تقول نازك الملائكة إن أعظم إرهاص للشعر الحر هو مايعرف بالبند ، بل تعتبر أن البند نفسه هو شعر حر لثلاثة أسباب .
1 – لأنه شعر تفعيلة لا شعر شطر .
2- لأن الأشطر فيه غير متساوية
3- لأن القافية فيه غير موحدة .
و البند : هو شعر يقوم إيقاعه على أساس التفعيلة الواحدة المتكررة بحرية تامة ، ولم يستخدم فيه إلا بحرين ، بحر الرمل بتفعيلته ( فاعلاتن ) و بحر الهزج بتفعيلته ( مفاعيلن ) و أحيانا يتم الخلط بين البحرين في بند واحد لمكان التشابه بين تفعيلتيهما ، فإن ( مفاعيلن ) تتألف من وتد وسببين و لو قُدّم السبب الأخير لصارت ( لن مفاعي ) المساوية لـ ( فاعلاتن ) . إلا أن البند يُكتب كما يُكتب النثر تماماً بتكرار ( فاعلاتن ) او ( مفاعيلن ) على طول السطر يليه سطر آخر … وهكذا …
و يشير مصطفى جمال الدين بأنه لايعرف بالضبط متى نشأ البند في الأدب العراقي ، ويقول :
” لعلَّ أقدم ماوصل إلينا هي بنود شهاب الدين الموسوي المعروف ( بابن معتوق الحويزي ) المتوفى عام 1087 هـ ”
ولقراءة نماج من البند ومعرفة تفاصيل أكثر عنه راجع
قضايا الشعر المعاصر لـ نازك الملائكة و الإيقاع في الشعر العربي … لمصطفى جمال الدين .
# نازك لم تقرأ البند قبل نشرها لقصيدة الكوليرا .
تقول نازك أنها نظمت الشعر الحر لأول مرة عام 1947 م وكانت تعرف ( البند ) اسماً فقط لأنها لم تقرأ بنداً قبل عام 1953 م و تبرر أن البند لم يرد في الكتب التي كانت مقررات للدراسة الأكاديمية و لا أشار إليه أي كتاب قرأته .
وتقول أن أغلب شعراء خارج العراق لم يسمعوا بالبند إلا بعد صدور كتابها قضايا الشعر المعاصر ، رغم صدور كتاب ( البند في الأدب العربي ، تاريخه ونصوصه ) لـ عبدالكريم الدجيلي عام 1959 م أي بعد نشر نازك والسياب لأول قصائدهم الحرة باثنتي عشر سنة وتم تداول كتاب الدجيلي في حدود العراق فقط ولم يحظَ بالانتشار الواسع .
وتشير نازك أنها قرأت البند عام 1953 م أي بعد نظمها لأول قصيدة حرة عام 1947 م ،
كما تستبعد أيضاً أن يكون بدر شاكر السياب قد قرأ البند في عام 1946 م ، حيثُ أنه خريج قسم اللغة الإنجليزية . و حيثُ تصف نفسها بأنها على قوة معرفة بالتراث العربي و لم تعرف البند قبل عام 1953م أي بعد نظمها لأول قصيدة حرة بست سنوات .
وتؤكدعلى ذلك بأن الكتاب الوحيد المطبوع عن البند هو كتاب الدجيلي عام 1959 م .
وبهذا تنفي نازك الملائكة أن يكون الشعر الحر وليداً للبند .وإن كان بينهما الشبه الكبير .
# الشعر الحر و التسمية .
مع ظهور هذا الوليد الشعري الجديد أطلقت نازك تسميتها عليه فسمته ( الشعر الحر )
ثم جاءت تسميات عديدة منها
( الشعر المنطلق )، ( حركة الشعر الجديد ) و ( حركة الشعر الحديث )
فيأتي الشاعر صلاح عبد الصبور عام 1961 م و يعلن ارتيابه من لعبة التسميه فيقول :
” كثيراً مايكون الاسم ظالماً لمسمّاه ، أو ملقياً عليه ظلالاً من الشبهات و خاصة إذا كان هذا الاسم وصفاً ، لأن الصفة تستدعي نقيضها ، كما يستدعي البياض ذكر السواد . وعنئذٍ تلتمع المقارنة ولا ينال الاسم رضا سامعيه إلا إذا اتضحت المناقضة أيما اتضاح و ثبتت أشكالها و ألوانها )
وبهذا راح صلاح عبد الصبور يدعو إلى تعديل مصطلح الحديث منادياً :
( حبذا لو أسعفنا ناقد بكلمة أخرى )
وفي عام 1962 جاء عز الدين الأمين من السودان مستجيباً لنداء عبد الصبور ويسمي هذا الكائن الشعري بـ ( شعر التفعيلة ) . وهكذا جاء الاسم مطابقاً للمسمى .
# شعر التفعيلة و الأساس العروضي .
لا يختلف شعر التفعيلة في بحوره عن البحور التي اكتشفها الخليل ، لكنما الجديد فيه هو هو تصرفه في عدد التفعيلات في هذه الأبحر ، و توزيعه الموسيقي .
و الأساس فيه يقوم على وحدة التفعيلة .
بحيث لو تم إنشاء قصيدة من بحر الرمل فسيجري تكرار التفعيلة ( فاعلاتن ) في الأشطر و لايلتزم الشاعر بعدد معين في كل شطر .
و البحور التي تلائم شعر التفعيلة هي البحور الصافية و التي يتألف شطراها من تكرار تفعيلة واحدة
مثل : الكامل ، الرمل ، الهزج ، الرجز ،و المتقارب و المتدارك بالإضافة إلى مجزوء الوافر .
و كذلك نوعين البحور الممزوجة مثل الوافر و السريع .
أما بالنسبة لبقية البحور مثل الطويل والبسيط و المنسرح والخفيف …. فإنها غير ملائمة لشعر التفعيلة وإن كانت هناك محاولات من شعراء بارزين في كتابة شعر تفعيلة من هذه الأبحر الممزوجة إلا أنها لم تحظَ بالنجاح ، و مما يدل على ذلك أنها محاولات نادرة جداً.