علموك إن كنت موضعا للتعليم. واصبر حتى أسَمِّعَك ما يقصدون بالوصول والأمر والنهي بعد زمان الوحي، والبسط والقبض، والاستغناء بالربِّ وسائر هذه المعاني الرقيقة الراقية.
في أي شيء كان الصحابة رضي الله عنهم الذين ورثوا الإيمان، وعُلموه قبْلَ القرآن، وأوتُوه بالصحبة والمحبة؟ وفي أي شيء كان الأولياء المشايخ الصوفية أهلُ النور الذين حملوا عصرآ بعد عصر وقرنا بعد قرن أمانةَ الرسل، وسرَّ طبِّ القلوب، وإكسيرَ علاجها، وجُرثومة إحيائها؟.
كان الصحابة رضي الله عنهم في جهاد الذلة على المؤمنين والشدة على الكافرين والإنابة لرب العالمين. وانْحَسر السادة الأماجد النورانيون من بعدهم عن الميدان الجهادي، جلُّهم لا كلُّهم، فكانوا أحلاس بيوتهم، فرغوا من الشأن العام ليتفرغوا لشأن التربية الخاص.
منذ زمان التابعين، وفي عصرنا بصفة خاصة، غلب اسم “عالم” على عقول المسلمين، وحمل الاِسمَ أغزرُ الناس اطلاعا وأكثرُهم جمعا للمعلومات، وأقدرُهم على الإفصاح والخطابة. وانعزل “العارف” الرباني في حيزه، “وأصبح علم الآخرة مطويا”، يبحث عنه الراغبون المريدون بشروط أهمها الانزواء عن العامة.
المطلوب الآن وبعد الآن استجماع ما تفرق بعد زمان الصحابة، واكتساب الشخصية الجهادية الصحابيَّة، واستصحاب ما ترثه أجيالنا من علماء الدين الأولين والآخرين استئناساً به لا عبئا ثقيلا، اجتهادا نستضيء به نحن لنقول كلمتَنا من إزاء القرآن ومن مشارف الصحبة. من أهم ما يُجْلِي عنا سحابَ الفتنة وينفُض عنا غبارَ التقليد القرونيِّ اقتباسُنا لما عند رجال الله أولياء الله من كنوز “الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة ومراقبة الظاهر والباطن، واجتنابُ دقيق الإثم وجليله، والحرصُ على إدراك خفايا شهوات النفوس ومكايد الشيطان، إلى غير ذلك من علوم الباطن”.
بعد عهد الصحابة “هبَّت عاصفة عقلية جامحة بعثها “علم الكلام”، الذي كان الشغلَ الشاغل للمسلمين في القرون الأخيرة. وكانت هذه العاصفة عاتية شديدة، انطفأت بها كوانين القلوب ومجامرها. وإذا كانت لا تزال بقية من جمرات الحب والعاطفة فقد كانت كامنة في الرماد، مغلوبة على أمرها. وقد أصبح المسلمون بعدما كانوا شعلة من الحياة وجذوة من النار رُكاما بشريا أو فحما حجريا بَعُدَ عهده بالنار والحرارة.
من تحت الرماد نقْتبس الجذوة الحُبيَّة، لا مناصَ من أخذ جَوهر ديننا عن الأكابر أهل المعرفة والنور وإن محاولة تخطي عصور الرُّكام قفزاً بلا زاد قلبيٍّ يؤصل نسبتنا للنبوة والصحبة لَمغامرة في فضاء الإسلام الفكري الثقافي إلى غير وِجهةٍ. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: “اصحبوا شيخا عالما بحكم الله عز وجل وعلمه يدلكم عليه. من لا يرى المفلح لا يُفلح! من لا يصحب العلماء العمال فهو من نَبْضِ التراب لا أب له ولا أم. اصحبوا من له صحبة مع الحق عز وجل.
من لا أب له ولا أم في الربانية والحب في الله صحبته نَكَدٌ.- مقتبس من كتاب الأحسان، خصلة الصحبة و الجماعة.
