد الى مساحة القول المركز والمفتوح الذي يكتسب شعريته وجماليته من حقيقة ان السرد هو توضيح، وخلف كل سرد هناك عنصر يرتبط بالنموذج الانساني “ناجي مرقص”.
تحيل حكاية”ناجي مرقص” على مسار بدا مشرقا ثم ما لبث ان صار مجهضا.. المسار المجهض بضربة من العبث، مسار تفاعلت فيه عناصر الزمان والمكان. تحرك المسار في بدايته فبدا واعدا ومفتوحا على الحياة، لذلك تحرك بفاعلية في زمن ومكان مدرسين افرز ظاهرة النبوغ العلمي، والمدرسة هي المكان الطبيعي لهذا التفوق العلمي الذي كان مثار اعجاب وتقدير الجميع. ولم تترك الشبكة الدلالية للوضعية البدئية، ومن خلاا الفضاء الزماني والمكاني، أي افتراض او توقع لأزمة ما في حياة “ناجي مرقص” . ذلك ما يشير اليه الاستهلال السردي الذي اثت بقيم النبوغ العلمي المؤهل للنجاح في الحياة، لكن مسار التحول كان يريد شيئا اخر ، مصيرا مغايرا لشخصية “ناجي مرقص”، فاذا كان الاستهلال السردي يركز على الحضور، فان نقطة التحول ستركز على “الغياب” ان الحضور في الفضاءين الزماني والمكاني سيعقبه غياب في الفضاءين. هكذا اجهض مشروع الانسان النابغة ليتحول الى انسان منغمس في عالم الروح.
ان البناء القصصي عند نجيب محفوظ محكم في كل مراحل تكون الفضاء القصصي، وكل عناصره التابثة والمتحولة ترسم كلاسيكية المسار السردي من بداية القصة الى نهايتها. وان مجرد تقسيم الفضاءات القصصية يوضح مدى ارتباطها بالخطاطة السردية عبر مراحل الوضعية البدئية ، ووضعية التحول، ووضعية النهاية، لكن هذه الفضاءات تجتمع في النهاية لتكون فضاء خاصا يجمعها، وتنسق بضم عالمها المكثف، وما يوحدها هو سيرة حياة “ناجي مرقص” التي تشكل عمودا فقريا بنائيا اعتمد الكاتب في تقديمها على مختلف ادوات الحكي فزاوج بين السرد والوصف من جهة، وبين الوصف والحوار .
بني السرد على ضمير متكلم من بداية النص الى نهايتها، ويكشف هذا الضمير عن هوية السارد الذي هو راوي الحكاية . وتكشف هذه العلاقة عن رؤية السارد العارف بتفاصيل الحكاية، وتتضح هذه الوضعية في انطلاق السارد من تذكر صديق الدراسة”ناجي مرقص” وما وقع له. [وفي عملية التذكر(الذاكرة) نهض الوصف في الخطاب السردي، بوظيفة تاطير الحدث من جهة المكان والزمان والتعريف باهم الفاعلين به. ويمكن الاستدلال على ذلك :”كان رشيقا طويلا وسيم الوجه لطيفا مهذبا رزينا لدرجة لا تناسب سنه”. ان السارد في وصفه يعرف كل شيء عن الشخصية المحورية . ويزاوج السارد في حكيه بين زمن كرونولوجي، “لم ازامله الا ثلاثة اعوام من حياتي في المدرسة الثانوية ”
“امضى فترة الدراسة الابتدائية في السودان ” والزمن النفسي وانبعثت من جملة منظره شفافية كالتعبير الحلو او الطمانينة الشاملة ”
“فقال بوجد وحماس: عالم الروح عالم عجيب ،اعجب من عالم المادة”
اما زمن القصة فيترجح على مستوى الترتيب بين التتابع والاسترجاع ومن الامثلة على ذلك:”لم يمح من ذاكرتي كانه اسم علم من الاعلام (الاسترجاع) اما الترتيب فتعكسه بنية الخطاطة السردية وهي تنطلق متدرجة في ايقاعها من بداية النص الى نهايته مرورا بنقطة التحول.
تعد قصة ناجي مرقص نموذجا للنص السردي، وهي بذلك جماع خطابات ينفرد كل منها ببنية واساليب ووظائف مخصوصة، ومن هذه الخطابات الوصف . وفي قصة ناجي مرقص توزع الوصف على المستويات الاتية:
ـ المستوى الجسمي: “كان رشيقا وسيم الوجه لطيفا مهذبا رزينا”
ـ المستوى النفسي: “اجاب بادب جم وسكت قليلا…”
ـ المستوى الاجتماعي : “مازلت موظفا … متزوج واب لفتاة”
واللافت في النص ان الوصف تعايش مع السرد لانه خضع لشروط الاختصار والايجاز والتكثيف، وهذا ما يبدوا واضحا من خلال التوزيع المحكم للمقاطع السردية والمقاطع الحوارية.
تحمل قصة ناجي مرقص نوعين من المقاصد ؛ المقاصد الاجتماعية والمقصد الفكرية والفلسفية :”فذهبنا الى مسكنه نستطلع فعلمنا هناك بانه اصيب في صدره وارسلنا اليه رسالة جماعية حملناها حياتنا وتمنياتنا بالشفاء العاجل”،”فقال بوجد وحماس : عالم الروح عالم عجيب ، اعجب من عالم المادة…” ،”التوغل في حقيقة المادة هو توغل في حقيقة الروح”.
تعكس القصة، اذن بعدا انسانيا يتمثل في زيارة الاصدقاء لناجي مرقص واحترام الراوي لصديقه واعجابه به، كما تقدم تنوذجا للكتابة السردية التي تعتبر ان الهدف منها ليس توفير ادلة اقناع بحدوث وقائع، وسرد حياة شخصية او شخصيات ، وانما هو اثبات حقيقة تشكل صورة مرئية من قوانين لامرئية بمنظورات البصر الطبيعي : الانعكاس والتمييز والمقارنة واعادة تمثيل الادوار. وعليه فان القصة هي اصلح الانواع لتركيز رؤيا في لحظة لا ارادية، كلمات قليلة، صورة زاهدة بالملامح، بضع اشارات وبضع ترتيبات، المغزى الاول ، الهدف المركزي ، شخصية تذهب وتختفي وتعود الى الظهور في ضوء الوجود الحقيقي لتسهم في اعادة السؤال الحكائي ومضاعفة قوته الحكائية وتكثيف مراياه ، ووضع الزمان والمكان في حالة استغراب دائم.