نشرت قصيدة محمود درويش “مأساة النرجس، ملهاة الفضة” ضمن مجموعة أرى ما أريد (1990)، وهي بهذا تنتمي إلى مرحلة متأخرة من شعر درويش بلغت فيها الرؤية والأداء الشعري حداً معقدا يصعب التواصل معه دون تهيؤ نقدي تدعمه الخلفية ثقافية والدربة على القراءة الشعرية. تقع قصيدة “مأساة النرجس، ملهاة الفضة” في حوالي ثمان وعشرين صفحة، وهو حجم كبير، حتى بالنسبة لمجموعة “أرى ما أريد” التي تتضمن قصيدة طويلة أخرى هي “الهدهد” التي تقع في حوالي عشرين صفحة، إلى جانب قصائد قصيرة (وحساب الصفحات هو الحساب الممكن لنصوص لم تكتب في أبيات أو حتى مقاطع واضحة الانفصال عن بعضها البعض). وقد يبرر الطول أن القصيدة ترسم مشاهد متعددة لرحلة اكتشاف هامة يقوم بها الإنسان الفلسطيني لنفسه ولبعض المعاني الأساسية في حياته: الوطن والمنفى والعودة، وما إلى ذلك. فالشكل سردي يقوم على تعدد الأصوات: الشاعر يتحدث عن العائدين بصيغة “هم”، والعائدون يتحدثون عن أنفسهم من خلال الشاعر بصيغة “نحن”، ثم الشاعر يتحدث عن نفسه. ومن خلال هذه التعددية يسمح السرد بتماهي الصوت الفلسطيني أو العربي بأصوات تاريخية وأسطورية عاشت حالات نفي أو هجرة، أو فتوحات (اليونانيون في طروادة، التتر في آسيا الوسطى، الخ). أما محور ذلك كله فهو عودة الجماعة المنفية إلى جملة حقائق تتعلق بالذات والوطن وطبيعة الإبداع الشعري. والعودة هنا تعني التخلي عن كثير من الأساطير انحيازاً لـ “البسيط من الكلام”، كما تعني العودة إيثار الحياة العادية البسيطة التي طالما احتقرتها الرؤية الأسطورية الخرافية: “كانوا يحبون النساء كما يحبون الفواكه والمبادئ والقطط”، وهذا هو منتهى التخلي عما تكرسه الثقافة، فحشر المبادئ بين الفواكه والقطط هو آخر المطاف في نزع هيبة المبادئ وقدسيتها. إنها رحلة علمانية في نهاية المطاف: “ولأنهم لا يعرفون من الحياة سوى الحياة كما تقدمها الحياة/ لم يسألوا عما وراء مصيرهم . . .” لقد آثر هؤلاء العودة: “عادوا إلى المألوف فيهم وهو يمشي/ فوق الرصيف ويمضغ الكسل اللذيذ ووقته من غير غاية.” والذي يبدو هو أن هؤلاء العائدين بعض النخبة المثقفة التي ينتمي إليها درويش.
يقود الشعر هذه الرحلة الاستكشافية عبر لازمة تتكرر ويؤكد من خلالها صوت الشاعر أهمية النشيد، كما في قوله: ” . . ويا نشيد، خذ المعاني كلها/ واصعد بنا جرحاً فجرحاً/ ضمد النسيان”. ولاشك أن درويش من خلال هذا الإلحاح على دور النشيد إنما يرسم تصوره لدور قصيدته نفسها، بل شعره كله، كما يبدو له في هذه المرحلة، تماماً كم يحدث عند إليوت في مقطع الرجال المطلين من النوافذ، حين يطرح التصوير الواقعي كتصوير محتمل في سياق يتضمن الفانتازيا وفي إطار مشروعه الحداثي المعروف. ولعل في عنوان قصيدة درويش نفسها مؤشراً أولياً على الوعي المنعكس في القصيدة بشأن الشكل الشعري وعلاقته بما تطرحه القصيدة. فالعنوان يقوم على تداخل المأساة بالملهاة في العمل الفني كما في الحياة، وهو ما توضحه القصيدة فيما بعد: “قد تدخل المأساة في الملهاة يوماً”. ويتأكد هذا التداخل ضمنيا عبر موقف القصيدة الساخر من الأمور التي يراها الناس جادة، والمعتقدات التي تبدو للشاعر ذات صبغة أسطورية (الفواكه والمبادئ والقطط).