بمجرد ما يقف الطالب لوجه الله أمام الولي المربي ، تنتابه دهشة و حيرة ، أيوجد في زماني هذا و لي مرب ؟.
لا يصدق ما يراه من بشرية ، وتخذعه احيانا عيناه ، و لايسمع ما يقوله الرجل الصالح في مسألة الأتباع.
و لأتباع شرط الأنقياد .
متى يولد القلب ؟ يقول مولانا عبد السلام ياسين في كتاب الأحسان :-
موتى هم أكثر من في الأرض، على رَشْحَةٍ من حياة هو المسلم الغارق في لُجَّةِ الدنيا، على رجاء في الحياة الآخرة هو المؤمن الذي تاب وعمل صالحا. الأحياء عند ربهم هم الشهداء قتلوا في سبيل الله. وللأولياء حياة مثلها معجَّلةٌ قبل مفارقة الروح الجسد. لهم ميلاد قلبيٌّ ووجود جديد. على هذا شُدَّ يَدَكَ. واعلم أن الشيخ الكامل أبٌ لروحك إن عثرت عليه وأحبَبْته وصحبته وكان لك عنده من الله وديعةٌ سبقت إليك بها الحسنى من المنعم المتفضل الوهاب سبحانه. كل ما سمعته من أن الشيخ كإمام الصلاة أو بمثابة طبيب مرشد يمكن أن يطابق حال طالب الاستقامة، يتمسح بشيخ على مَسْحَةٍ من صلاح، يتمسح قبرٌ بقبرٍ، يسيرُ ميِّتٌ في جنازة ميت.
على هذا شُدَّ يَدَكَ، ودعهم يرمونك عن قوس واحدة ويَسْلِقُونَكَ بألسنة حدادٍ : ما هذا الهراء ! اقرأ لنفسك قول الله تعالى:- أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا-،سورة الأنعام، الآية: 122.واقرأ عليهم قوله عز من قائل: -إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ .-سورة النمل، الآية: 80 ،قُلِ اللّهُ، ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ -،سورة الأنعام، الآية: 91.
ويا حسرتا على من يستخفّ بكلام الرجال، يفنون عمرهم في تحقيق الطريق ليُدْلوا لك بشهادتهم ويقدموا لك النصح الخالص على طبق! يا حسرتا على من لم يسمع! ويا حسرتا على من لم يذق! ويا حسرتا على من لم يشمَّ حتى الرائحة لأنه استغشى ثيابه لمّا جاءته كلمة النصح، وجدها مرة. أزُفُّ لغير هذا الميت، فما لجُرْحٍ بميِّت إيلامٌ، كلمةَ أسَفٍ من ابن القيم ناصحك ووامقك. قال: “فوا أسفاه! وا حسرتاه! كيف ينقضي الزمان، وينفد العمر والقلب محجوب، ما شمَّ لهذا رائحة. وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيشة البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس. فكانت حياته عجزاً، وموته كمداً، ومعاده حسرةً. وا أسفا! اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التُكْلان، ولا حول ولا قوة إلاّ بك”.
ذبح القوم نفوسَهم، ووطئوا بالأقدام شهواتهم وأنانيَّتَهم، وصلّوْا على الدنيا صلاة الجنازة، وجاءوا حبواً على الركب ليلْقَوا رجلا يعطف، ويؤوي، ويتعهد الزرع، ويسقي الريحان القلبي إذا تفتح، ويمشط العروس ويطيب ويبخر، ويستقبل المولود ويرضع ويفطم ويغذو.
