حرص المغاربة على تعلم اللغة العربية والتفقه في أمور دينهم منذ القديم. ففي كتب التاريخ أنهم طلبوا من الفاتحين استقدام علماء يعلمونهم، فاستقدم «إسماعيل بن أبي المهاجر» بعثة علمية مكونة من (عشرة من التابعين أهل علم وفضل(1)، وترك «موسى بن نصير» بالمغرب (سبعة عشر رجلا يعلمون المغاربة القرآن والإسلام)(2)
واستمرت هذه العناية باللغة العربية والقرآن والحديث والعلوم الشرعية عموما عبر العصور والأحقاب، وتأسست الجوامع والمدارس لنشر الثقافة الإسلامية. وعلى رأسها «جامعة القرويين» و«جامعة ابن يوسف» وعدد من المعاهد في كافة ربوع الوطن.
إلا أن روافدها الحقيقية تتجلى في المدارس العلمية العتيقة التي كانت تشيد في البوادي والقرى النائية، بمبادرة من السكان أنفسهم، الذين كانوا يتضامنون من أجل بنائها وأداء أجر شيخها ومؤونة طلبتها، في نظام عجيب وتكافل هائل، ضمن لها الحياة خلال عقود وأعوام.
وكانت المدارس العتيقة تنهض بأدوار دينية تربوية واجتماعية أهمها:
– نشر العلوم الشرعية ابتداء من تحفيظ القرآن الكريم وإتقان قراءته، وتعليم الحديث النبوي الشريف، وأصول الفقه والأحكام، وباقي العلوم المكملة والأساسية من لغة ونحو وصرف وعروض وأدب … وهي بذلك تسهم في تكوين الفقهاء الذين يمارسون في البوادي والجبال، أو يتابعون دراساتهم في الجامعات الإسلامية بالمدن.
– الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر مكارم الأخلاق في المجتمع في إطار التوجيه الإسلامي.
– الدفاع عن المذهب المالكي والحرص على وحدة الأمة من التفرقة والتشرذم.
– الفصل بين السكان في القضايا الاجتماعية المختلفة من معاملات وعادات، بتقديم الفتوى السليمة وتقريب ذات البين بين المتخاصمين، خاصة في الجبال والقرى النائية.
– تربية المريدين وتلقينهم الأذكار ومساعدتهم على معالجة علل نفوسهم. لذلك كان شيوخ المدارس يوازنون بين التلقين الشرعي والتربوي كل يوم، ويقيمون الاحتفالات الدينية في مناسبات الأعياد، وعلى رأسها عيد المولد النبوي الشريف.
– توحيد كلمة البلاد ضد الاستعمار الخارجي، والحث على الجهاد والتحريض عليه خاصة عندما تتعرض الأمة لخطر الاحتلال(3).
وكان ملوك المغرب يعترفون بهذه الأدوار الأساسية للمدارس العتيقة ويشجعونها على الاستمرار في العمل والتكوين، بإرسال الهدايا والهبات إلى شيوخها وطلبتها، وتوفير الحماية لهم عن طريق إصدار ظهائر التوقير والاحترام لهم، والعناية بهم، وإعفائهم من التكاليف المخزنية التي يكلف بها العامة.
وقد عرفت منطقة «حوز مراكش» حركة علمية نشيطة في القرون الأخيرة بفضل العدد الكبير من المدارس العلمية العتيقة، وبفضل شيوخ أجلاء ندبوا أنفسهم لخدمة العلم والثقافة الإسلامية في هذه المنطقة.
وقد أحصى الأستاذ «الحبيب أرسموك» عدد هذه المدارس في المنطقة وعرض تاريخا موجزا لها ولمؤسسيها وخريجها وغير ذلك من المعلومات النفيسة التي تبرز بالفعل الإشعاع العلمي لها في العصر العلوي على الخصوص(4).
ومن أبرز هذه المدارس:
1- المدرسة «النحلية، بقبيلة مزوضة».
أسسها الشيخ «محمد بن محمد الهلالي الأرغي»، وقد تفرعت إلى مدارس صغرى تتجاوز منطقة الحوز. وكان «الأرغي» يجمع بين عمق المعرفة العلمية والممارسة الصوفية السنية. توفي سنة 1277 هـ / 1860م. وخلفه أبناؤه وحفدته.
2- المدرسة «الرسموكية»، بمدشر «بوعنفير»:
يرجع تاريخ إنشائها إلى القرن الحادي عشر الهجري، وكان بها «الشيخ أحمد ابن إبراهيم الرجراجي».