اللافت للاهتمام أن رحلة الاستكشاف المرتسمة في القصيدة تصل رغم مؤشرات اكتمالها إلى نهاية معلقة. فالمطلوب من البطل المهيأ للتضحية الأخيرة أن يتمهل فما زال في العائدين “من منافيهم خريف الاعتراف/ مازال فيهم شارع يفضي إلى المنفى . ./ وأنهار تسير بلا ضفاف.” مازال في الأفق احتمال أن يعود هؤلاء إلى منفاهم. لكن احتمال عودتهم إلى عزلتهم الأولى وتيههم السابق يبدو أهون مما يعيشه الشاعر/ المتحدث الذي يعلن استمرار منفاه، أنه لم يعد كما عاد الآخرون، أو بالأحرى أنه لم يقترب من العودة: “عادوا، ولكن لم أعد . . .” وهذا الوضع المأساوي هو الذي يمنح صورة المنافي مبررها في القصيدة:
أما المنافي، فهي أمكنة وأزمنة تغير أهلها
وهي المساء إذا تدلى من نوافذ لا تطل على أحد
وهي الوصول إلى السواحل فوق مركبة أضاعت خيلها
وهي الطيور إذا تمادت في مديح غنائها، وهي البلد
وقد انتمى للعرش . . واختصر الطبيعة في جسد
ما تقترحه هذه الصور هو أن ثمة منافياً كثيرة، أو أشكالاً كثيرة للنفي. النفي المكاني المعروف ليس سوى واحد منها، أما الأشكال الأخرى فتشمل النفي عن الهوية أو الهدف، أو الضياع الروحي والفكري. المركبة التي تصل السواحل بلا خيول تعلن نفي أهليها عن البحر، فقد تركوا على الساحل، كما تعلن نفيهم عن البر، إذ لا خيل تعيدهم من حيث جاءوا. إنه الضياع البرزخي، وقس على ذلك ما تبقى. لكن ما يهمنا ليس أنواع النفي، وإنما كيفية تصويره. وفي هذا الإطار استوقفتني، كما أتوقع أن تستوقف غيري، صورة النفي وقد اتخذ هيئة المساء المتدلي من النوافذ المصمتة، النوافذ التي لا تفتح على أحد من الناس.
في هذه الصورة الأخيرة يأخذ النفي شكل العزلة أو الانقطاع عن الآخرين: لا أحد تطل عليه النوافذ. لكن لنأخذ الصورة من أولها: ففي “أما” التي تبدأ بها الجملة تحديد قاطع للاختلاف بين منطقتين، منطقة المنافي ومنطقة الوطن والأهل، منطقة العودة، التي تؤكدها المقاطع التي تسبق مقطع المنافي والمقاطع التي تتلوه. إننا نتذكر هوية المنافي، طبيعتها. وهذه الهوية أو الطبيعة تأخذ صورتين: الأولى صورة التغير. فعلى عكس الوطن ترتبط المنافي بعلاقة متغيرة بأهلها، أو با لمنفيين. إنها علاقة دائمة التغير على الرغم من الناس “أهلها”، فليس ثمة ألفة هنا أو وفاء: هي “أمكنة وأزمنة تغير أهلها”. والطريف أن هذا يقلب العلاقة التي يرسمها الناس عادة للأماكن والأزمنة، فالإنسان عادة هو الذي يغير الأماكن بالانتقال (“كم منزل في الأرض . .”). أما الأزمنة فهي التي تمضي عادة (“ونرتبط السوابق مقربات/ وما ينجين من خبب الليالي”). في صورة درويش يبدو المكان والزمان متعددين (أمكنة وأزمنة)، لكنهما أقرب إلى الثبات وهما يمارسان لعبتهما العبثية المأساوية باستبدال الناس بغيرهم.
أم الصورة الثانية لهوية المنافي فهي صورة العزلة والموت المحيط. هنا نتأمل صورة المساء المتدلي والنوافذ التي لا تطل على أحد. في الصورة الأولى يمتزج الزمن بالكائنات، المساء بالشجر، ويتحد الاثنان في صورة الموت. إنها صورة مغايرة للزمن، الزمن الذي كان يغير أهله يعود هنا ليصير متغيراً، ليتدلى كجثة مشنوقة، أو كغصن مثقل يتهيأ للخريف. ومما يزيد من مأساة الصورة أن هذا المساء يبدو كما لو كان يبحث عن أحد يتحدث معه، كما لو كان إنساناً يبحث عن أهله، كأن الأزمنة قد توقفت عن تغيير أهلها وعادت تفتش عنهم. ففي الإطلالة من النوافذ حرقة البحث والسؤال، لكن النوافذ لا تطل على أحد.
ومع ذلك فهذه الصورة غير التي قد تتبادر إلى الذهن أولاً، صورة المساء في عين المنفي، حين يخيم المساء على غرفته، فيطل الإنسان من نوافذه المصمتة، نوافذه التي لا تنفذ على غيره. هنا يصير المساء زمناً للنفي والعزلة، تماماً كبقية الأزمنة التي تغير أهلها، مثلما تصير الغرفة والنوافذ أمكنة تمارس التغيير نفسه، وعلى نحو يذكر بنوافذ الرجال الوحيدين وغرفهم في قصيدة إليوت. فليس لدى إليوت ما يشير إلى أن الرجال يرون أحداً إذ “يتدلون” من نوافذهم، بل إن الواضح هو أنهم هم الذين تقع عليهم الرؤية، رؤية بروفروك، وهو وحيد آخر مثلهم. لكن الفرق يبقى في أن لدى أولئك الرجال نوافذ تسمح بالنفاذ، على عكس نوافذ درويش.
بينما يتوسل ريلكه صور الطبيعة لاجتراح جماليات العزلة، ويتمثل إليوت في المقابل صوراً تطغى عليها المدنية، نجد لدى درويش جماليات تطغى علها الطبيعة مرة أخرى (المساء والشجر المتدلي) مع ما يوحي بالحياة المدنية أو بقاياها (النوافذ). لكن لا شك في أن الطبيعة لدى درويش لا تتمتع بنفس الحضور الذي نجده لدى ريلكه أو حتى إليوت، بل إنها طبيعة هامشية تتردد في النص هنا وهناك دون أن تتمثل في ركام من التفاصيل أو الصور الحسية الملموسة. وهذا راجع لثقافة درويش وللبيئة الجغرافية التي ينتمي إليها هو وقراؤه.