وهو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله، المروزي، أبو نصر، الزاهد المعروف: بالحافي، نزل بغداد.
وقال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلا منه، ولا أحفظ للسانه منه، ما عرف له غيبة لمسلم، وكان في كل شعرة منه عقل، ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء وما نقص من عقله شيء. قيل سبب توبة بشر ان الامام الكازم كان ماراً من أمام بيت بشر، وكانت أصوات اللهو والطرب تملأ المكان فصادف أن فتحت جارية باب الدار لإلقاء بعض الفضلات، وحين رمت بها في الطريق سألها الإمام? قائلاً: “يا جارية! هل صاحب هذه الدار حر أم عبد”؟! فأجابته الجارية وهي مستغربة سؤاله هذا بشر رجل معروف بين الناس، وقالت: بل هو حر!! فقال الإمام : “صدقت لو كان عبداً لخاف من مولاه”.قال الإمام هذه الكلمة وانصرف. فعادت الجارية إلى الدار وكان بشر جالساً إلى مائدة الخمر، فسألها: ما الذي أبطأك ؟ فنقلت له ما دار بينها وبين الإمام ، وعندما سمع ما نقلته من قول الإمام: “صَدَقْت، لو كان عبداً لخاف من مولاه”. اهتز بشرهزاً عنيفاً أيقظته من غفلته، وأيقظته من سباته، من نومة الغفلة عن الله. ثم سأل بشر الجارية عن الوجهة التي توجه إليها الإمام ، فأخبرته فانطلق يعدو خلفه، حتى أنَّه نسي أن ينتعل حذاءه ، وكان في الطريق يحدث نفسه بأن هذا الرجل هو الإمام موسى بن جعفر رضي الله عنه، وفعلاً ذهب إلى منزل الإمام ، فتاب على يده واعتذر وبكى ثم هوى على يدي الإمام يقبلها وهو يقول: سيدي أريد من هذه الساعة أن أصبح عبداً ولكن عبداً لله ، لا أريد هذه الحرية المذلة التي تأسر الإنسانية فيّ ، وتطلق العنان للشهوة الحيوانية, لا أريد حرية السعي وراء الجاه والمنصب ، لا أريد حرية الخوض في مستنقع الذنوب وأغدوا أسيراً لها…من كلامه وحكمه: من أحب الدنيا فليتهيأ للذل. وكان بشر يأكل الخبز وحده، فقيل له: أما لك أدم؟فقال: بلى ! أذكر العافية فأجعلها أدما. وكان لا يلبس نعلا بل يمشي حافيا، فجاء يوما إلى باب فطرقه فقيل: من ذا؟فقال: بشر الحافي. فقالت له جارية صغيرة: لو اشترى نعلا بدرهم لذهب عنه اسم الحافي. قالوا: وكان سبب تركه النعل أنه جاء مرة إلى حذّاء فطلب منه شراكا لنعله فقال: ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس؟!فطرح النعل من يده وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا. قال ابن خلكان: وكانت وفاته يوم عاشوراء. وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم، فأخرج بعد صلاة الفجر فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة. وكان علي المدائني وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلا صوته في الجنازة: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة. وقد روي أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الذي كان يسكنه. وقد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل الله بك؟فقال: غفر لي ولكل من أحبني إلى يوم القيامة. وذكر الخطيب أنه كان له أخوات ثلاث وهن: مخة، ومضغة، وزبدة.
وكلهن عابدات زاهدات مثله، وأشد ورعا أيضا. ذهبت إحداهن إلى الإمام أحمد بن حنبل فقالت: إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل على ضوء القمر فهل عليَّ عند البيع أن أميز هذا من هذا؟فقال: إن كان بينهما فرق فميزي للمشتري. وقالت له مرة إحداهن: ربما تمرُّ بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات فخلصني من ذلك. فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار. وسألته عن أنين المريض: أفيه شكوى؟ قال: لا ! إنما هو شكوى إلى الله عز وجل. ثم خرجت فقال لابنه عبد الله: يا بني ! اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة؟قال عبد الله: فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر، وإذا هي أخته مخة. وروى الخطيب أيضا عن زبدة قالت: جاء ليلة أخي بشر فدخل برجله في الدار وبقيت الأخرى خارج الدار، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح. فقيل له: فيم تفكرت ليلتك؟فقال: تفكرت في بشر النصراني، وبشر اليهودي، وبشر المجوسي، وفي نفسي، لأن اسمي بشر، فقلت في نفسي: ما الذي سبق لي من الله حتى خصني بالإسلام من بينهم؟ فتفكرت في فضل الله عليَّ وحمدته أن هداني للإسلام، وجعلني ممن خصه به، وألبسني لباس أحبابه. وقد ترجمه ابن عساكر فأطنب وأطيب وأطال من غير ملال، وقد ذكر له أشعارا حسنة، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات:
تعاف القذى في الماء لا تستطيعه °°°° وتكرع من حوض الذنوب فتشرب
وتؤثر من أكل الطــعام ألذه °°°° ولا تذكر المختار من أين يكسب
وترقد يا مسكين فوق نمـارق °°°° وفي حشوها نار عليك تلهب
فحتى متى لا تستفيق جهالة °°°° وأنت ابن سبعين بدينك تلعب
رضي الله عن بشر وارضاه .