هل بوسعك أن تذبح نفسك وهواك وأنانيتك هذه الذبحة لتجد رَوْحَ الشهادة في سبيل الله إن فاتتك الشهادة في صف القتال؟ “تميتها فلا يبقى لها عندك من القدر شيءٌ، فلا تغضَب لها، ولا ترضى عنها، ولا تنتصر لها، ولا تنتقم لها. قد سَبَّلْتَ عِرْضَها ليوم فاقتها وفقرها، فهي أهون عليك من أن تنتصر لها”. وإنما تنتصر لله، وتغضب لله ثم يقول صاحب هذا الكلام، ابن القيم رحمه الله: “وهذا وإن كان ذبحا لها وإماتة عن طباعها وأخلاقها، فهو عين حياتها وصحتها، ولا حياة لها بدون هذا البتَّةَ. وهذه العقبة هي آخر عقبة يُشرف منها على منازل المقرَّبين، وينحدر منها إلى وادي البقاء ويشرب من عين الحياة، ويخلِّصُ رُوحه من سجون المحن والبلاء، وأسر الشهوات، وتتعلق بمعبودها وربِّها ومولاها الحقِّ. فيا قرة عينها به ! ويا نَعيمَها وسرورها بقربه ! ويا بهجتَها بالخلاص من عدوها!(…) وهذا الزهد (في النفس) هو أول مهر الحب، فيا مُفلسُ تَاجِرْ!”.
هذا هو المَهْرُ، تتقدم به إلى والدك الرّوحي ليتاجِرَ لك في قضيتك، ويخطب لك، ويَجْلُوَ لك العروس، ويشرِف على الميلاد السعيد.
لا تظنَّ أخي أنّ القوم يُنَمِّقون العبارات، ويتجاوزون حدود الاستعارة والمجاز ليحلِّقوافي سماء الخيال معبِّرين عن مواجيد غامضةٍ. أولئك أصحاب الشّطحْ حين تجمح بهم الحقائق. أما مسألة الميلاد القلبي والوجود الجديد والفناءِ بعدَه البقاءُ ورضاع الوليد وفطامه وتربيته فهي مراحل للنشأة الآخرة التي ينشئها الله عباده بعد مفارقة الروح الجسد، يعجلها سبحانه لأوليائه تعجيل تشريف وتكريم ليكونوا على بصيرة يستبشر بعضهم بما آتاهم الله من فضله في خاصة نفسه، ويتصدّى فحول الكُمَّل للإشراف على تربية جنين من جاء بالمَهر وأخلص لوجه الله الطلب والإرادة والهمة.
قال: الإمام أبو النجيب السهروردي في كتاب “عوارف المعارف”، وهو من أئمة القوم رضي الله عنهم، غير السهروردي المقتول الفيلسوف الزنديق. قال: “وبما هيأ الله تعالى من حسن التأليف بين الصاحب والمصحوب، يصير المريد جُزْءَ الشيخ كما أن الولد جُزْءَ الوالد في الولادة الطبيعية. وتصير هذه الولادة آنفا ولادة معنوية”.
بهذا الميلاد المعنوي يُدخِل المريدَ عالم الملكوت مع رفاقه وَلِدَاتِه وإخوتِه في الشيخ، إخوته في الله. قال: “والمشايخ منهم من يكثر أولاده ويأخذون عنه العلوم والأحوال ويُودِعُونَها غَيْرَهم كما وصلت إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الصحبة. ومنهم من تقل أولاده. ومنهم من ينقطع نسله”.
قال قدس الله سره: “الولادة الظاهرة يَطرُق إليها الفناء، والولادة المعنوية مَحْميَّة من الفناء(…). فتبين أن الشيخ هو الأب معنى”. وكان الشيخ أبو النجيب يقول: “ولدي من سلك طريقي واهتدى بهديي”.
ويفصل الإمام بعد هذا مراتب الشيوخ: أولها: “السالك المجرَّدُ الذي لا يؤهل للمشيخة ولا يبلغها لبقاء صفات نفسه عليه. فيقف عند حظه من رحمة الله تعالى في مقام المعاملة”. هذا رجل صالح لم يذبح نفسه ولم تُجْلَ عروسه، ولم يولد جنينُه. المرتبة الثانية مرتبة المجذوب الذي تَخْطَفُه يد القدرة عن وجوده. وقد يسيح في الأرض ويقول الناس: مجنون! هذا، “يُبادئه الحق بآيات اليقين، ويرفع عن قلبه شيئا من الحجاب، ولا يؤاخذ في طريق المعاملة”. هذا مُوَلَّه في ربِّه لا حاجة له بشيخ، وهو من”صبيان الحضرة”، من الأطفال الأبديين. المرتبة الثالثة مرتبة “السالك الذي تُدُورِكَ بالجَذْبة”. ثم المرتبة الرابعة مرتبة “المجذوب المتدارك بالسلوك”، “يرتوي من بحر الحال ويتخلَّص من الأغلال والأعلال”.
