تأسست الزاوية الناصرية على يد الشيـخ عمرو بن أحمد الأنصاري سنة 983 هـ”، وقد ارتبط اسم الزاوية باسمه، “ثم دعيت بالزاوية الحسينية نسبة إلى الشيخ عبد الله بن حسين الرقي المتوفى سنة 1045 هـ”، وبتولية محمد بن ناصر سميت بالزاوية الناصرية، وهو الاسم الذي مازال
سارية حتى يومنا هذا. وقد تعاقدت على إدارة أمور الزاوي بعد الشيخ عمرو عدة خلفاء كالخليفة عبد الله بن الحسين الرقي ثم تلميذه أحمد بن ابراهيم الانصاري ثم محمد بن ناصر الذي كانت توليته بداية مرحلة عرفت تعاقب ابناء ناصر على خلافة الزاوية وكان يشترط فيهم الكفاءة والقدرة والصلاح اقتداء بنهج الخلافاء الراشدين الاربعة، وقد كانت معارف محمد بن ناصر جمة ومجهوداته في إشاعة العلم كبيرة كما شهد له بذلك له تلميذه أبو علي اليوسي إذ يقول فيه :”وكان مشاركا في فنون العلم كالفقه والعربية والكلام والتفسير والحديث والتصوف، وكان مع انكبابه على علوم القوم وانتهاجه منهج الطريقة لا يخل بالعلم الظاهر تدريسا وتأليفا وتقييدا وضبطا.”
أما منهجه في التدريس فيقوم على تصحيح المتن المدروس وحل مشكله وهو يقول في هذا الصدد :” الإقتصار على سورة المسألة أنفع للمبتدئين والإكثار من الأثقال أضر بالمتعلمين.” وقد تتلمذ على يده مجموعات كبيرة من الطلاب وفيهم أئمة وأعلام من مختلف جهات المغرب أشهرهم :
محمد بن ابراهيم الهشتوكي من سوس، ومبارك بن عبد العزيز العنبري الغرفي من سجلماسة وأبو سالم عبد الله بن أبي بكر العياشي من الاطلس المتوسط ثم عبد الرحمن السويدي.
وبعد وفاة محمد بن ناصر سنة 1085 حلفه في رئاسة الزاوية الناصرية ابنه الإمام أبو العباس أحمد الذي كان إمام عصره علما وعملا، مواضبا على سرد الحديث وعلومه والتفسير والتصوف وأصول الدين عاكفا على تدريس المؤلفات والذي اقتفى سنن أبيه في التزام الستة والدعوة ومحاربة البدع، “كما شهدت الزوايا في ايامه إقامة بنايات مدرسية طبعتها بشارات تعليمية جديدة فقد اسس إيوانا ليكون مركزا للتدريس ومن خلفه ابتنى حماما للطلبة وسواهم من الوافدين وزوده بالماء الساخن في سائر الأوقات، وبمقربة منه شيد مدرسة لسكنى طلاب العلم المجاورين.”
“فالزاوية الناصرية تقدم لنا إذن نموذجا مثاليا للزاوية الصوفية التي استطاعت الحفاظ على وضعها لقرنين فأكثر من الزمن، فقد كان شيوخ هذه الزاوية منذ تأسيسها على يد عمرو بن أحمد الأنصاري تعتمد مبدأ الكفاءة الشخصية في ولاية الاستخلاف ولم تتحول إلى مشيخة وراثية إلا مع الناصريين”
تزامن تأسيس الزاوية التمكروتية مع فترة متأزمة تمثلت اساسا في وجود تجزئة سياسية وعدم استقرار، فقد كانت القبائل تتناحر وأصبح قانون الاقوى هو السائد، فخربت البلاد وعمت الفوضى وعرقل غياب الامن المعملة التجارية إضافة إلى توالي الأوبئة والمجاعات، ” إلا أن الشيوخ الأوائل للزاوية استطاعوا بفضل ما كانوا يعرفون به من صلاح وفضيلة أن يفرضوا نفودهم على هاته القبائل المتناحرة وبسرعة فائقة أضحى شيوخ تمكروت يقومون بدور الوساطة والتحكيم في الحروب غير المنقطعة للقبائل.”3 “هذا فضلا عن حماية المظلومين وإيواء أبناء السبيل وإطعامهم والوقوف في وجه تعسف الولاة ومكائدهم، واختصت بنشر العلم والتحريض على الجهاد وكانت ملجأ لكل مظلوم وطالب حماية”
” والمعروف أن الشيخ ابو العباس أحمد بناصر أقام الزاوية لإقامة دين الله وإطعام الطعام لوفود العرب والعجم ويأوي إليه المساكين والفقراء وطلبة العلم المجاورين المقيمين من الفقهاء والمدرسين والعباد باهاليهم وأولادهم يأكلون ويشربون بفضل الله لا يحصون عددا”
نستخلص إذن أن الشيوخ الأوائل المتعاقبين على ولاية الزاوية قاموا بأدوار إجتماعية هامة ساعدت على دوبان الفوارق خاصة وأن الزاوية توجد في مجتمع جمع بين عناصر إتنية مختلفة اختلافا شديدا في العرق واللون ونمط العيش.
