ليس العارف هو الذى يَمُدّ يديه ويقول يا رب فيستجاب له .. هذا رجلٌ صالحٌ أو امرأة صالحة، ولكن العارف هو الذى يرضى بفعل الله فيه، ولا يقوم بالدعاء ولا غيره؛ إنه سَاكِتٌ لِفَنَائِهِ فِى وُجُودِهِ سبحانه، أى أنه راضٍ فى كلِّ حال.
فإذا كان سوف يدعو على أحد يقول لنفسه: ولماذا أدعو عليه، أتركه أفضل. وإذا أراد اتخاذ قرار، يقول لنفسه: ولماذا أقرر؟ الحال طيب على ما هو عليه فلا يرفض ولا يطلب فيصبح كشأنِ كِبَارِ الْمُلُوك لا يطلبون ولا يرفضون، وهؤلاء الملوك لا يطلبون ولا يرفضون بسبب التربية، بل إنهم يقومون بتربيتهم على الغرور والاغترار.
لكن العارف وصل إلى هذه الحالة من فنائه فى وُجُودِهِ وَانْطِوَائِهِ فِى شُهُودِهِ فهو يرى الله سبحانه وتعالى فى كل شئ، ولذلك فإنه حيى.
الْعَارِفُ مَنْ لاَ إِشَارَةَ لَهُ؛ لِفَنَائِهِ فِى وُجُودِهِ وَانْطِوَائِهِ فِى شُهُودِهِ فهو يرى الله دائماً فلا يعترض على فعل الله تعالى فى كونه ولا على قدره فى خلقه. ولكن إذا كان فى نفسه من ذلك فإنه ليس من العارفين رغم أنه يدعو ويُسْتَجاب {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وهو سوف يستجيب لك، فلا مانع من ذلك، ولكنك سوف تصبح درجة ثانية. لأنه يوجد درجة أقل، ولكن هناك من هو أعلى من ذلك؛ هناك حُبّ، وهذا الحب شئ عالى وهو ينتج من الرحمة فأعلى شئ فى المعرفة هى الرحمة، فالأساس هو الرحمة. ولذلك قال الله عز وجل {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ولم يقل بسم الله الحبيب؛ فلقد أتى بها من أصلها .. فأصل الحب عطاء، والعطاء لا يأتى إلا من رحمة .. وأصل الحب الْكَرَم، والكرمُ لا يأتى إلا بالرحمة .. وأصلُ الرحمة الرحمة، ولذلك لا تتأتى الرحمة إلا إذا كان عندك رحمة؛ ولذلك كَرَّرَ فقال {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} فانتبه .. إنه لم يقل ” بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ “، إنما قال {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أى أن الرحمة لا تأتى إلا من الرحمة، فالرحمة هى الأساس .. يَتَوَلَّدُ منها الرحمة، ويتولد منها الحب، ويتولد منها الكرم، ويتولد منها الوفاء، ويتولد منها الشهامة.
قالوا إنه عندما قال صلى الله عليه وسلم (إن الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأعمال، فإنما قد شرح {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
ولذلك نقول ردًّا على التساؤل حول ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم فى الدين كُلّه: إنه مكث يشرح لنا معنى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قالوا: القرآن مجموعٌ فى الفاتحة، والفاتحة فى البسملة، والبسملة فى بسم، وبسم فى الباء، والباء فى نقطتها فهى التى كانت عندما قال اللهُ {كُنْ فَيَكُون} حيث كان الكون نقطة فانفجرت فكانت منها البداية، فصارت خَطًا، فالتفَّتْ فصارت دائرة، فتكونت فصارت مُثَلَّثًا فمربعاً، ثُم تَحَيَّزَت فصارت أكوانا.
وهذه النقطة هل هى معدومة أم موجودة؟ إنك لا تعرف. فمن ناحية هى معدومة لأنها لا وجود لها، ومن ناحية موجودة لأنها بها كان ما كان بتكوينِ الله.

أ.د. #علي_جمعة
#الحكم_العطائية