وأعلى المراتب مرتبة المراد المحبوب المقرَّب “الذي أهل للمشيخة، سلم قلبُه، وانشرح صدره، ولان جلدُه فصار قلبه بطبع الروح، ونفسه بطبع القلب. ولانت النفس بعد أن كانت أمارة بالسوء مستعصية. ولان الجلد للين النفس”. ويقبله الحق عز وجل حتى يتحرر “ويصير حرّا من كل وجه”.
قال رحمه الله: “واعلم أن مع الشيوخ أوان ارتضاع وأوان فطامٍ، وقد سبق شرح الولادة المعنوية. فأوان الارتضاع أوان لزوم الصحبة. والشيخ يعلم وقت ذلك(…). فلا يأذن الشيخ للمريد في المفارقة إلا بعد علمه بأن آن له أوان الفطام(…) ومتى فارق قبل أوان الفطام يناله من الأعلال في الطريق بالرجوع إلى الدنيا ومتابعة الهوى ما ينال المفطوم لغير أوانه في الولادة الطبيعية”.
قال: “الطالب الصادق إذا دخل في صحبة الشيخ، وسلَّم نفسه، وصار كالولد الصغير مع الوالد، يربيه الشيخ بالعلم المستمَدِّ من الله تعالى بصدق الافتقار”. وعندئذ يصبح له وجود جديد. قال رحمه الله: “وهذا الوجود موهوب مُنَشَّأٌ إنشاءً ثانيا للمتمكن في مقام الصحو. وهو غير الوجود الذي يتلاشى عند لمعان نور المشاهدة، لمن جاز على ممر الفناء إلى مَقَارِّ البقاء”.
عن هذا الوجود يقول ابن القيم المتحسِّر عليك يا من تُسَمَّعُ ولا تَسمع: “فإن اللفظ لملوم، والعبارة فتانة(…). يذهب العبد عن إدراكه بحالِه لما قهره من هذه الأمور. فيبقى بوجود آخر غيرِ وجودِه الطبيعيِّ. ولا أظنك تصدق بهذا. وأنه يصير له وجود آخر! وتقول هذا خيال ووهم! فلا تعجل إنكار مالم تحط بعلمه، فضلا عن ذوقِ حاله، وأعط القوس بارِيَها، وخل المطايا وحاديَها”.
ويسأل المنكر: ما الدليل؟ فيجيب العالم العامل الجهبذ ولي الله تعالى: “إن طالب الدليل إنما يطلبه ليصل به إلى معرفة المدلول. فإذا كان مشاهداً للمدلول، فما له ولطلب الدليل.
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النّهار إلى الدليل.
فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل على من النهار بعض آياته الدّالة عليه؟”.
القوم لا يقرّرون للعقل أدلّة المنطق لأنهم لا يضعون أنفسهم معك في موضع الجدال. إنما ينبسطون إليك مشافهة وكتابة ليخبروك بواقع، ويشهدوا لديك، ويبشِّروك، ويستنهضوك ومن آلاف آلاف الشاكِّين والمشككين واللاهين الغافلين الغرقى واحد يجد الوديعة، ويُسْهِر لياليَه الخَبَرُ، ويؤرقه وقع الشهادة، ويقبل البشرى، وينهض يبحث عن أبوّة روحيّة.
هل عند المعترضين تحت لافتات السلفية المقلدين ما يفسرون به تصريح عظماء الرجال في شأن الولادة والأبوة الروحية؟ هذا نص آخر نقدمه إليهم عسى الله أن يعفو عنا وعنهم. قال ابن القيم رحمه الله: “سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك (أي مرتبة الوجود الثاني التي هي أعلى مراتب الإحسان) ويفسره بأن الولادة نوعان: إحداهما هذه المعروفةُ، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مَشِيمَةِ النفس وظلمة الطبع. قال ابن تيمية: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين(…) قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح. والوالد أب الجسم”.