وبعد توقف طويل أعاد تنظيمها وإحياء العلم بها الشيخ «أحمد بن مبارك الرسموكي»(5) في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، فكثر طلبتها وانتشر صيتها من جديد، وكونت أجيالا من حملة القرآن والعلم الشريف. وتعاقب على الإشراف عليها مشايخ أجلاء.
3- المدرسة العلمية العتيقة «بالسعيدات»:
تأسست في منتصف القرن الثالث عشر للهجرة «بجماعة السعيدات» بعدما تفرعت عن المدرسة «النحلية». أسسها الشيخ الفاضل «محمد بن علي بن أحمد السعيدي السباعي» المتوفى سنة 1306 هـ / 1888 م. كان من كبار العلماء، تخرج على يديه جم غفير من الطلبة، وتولى تسيير المدرسة بعد وفاته إخوته وأبناؤه.
4- مدرسة «تالمست»:
أسسها الشيخ «الحسين بن محمد آيت بيهي النفيفي المتوكى» المتوفى سنة 1329 هـ / 1911م، تلميذ الشيخ «أحمد بن مبارك الرسموكي»، وكانت تستقطب الطلبة من «امتوكة» و«حاحا» و«نفيفة» و«دمسيرة» والقبائل المجاورة.
5- مدرسة أولاد عبد المولى:
تقع في مدشر «أولاد عبد المولى» بجماعة «السعيدات» «بأولاد أبي السباع» أسسها «عبد المعطي ابن أحمد السباعي» سنة 1270 هـ / 1853م، تخرج عليه عدد من الطلبة. وبعد وفاته سنة 1333 هـ / 1914م تقلد زمام الأمر بعده ابنه عبد الله. وكان لها إشعاع علمي واسع خارج المنطقة وخارج المغرب بكامله(6).
6- مدرسة «محمد دليل»:
«البكاري السباعي» خريج المدرسة «النحلية».
7- مدرسة سيدي بوعثمان:
«بكدميوة» من تأسيس الشيخ «الحسين الوريكي».
8- مدرسة «أكدال»:
بجبل مزوضة من تأسيس الشيخ «أحمد المطاعي».
9- مدرسة سيدي الزوين:
لعلها أهم المدارس العلمية العتيقة وأكثرها شهرة وأجلها خدمة لكتاب الله في المنطقة، وربما في المغرب كله.
مؤسسها «هو محمد الزوين بن امحمد بن علي الشرادي العمري الزراري الفحلي» دفين زاويته بضاحية مراكش. يرجع نسبه إلى «سيدي بوعبيد الشرقي» دفين «أبي الجعد» من ذرية «عمر بن الخطاب».
ولد سنة 1217 هـ – 1802م، كان أول أمره يحفظ القرآن، ويتسبب بكتابة الحروز للناس بزاوية سيدي أبي الأعواد.
وتختلف الروايات حول تسميته بالزوين:
– فهناك من يقول بأنها تحريف للشوين التي لقبه بها أصدقاؤه الطلبة لأنه كان خشن الصورة والخلقة، أو لأنه كان حريصا على تحصيل العلم والمعرفة في جميع الأوقات زاهدا في الراحة والاستجمام كغيره من الطلبة، فكانوا يحاولون جره للهزل والمداعبة فيرفض، فلقبوه بالشوين.
وقد غير ذلك اللقب شيخه «الشريف الإدريسي محمد الحاج» من قبيلة هوارة فسماه بالزوين.
أخذ القراءات والطريقة الناصرية عن شيخه «سيدي عبد الله السكياطي»، و«محمد التهامي الوديسي» عن «ابن عبد السلام المقري الفاسي»(7).
ومن شيوخه كذلك:
– «محمد التهامي الحمري الأوبيري»، درس عليه بقبيلة «أحمر» القراءات السبع ووجهه إلى الزاوية البوسنية(8).
– محمد الحاج الشريف الإدريسي الذي أخذ عنه بالمدرسة السباعية بهوارة(9). وقد أرسله هذا الأخير إلى بلاده ليفتح بها زاويته بعدما تبين له عمق ثقافته وتكوينه.
وكان رحمه الله متقشفا في لباسه زاهدا صابرا على تعليم القرآن الكريم.
تقع مدرسة «سيدي الزوين» غرب مدينة مراكش في الكلومتر 36 على الطريق الرئيسية إلى «أكدير». أسسها في منتصف القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) بأمر من شيخه «محمد الحاج الشريف الإدريسي بهوارة» ومباركة شيخه «محمد التهامي الأوبيري» من قبيلة أحمر.
