نموذج 1
إذا كانت حركة شعر التفعيلة قد كسرت بنية القصيدة،وأنهت إلى حد ما الصراع مع الشعر العمودي الخليلي،فإن المعركة لم تحسم بعد، إذ انبثقت أسئلة جديدة تتعلق بطبيعة قصيدة الرؤيا ،ووظيفتها ومجمل القيم التي يجب أن تقوم عليها كتابتها الشعرية .ذلك أن خلخلة البنية الشعرية الجديدة وإعادة النظر في النموذج العمودي ، وما نتج عن ذلك من انتصارات شكلية مثلتها حداثة نازك الملائكة .لم تستطع أن توقف جموح التجاوز ،حيت أصبح الطموح هو كسر حواجز النوع الأ دبي ورد الإعتبار إلى ماهية الشعر .فالهدف كان أبعد من إعادة تحديث الشكل الشعري بتطوير الإيقاع العربي وصقله في ضوء المضامين الجديدة ، إذ أصبح المضمون هو الذي يخلق الشكل المناسب .والشاعر هو الذي يمنح الشكل لما لا شكل له. وقد مثل هذه المرحلة العديد من الشعراء من أمثال أدونيس وبدر، شاكر السياب ،وسعيد عقل ،ومحمود درويش ،ومحمد الماغوط ،وسعدي يوسف وغيرهم. ويعتبر يوسف الخال(1917/1978) من مبدعي قصيدة الرؤيا فهو الشاعر والصحفي والناقد السوري الذي أسس مجلة “شعر” فكانت صفحاتها ترسيمة لبناء الحداثة الشعرية ،ومنبرا لنخبة من الشعراء المحدثين الذين كان معظمهم يحضر صالون المجلة المعروف بصالون الخميس ، وكانت المحاورات بينهم تدور حول تحديت الشعر وعدم الاقتصار على الأغراض العادية المستهلكة ، كما كانوا يناقشون كيفية تطويع أساليب إبداعية غيرمألوفة وأشكال جديدة مستحدثة تناسب اللامألوف ، وينادون بخلق تجربة شعرية تكون جديدة المضمون والأسلوب ، بهذه المواصفات تمثل يوسف الخال تيار التحديث في الشعر العربي واعتبر شعر الرؤيا شعر رسالة وأبدعه من خلال مجموعة من الدواوين منها (الحرية والبئر المهجورة الذي أخذ منه هذا النص ، فما رؤيا الشاعر للوجود ؟ وما طبيعة الرموز التي وظفها لتشخيصها ؟
نموذج 2
إذا كان شعراء تكسير البنية قد خرقوا الإيقاع الخليلي ، وعبروا من خلال ذلك عن تجارب شعرية عاشوها أو تفاعلوا معها ، فإن شعراء قصيدة الرؤيا قد تجاوزوا ذلك إلى إعادة تشكيل الواقع عبر الرمز والأسطورة ، والتطلع إلى عالم ممكن يقوم على هامش الواقع المعيش ،فهمْ في قصائدهم لم يعبروا عن مواضيع قائمة ،بل تطلعوا إلى استشراف المستقبل حيث يتفاعل الذاتي مع الإنساني ،ومن الذين مثلوا هذا النوع الإبداعي البياتي وأدونيس ويوسف الخال وأمل دنقل ومحمد بنيس والمجاطي .ويعتبر بدر شاكر السياب (1925/1964) من الشعراء الرواد الذين مثلوا قصيدة الرؤيا ، وقد ساهمت في ذلك تجربته الحياتية التي تسربت إليها منذ طفولته مشاعر الحرمان ، حيث فقد الأم ، كما عانى من الفقر . إضافة إلى ظروف الاعتقال وعذاب المرض المضني ، لكنه عوض ذلك بالاستفادة من الأدب العربي والإنجليزي والروسي و الإهتمام بالكتب السماوية ،وكذا الرموز والأساطير التي دله عليها الغصن الذهني ) لجيمس فريزر،وهكذا نظم قصائد تنبض بالرموز والأساطير. بهذه المعالم تعامل بدر شاكر السياب مع البنية الشعرية تعاملا متطورا فأبدع الرؤيا المتجهة صوب المستقبل . حيث أصبح شعره تجربة إنسانية ترمز إلى الحياة البشرية أي أنه رؤيا جديدة تحدد درجة وعي وتمثل الشاعر وفهمه لقضايا ومشكلات الحياة . وقد مرت حياته الفنية بأربع مراحل، وهي المرحلة الرومانسية ،والمرحلة الواقعية التي إرتبط فيها تموزيا ،ثم في الأخير المرحلة الوجودية التي أصيب فيها بالمرض العضال فأصبحت رؤيا مأساوية، وقد خلف مجموعة من الدواوين . نذكر منها ديوان منزل الأقنان وأساطير . ومن أشهر قصائده نشير إلى (المسيح بعد الصلب ـ جيكوروالمدينة ـ مدينة السندباد ). وقصيدتنا المختارة (سربروس في بابل). فما رؤيا الشاعر للوجود؟ وما الأساطير التي وظفها؟ وإلى أي مرحلة فنية تنتمي هذه القصيدة؟