قلت: وهذا توسيع وتعويم للمعنى الدقيق الرقيق الذي يعرفه القوم، ويطل عليه العلماء العاملون أولياء الله على “قدرهم المشترك”.
الشيخ الكامل الوالد المربي مراد أهل الله، وغايةُ مناهم. قال السهروردي رحمه الله: “الشيخ المطلَق، والعارف المحقِّق، والمحبوب المعتَّق نظره دواءٌ، وكلامه شفاء. بالله ينطق. وبالله يسكت. كما وَرد: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه(…) الحديث. فالشيخ يعطي بالله، ويمنع بالله”.
على مثل هذا شُدَّ يدك إن ظفرت به، وازهد في الدنيا ومن فيها. قال المشفق المحب ابن القيم: “لا ريب أن عيش المشتاق مُنغَّصٌ حتى يلقى محبوبَه. فهناك تَقرّ عينه، ويزول عن عيشه تنغيصه. وكذلك يزهد في الخلق غايةَ الزهد لأن صاحبه طالب للأنس بالله والقرب منه. فهو أزهد شيء في الخَلْق إلا من أعانه على المطلوب منهم، وأوصله إليه. فهو أحب خلق الله إليه. ولا يأنسُ من الخلق بغيره، ولا يسكن إلى سواه. فعليك بطلب هذا الرفيق جُهْدَك. فإن لم تظفر به فاتخذ الله صاحبا ودع الناس كلهم جانبا”.
أقول: إن لم تظفر به فالجأ إلى باب المولى الهادي ليهديك إليه، ويدلّك على الدالِّ عليه. لا تكن صوفيا تتردّد على أضرحة الأولين، تتمسح بالأشباح الخاوية أشباح المتطفلين المتقولين. في أهل عصرك طلبتك، فيا ربِّ من الدليل عليك؟.
بعد و لادة القلب ، تأي مسألة التسليم ببركة الشيخ و الأنقياد له و بيعته ، يقول الشيخ عبد السلام ياسين في كتاب الأحسان:-
تحت هذا العنوان كتب الشيخ سعيد حوى في كتابه “تربيتنا الروحية” يذكر أهمية الشيخ ووظيفته الأساسية في قضية التربية. كان كتابه هذا فاتحة مؤلفات له خصصها للحديث عن التربية الروحية، يزداد فيها حَثُّه على الرجوع إلى “تصوف محرر” كتابا بعد كتاب. أعلن في كتابه الأول أنه تتلمذ للصوفية، فهو يكتب في الموضوع عن تجربة. وأوضح حرصه الكبير على “أن يوجد نوع من التصوف السلفي له شيوخه وحلقاته”، وأن الحركة الإسلامية المعاصرة بحاجة إلى هذه التربية المعمَّقة لمواجهة عصر الشهوات، وأن التعاون بين هذه الحركة وبين المشايخ الصوفية أمر ضروري “لتزداد الصلات الطيبة بين الناس. ولتكثر حلقات الخير والعاملون لها، ولكن على أن يكون ذلك كله مستقيما على أصول الشريعة وفروعها، وألا يكون على حساب واجبات أخرى”.
في الكتب اللاحقة عرض الشيخ سعيد غفر الله لنا وله ورحمه المشكل في تفاصيله، وهو كيف يستعيد “الإخوان المسلمون” وسائر العاملين في الدعوة روحانية الجماعة التي كانت أساس عمل الإمام البنا رحمه الله دون أن يكون ذلك على حساب واجبات أخرى.