وقد فتحها أول الأمر بمكان كان يسمى بزاوية «سيدي علي أو مسعود»، ولعله اختار هذا الموقع بالذات بدل المكان المناسب المشهور زاوية الشرادي لأسباب سياسية في الغالب، إذ سبق أن خرج بها «المهدي بن محمد الشرادي» على السلطان المولى سليمان، وهزم محتله. وجمع له المولى عبد الرحمن المحاربين من عدة قبائل فتمكن منه سنة 1244 هـ / 1826م. وفر المهدي إلى سوس، فدخل السلطان زاوية الشرادي وشتت أهلها ونقل أسرة المهدي إلى مكناس، وأمر باقي السكان بالانتقال إلى بسيط أزغار (بين سيدي قاسم والقنيطرة) حيث هم إلــــــــى الآن(10).
ولما كثر عدد الطلبة وضاقت بهم زاوية سيدي علي المذكورة، أمرهم بالتحول إلى مكان الزاوية الحالي، فبنوا غرف سكناهم بالطين والقصب، وكلما ارتفع عدد الوافدين أضيفت غرف جديدة لإقامتهم. وكان الشيخ سيدي الزوين يطعم الطلبة اعتمادا على ما يقدمه سكان القبائل المجاورة من أعشار وهبات وما يقدمه الوافدون من صدقات، كما كانوا يحرثون له الأراضي التابعة للزاوية ويرعون غنمها مع أغنامهم.
وكانت تصله إعانات وهبات من المخزن مساعدة له على تعليم كتاب الله تعالى حفظا وقراءات. وكان كلما توفر له مال اشترى به أملاكا وحبسها على الزاوية دون أفراد أسرته، حتى أن السلطان مولاي الحسن دعاه إلى إدخال أبنائه ضمن الحبس حتى لا يتركهم يتكففون الناس.
وكان السلطان في زيارته للزاوية وهو في طريقه إلى سوس عزم على أن ينفذ له عشر ساقية «تمزكلفت» فاعتذر له قائلا: (المخزن أحق بها).
وكانت له أملاك ببلاد متعددة، يسلك فيها مسلك صوفية المنطقة من أمثال «سيدي أبي عمرو المراكشي» و«مولاي عبد الله بن حسين» وغيرهما في الاعتناء بالحراثة وحفر العيون، وشق السواقي وحفر الآبار(11). فكثرت خيراته وعم فضلها على طلبة العلم بالزاوية التي كانت في غاية التألق والازدهار يتعلم بها المئات من الراغبين في حفظ كتاب الله وإتقان قراءاته.
أخذ عنه عدد من الطلبة من أشهرهم ابنه سيدي امحمد والشيخ عبد السلام بن عبد الله الصقلي.
كان يرد على مدينة مراكش وله بها دار ينزل بها.
اختلف في تاريخ وفاته إذ قيل بأنه توفي سنة 1324 هـ / 1906م، أما التاريخ المثبت في الرخامة التي فوق قبره فهو 1312 هـ / 1894م(12).
وبعد وفاة سيدي الزوين وسع ابنه محمد المدرسة وسكنى الطلبة والمسجد، وشيدت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في منتصف الستينيات قاعات للدرس وغرفا حديثة لسكنى الطلبة، وخزانة للكتب ومكاتب إدارية ومرافق صحية.
وخلال التسعينيات أضيفت إلى الزاوية عمارات حديثة تشرف المدرسة وتاريخها المجيد وتوفر للطلبة المناخ الملائم للحفظ والتعلم.
أما المنهج المتبع في الدراسة فكالتالي:
– يبدأ الوافدون على الزاوية بحفظ القرآن الكريم على الطريقة التقليدية: كتابة الألواح وتصحيحها وحفظها على يد الفقيه وبعض مساعديه من الطلبة المتقدمين في الدراسة.
– بعد حفظ القرآن كلا أو جزءا يتعلم الطلبة القراءات الواحدة بعد الأخرى.
– ويتعلمون بموازاة مع ذلك علوم التفسير والفقه والحديث والنحو … على الطريقة التقليدية.
وكان الشيخ سيدي الزوين يحرص على ختم صحيح البخاري كل سنة، ويستدعي لذلك الفقهاء والعلماء من مدينة مراكش «كسيدي علي بن الفاضل» و«الحاج علي القرمودي»، و«الشيخ التادلي»، و«الفقيه السباعي» وغيرهم(13).
أما أشهر شيوخ الزاوية وأساتذتها فهم:
– الشيخ المؤسس محمد الزوين وابنه سيدي محمد الزوين وإخوته عبد الله وحامد والعربي، وبوطبيب حفيد الشيخ.
– المعطي المسكيني، وحمادي العيشي، عروب المسفيوي، ومحمد المصلوحي، وبالغالي الرحماني، وسعيد الجرموني.
– العشراوي علال بن إسماعيل القاسمي، التحق بالمدرسة سنة 1956، ودرس بها القراءات العشر.