هذه “الواجبات الأخرى” واجبات التحرك السياسي، والتكوين الفكري، والتفرغ التنظيمي ردت التربية الروحية ردا، وهدتها هدّا. فهل من سبيل للجمع بين الجهاد العملي اليومي المتشعب القضايا وبين التطلع الدائم للملإ الأعلى والتخلق السامي بأخلاق أهل الله؟
اقترح الشيخ سعيد في أحد مؤلفاته اللاحقة تكوين جمعية تضم الربانيين في تنظيم خاص، ووضع لهذه الجمعية قانونا من بضع وثلاثين بندا، ووضع لوائح تنظيمية لها، وبرامج تعليمية، لتكون هذه الجمعية جامعة يفيء إليها الدعـاة جميعا ويصدرون عنها وتلفُّهم ويلتفون حولها، من سلفيين وإخوانيين وغيرهم من فئات العاملين.
المشكل صعب عويص. المشكل تربوي نُوراني نوعي قلبي، لا تفيد اللوائح الكمية التنظيمية الفكرية فيه. المشكل أساسا هو كيف تجتمع في القيادة، في شخص واحد أو أشخاص،الربانية والكفاءة الجهادية الحركية كما كانت مجتمعة في البنا رحمه الله.
ويسيطر ظل البنا على الشيخ سعيد سيطرة تامة. فالبنا نقطة البداية. قال: “إننا نملك بفضل الله نقطة البداية الصحيحة. وهي الانطلاق من اجْتهاد إنسان مجدد لا يشك عارفوه أنه من أولياء الله عز وجل، وهو الأستاذ البنا رحمه الله”.
من مفهوم التجديد والمجدد ينطلـق مؤلفنا ليتساءل عن “مهمة الشيخ في عصرنا؟”، و”ما هي مهمة الشيخ في عصر لم يعد فيه للمسلمين دولة؟”، و”كيف تكون الصلة بينه وبين غيره؟”. ويشرح تصوره لهذا الموضوع بأن “رحلة الأمة المريضة إلى الصحة تبدأ بوجود المجدد ونوابه”. هذا المجدد هو “نموذج الصحة الأول المتمثل في كل عصر أو قرن أو جيل بالمجدد ثم بالوُرّاثِ الكاملين”. ولا يفتأ المؤلف يؤكد أن البنا هو المجدد، إشارة إلى أن “الوُرَّاث” المستحقين للقيادة المؤهلين للتجديد لا بد أن ينبثقوا من الشخص المجدد.
هذا التصور المُغْلَق لدائرة التربية هو بالضبط ما يُسَمَّى في اصطلاح القوم بالتبرُّك. والتبرُّك غير السلوك. التبرك سجّادة ومجلس كان يتصدره الشيخ المؤسس، فلما توفاه الله جلس مجلسه على سجادته “وارث” من أبنائه الدينيين أو الطينيين، واستمر في تقليد الأب الروحي للجماعة، وحافظ على التقاليد، واجتهد داخل المذهب التربوي، واتخذ لنفسه ولمن معه سقفا بشريا بينه وبين الله ورسوله، وحرص ألا يُزاد حرف على “وظيفة” الشيخ الراحل وأذكاره. وهكذا تكونت مدارس وطرق، في طيها العارفون بالله أحيانا، وفي طيها المريدون، وفي طيها أصحاب الأحوال والكرامات، وفي طيها كل شيء إلا التجديد الذي مات مع الشيخ رحمه الله.
إن الله عز وجل وحده يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها كما جاء في الصحيح. يبعثه حيث شاء، ولكل فئة من فئات حزب الله أن تزعُم أنها الوارثة لمجدِّدها، تُغمض عينها قرونا عما يُحدثه الله عز وجل الباعثُ الوارثُ خارجَ أسوارها ليبقى لها تماسُكُها ووحدتُها. الله سبحانه وحده قادر على أن يعيد ما تفرق من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لتتجمع الأمة كلها خلف قيادة، في شخص أو أشخاص، في زمن أو أزمان، جامعةٍ للوراثة المحمدية الروحية والجهادية، لاَمَّةٍ لِشَعَثِ ما تَفَرق، مُحْيِيَةٍ لقلوب ماتت، باعثةٍ لهمم هَمَدت وخَمدت، منوِّرة لعقول أخذها الجُهد لتصور “البدائل الإسلامية”، وتحليل الواقع، ووضع الخطط، وإحكام التنظيم، ومواجهة العدو الداخلي والخارجي، عن ذكر الله وعن الصلاة.