– القاسمي الحاج عابد بن محمد الكرسيفي السوسي حل بها سنة: 1960.
– بوستة المختار بن الحسين الغجدامي التحق بها تلميذا وتخرج على يد شيخه القاسمي الحاج عابد ثم عين مدرسا بالزاوية سنة: 1969.
– الراجي عبد الكريم بن صالح الشيظمي عين مدرسا سنة 1972.
– الأموي محمد بن أحمد الزيدي عين مدرسا قراءة ورش بالزاوية سنة 1975.
– بلعواد محمد بن العروسي عين سنة 1975.
– العاطفي إبراهيم بن عبد الرحمن التحق بالزاوية تلميذا سنة 1964 ودرس القراءات السبع على الشيخ القاسمي المذكور، وعين أستاذا بالزاوية سنة 1980.
– سمير بن محمد بن محمد الزوين أخذ القراءات السبع على الشيخ محمد المصلوحي ثم أصبح مدرسا بالزاوية(14).
ويلتحق الطلبة بالزاوية من جميع أنحاء المغرب دون اعتبار للسن، وتستمر الدراسة خلال أيام الأسبوع باستثناء الخميس والجمعة والعطل الدينية والوطنية والعطلة الصيفية بين 15 يوليوز و15 شتنبر من كل سنة.
ويختلف عدد الطلبة باختلاف الفصول: يكثر خلال فصل الشتاء ويقل خلال فصل الصيف لانشغالهم بأعمال الفلاحة التي تساعدهم على توفير المال الذي يمكنهم من متابعة الدراسة.
وهناك طلبة ممنوحون من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لمدة أربعة أعوام، وآخرون غير ممنوحين وهم الأغلبية. ويستفيد الجميع من الهبات الملكية، وهبات المحسنين إضافة إلى الإعانات العينية التي يقدمها لهم المشرفون على الزاوية.
وبعد تمكن الطالب من الحفظ وإتقان القراءات تسلم له إجازة تخول له التدريس بدوره أو الالتحاق بالمدارس العتيقة أو الكتاتيب والمساجد بالمدن.
وقد كانت زاوية سيدي الزوين دائما محط عناية ملوك الدولة العلوية ينعمون على شيوخها بظهائر التوقير والاحترام، ويرسلون إليها الهدايا والهبات في المواسم والأعياد.
وما زالت زاوية سيدي الزوين تؤدي هذه الرسالة العلمية النبيلة إلى اليوم
حسن جلاب
_________
المصادر والمراجع:
1- إزالة الغشاوة عن تاريخ الحركة العلمية بإقليم شيشاوة، «الحبيب أرسموك». المطبعة والوراقة الوطنية مراكش 2001.
2- الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، «أحمد بن خالد الناصري». ط، دار الكتاب 1954 – 1956.
3- أضواء على الزاوية البوعمرية بمراكش، «حسن جلاب» ط، مراكش 1996.
4- الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام «عباس إبراهيم المراكشي»، تحقيق عبد الوهاب بنمنصور – المطبعة الملكية 1974 – 1983.
5- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب «ابن عذاري المراكشي»، تحقيق إحسان عباس، ط، بيروت 1968 – 1980.
6- رياض الجنة المدهش المطرب، «عبد الحفيظ الفاسي»، المطبعة الوطنية بالرباط 1931.
7- مدرسة سيدي الزوين: نشأتها ومنهجها في القراءات، «الخياري مولاي المهدي»، بحث مرقون بمراكش 1986.
8- المعسول، «المختار السوسي»، ط، الدار البيضاء 1960- 1961.
(1) – البيان المغرب 1/ 45-46.
(2) – البيان المغرب 1/ 37
(3) – انظر لائحة بأسماء علماء المدارس العتيقة الذين قاوموا الاستعمار الأجنبي ونماذج من قصائدهم في الدعوة إلى الجهاد، في كتاب: إزالة الغشاوة 97-100، ط، مراكش 2001.
(4) – المصدر السابق.
(5) – المعسول، 15/ 274.
(6) – انظر تفاصيل ذلك في إزالة الغشاوة، ص 232.
(7) – الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ج 7/10.
(8) – الإعلام 6/ 251.
(9) – المعسول، 19/ 106.
(10) – الاستقصا 8/ 160 والأعلام 7/ 272-279.
(11) – أضواء على الزاوية البوعمرية بمراكش، ط، مراكش 1996.
(12) – رياض الجنة المدهش المطرب.
(13) – الإعلام 7/ 109.
(14) – مدرسة سيدي الزوين، نشأتها ومنهجها في القراءات، بحث مرقون.
دعوة الحق، العدد 367 ربيع 1- ربيع 2/ماي-يونيو 2002