نسأله عزت قدرته أن يُلهم من بَعْدَنَا من أحبابه العارفين به وسيلة الجمع، وأن يعطيهم القدرة على سلوك الطريق إليه بهذه الأجيال على منهاج النبوة دعوةً ودولةً.
ولا معنى للتجديد ولا مكان له، ولو برز بين المسلمين زعماء عظامٌ، ما لم يتجدد في الأمة الإيمان بصحبة المجددين. وكذلك كان حال الأستاذ البنا رحمه الله. كان مغناطيسا ومركز إشعاع. وبحاله نهض الإخوان المسلمون، وعلى مقاله لا يزال يعيش كثير من حَمَلَةِ الأقلام وقراء الأدبيات الإسلامية رحمه الله رحمة واسعة.
كان فكر البنا مغناطيسا ملائما لزمانه، كما كانت روحانيته، وهو حي يرزق، آية من آيات الله. وكان حريصا على أن يخرج بجماعته من سلبيات الطريقة الحصافيّة التبركيّة التي تربى طفلا ويافعا بين أحضانها. لكنه احتفظ بالبيعة الصوفية وطوَّرها لتتسع للجهاد الذي ضاقت عنه الصيغة الموروثة عن المشايخ للبيعة.كانت بيعتُه لأصحابه بيعة مزدوجة، بين السيف والمصحف. بيعة تأخذ من التقليد الصوفي جانبا ومن التنظيم العصري جانبا. ومن بعد البنا رحمه الله تردت هذه البيعة الموروثة عنه بوسائط أو بدون وسائط إلى رباط يمسك بتلابيب الملتحق بهذه الجماعة أو تلك لتضمن الجماعة ولاء عضوها الدائم. وإنها لعرقلة أخرى في سبيل التوحيد المنشود أن تتعدد البيعات وتتضخم. بلوى بلا جَدْوى. بل آفة وطامَّة.
لو اقتصر العاملون للإسلام على الاعتراف بالأمر الواقع لهان الخطب. والواقع أن هذه الجماعات تكونت بعضُها إلى جنب بعض، وبعضها قبل بعض، وبعضها اختلافاً مع بعض، وبعضها انشقاقا عن بعض، لأسباب ترجع إلى التمزق السياسي القطري، وإلى الأصل التربوي والثقافي للمؤسسين، وإلى المرجعية العقدية والمذهبية، وإلى حب الرئاسات ورُعونات النفوس، وإلى الاجتهاد الديني والموقف السياسي، وإلى تاريخ القيادات والجماعات.
لم يعترف العاملون بالواقع كما هو. ومعرفة أسباب المشكل نصفٌ كبير من الحل، بل برَّرَ كل فريق موقفه، وحفر خنادقه، وحصن حصونه. فلعل الربانية التي نبحث عنها تتجاوز بالجميع، إن شاء الله، خطوط التَّماسِّ، ليخمُدَ اتّقاد الوسواس، وتطيب بذكر الله الأنفاس.
لن يتجاوز بالأمة هذه الحدودَ الانغلاقُ التبركيُّ. لن يتجاوزها إلا البناءُ على الأساس المحمدية. وإلا فهو الجمود العقلي، والانحسار التربوي، والتصلب التنظيمي. وتبقى مسألة المشيخة الإحسانية، نكل تدبيرها إلى الله جلت عظمته، ونبث في هذه الأوراق نداءنا إلى العارفين بالله أن يجمعوا الشمل ويقودوا الركب. فكفانا تمزقا.
مهَّد الأستاذ البنا رحمه الله لشروط بيعته في “رسالة التعاليم” بشرح المفاهيم الأساسية لفكره وعمله. فبين ما يقصده بكلمة “فهم”، وهو فهم أصوله العشرين في العقيدة والشريعة والفقه وتمييز ما بين البِدعة والسنة. وبين ما يَعنيه بكلمة “إخلاص”، وكلمة “عمل”، وكلمة “جهاد”، وكلمة “تضحية”، وكلمة “تجرد”، وكلمة “أخوة”. وختم بشرح مفاهيمه بمفهوم “الثقة” وقال: “للقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة”.
كان أفقه رحمه الله فسيحا جامعا لأطراف ما توزع من معان ومطالب. وكان شخصه الكريم فسيحا جامعا. فصحت قيادته وأثمرت أفضل الثمار. وبقيت البيعة بعده تُراثا ثقيلا. اشترط رحمه الله على الملتحق بالجماعة المؤدي للبيعة ما لا يقل عن ثلاثة وثلاثين شرطا، من بينها الوفاء بتعهدات شخصية مثل اجتناب الإسراف في شرب القهوة والشاي والاعتناء بالنظافة، ومن بينها التعبدية الإيمانية كإتقان الطهارة والصلاة وسائر الفرائض، ومنها الإحسانية كالمحافظة على الأوراد وحفظ القرآن، ومنها الأخلاقية كالحياء ورحمة الخلائق ومساعدة الضعيف، ومنها الحركية كالنشاط الدائم والتدرب على الخدمات العامة، ومنها السياسية كمقاطعة المحاكم الأهلية وعدم الحرص على الوظائف الحكومية، ومنها الاقتصادية كمقاطعة المعاملات الربوية والادخار للطوارئ.
كل هذا جيد، ويصلح نموذجا لإطار تربوي عام. لكن أين النورانية التي تسري من قلب إلى قلب في أسلاك المحبة في الله، وتطير بإرادة مع إرادة على أجنحة الشوق إلى الله، وتنهض بالجماعة في مِحَفَّةِ الصحبة في الله؟ هذا ما يبحث عنه الشيخ سعيد بحث الثكلان.
الشرط السادس والعشرون من شروط بيعة الأستاذ البنا رحمه الله يقول: “أن تديم مراقبة الله تبارك وتعالى، وتذكر الآخرة، وتستعد لها، وتقطع مراحل السلوك إلى رضوان الله بهمة وعزيمة، وتتقرب إليه سبحانه بنوافل العبادة. ومن ذلك صلاة الليل وصيام ثلاثة أيام من كل شهر على الأقل، والإكثار من الذكر القلبي واللساني، وتحري الدعاء المذكور على كل الأحوال”.
وهي شروط عالية، من يَفِ بها لا شك يكن من المتقين. من بينها مسألة واحدة لا يفيد فيها إسرار ولا “إعلان” ولا يخبر عنها بَوْحٌ ولا كتمان، ولا هي من شأن دون شأن، ألا وهي مسألة “قطع مراحل السلوك إلى رضوان الله” هذا لا يجيء إلا بصحبة. والمصحوب رجل حي سلك المراحل إلى الله وتقرب حتى أحبه الله وجعل قلبه مشكاة ونبراسا وسراجا وَهّاجا. ما يحصل ذلك بإجازة تبركية، ولا بالانضواء تحت جناح عظيم من عظماء الأمة، عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم، قبلةِ القلوب، رحمة العالمين، محبوبِ الرب جل وعلا.- كتاب الأحسان .
نسال الله أن يرحمنا آمين
لا يمكن للمربي أن يتجاوز سقف بشريته ، فيستعبد الخلق بمجرد ما تثبث عند الناس خصوصيته ، وتبدو على وجهه نورانيته و قمر و لايته ، كما لا يجب على المريد أن يتجاوز سقف ولاية المصحوب ، فيزيد من عنده بحسب فهمه ما لم يرد عن الشيخ من فعل أو قول أو عمل ، أو يؤول بتلقاء نفسه رؤيا أو كرامة نسبت للشيخ.
ويزداد الأمر سوءا إن تجاوز المريد أس الولاية ، وألحق بشيخه ما يفوقها من الخصوصيات و السمات في المنازلات و المعاملات.كأن يدعي عليه مقاما لم يلمح اليه المربي ، أو أفعالا لم يرها سواه، فيقع فيما يسميه غالبية أهل الله – بكذب المريدين – وهي بحق سمة ومقام عصرنا بامتياز.