لقد كانت الزاوية الناصرية بإجماع الكثيرين قدامى ومعاصرين مركزا علميا مرموقا يؤمه الطلاب من كل حدب وصوب، فقد سعت منذ تأسيسها على يد حفص عمرو بن أحمد الأنصاري على نشر التعاليم الإسلامية في حللها الخالية من شوائب التحريف والزيغ عبر إصلاح يروم مناهضة واقع الشعودة والتدجيل والاحتيال. وقد أهلها لذلك ما اشتهر عن أصحابها من علم وورع وحرص على اتباع السنة ونبذ الشهوات وتكريس الحياة لمجاهدة النفس والدعاء إلى الله وحده، “فقد كان أبو حفص عمرو الأنصاري قطبا جامـعا وغـيثا نافعا”.
ويقول صاحب “طبقات الحضيكي” عن الشيخ احمد بن ابراهيم:” العارف الأكبر، وبحر الشريعة والحقيقة، كان رضي الله عنه من أكابر العارفين والقائمين بالحق والحافظين لحدود الله والمحافظين على السنة وإخماد البدعة.”
وعن محمد بن ناصر يقول أبو سالم العياشي :”كان شديد الإتباع للسنة في سائر أحواله حتى في لباسه وأكله في أنواع العبادات والعادات.”
وقد كثر أتباع الزاوية وأخذ نفوذها يتسع بدءا من القرن السادس عشر الميلادي ليعم مختلف جهاتى المغرب وذلك بفضل نشاط الدعاة الذين كانوا يبعث بهم شيوخ الطائفة من تمكروت بدرعة إلى المناطق النائية يؤسسون بها زوايا ويعملون انطلاقا منها على نشر الطريقة الناصرية ومن هؤلاء الأتباع يحيى بن أحمد أخمليش الذي اسس عددا من الزوايا وكون عددا من الأتباع في جبال الريف. ” وقد أدت الزاوية الناصرية خدمة جليلة للثقافة الإسلامية وتعدت ذلك إلى مناحي اللغة والآداب فكانت ثالث مركز قروي يدرس فيه كتاب سبويه لهذا العـهد بينما لا نجد أثرا لدراسة الكتاب في فاس وغيرهما من المراكز الحضارية.”
ولا أدل على هذا الدور العظيم الذي اسدته الزاوية في سبيل الحفاظ على المقومات الدينية الاسلامية اشتمالها على خزانة تمثل أعظم خزانة ضمتها زاوية مغربية، ويكفي أن ما تبقى منها في السنة الأولى من استقلال المغرب كان يناهز عشرة آلاف مخطوط سلمت بدون شك من آلاف أخرى انتهبتها الأيدي عبر الأجيال، وقد نقل معظمها إلى الخزانة الملكية بالرباط إبان تولي السيد المكي الناصري وزيرا للأوقاف، ولم يبق فيها حاليا سوى أربعة آلاف مخطوط.
دار الكتب الناصرية :
ابتدأ تأسيس دار الكتب الناصرية من ايام عبد الله بن ناصر الذي بذل مجهودا مهما في جمع كتبها الأولى، وإلى جانب المؤلفات التي اقتناها بالشراء، نسخ بنفسه واستنسخ العديد من الدواوين العلمية ومن مستنسخاته بخطه “القاموس للفيروزابادي، “الأمالي” لأبي علي القالي، و جزء من كتاب “العقد الفريد” لابن عبد ربه ، و”المنصف في الكلام على مغنى ابن هشام”للشمني، وهذا الأخيرلا يزال محفوظا ضمن المجموعة الباقية بتمكروت تحت رقم 637.
“كما اعتنى أيضا بتصحيح الكتب ومقابلتها وتقييس الفوائد بهوامشها وقد عاين أبو العباس الهشتوكي كثيرا من كتبه خصوصا نسخ الصحيحين للبخاري ومسلم هذا بالإضافة إلى مجموعة من الهدايا تلقتها المؤسسة في فترة تأسيسها”.غير أن الخزانة في عهدها الاول لم تكن تتوفر على مركز منتظم ويدل على هذا ان الكتب في هذه الفترة كانت موضوعى على الأرض مباشرة، حتى أهدي لمؤسسها حصير ليفرشه لنومه فآثر وضعه تحت الكتب وقاية لها، واستمر ينام هو وأسرته على التراب”. وهو نموذج للتضحية في سبيل العناية بالكتب.
أما عن بناية الخزانة فقد شيدت بعدما صارت إلى نظر أبي العباس ابن ناصر وهو الذي اشترى لها الكتب بالأحمال من المغرب والشرق وضرب في هذا الصدد رقما قياسيا لم يصل إليه أحد من شيوخ الزاوية الناصرية، وهو الذي استلف بمصر آلافا من المثاقيل واشتراها كلها كتبا. ومن المعروف أنه هو الذي جلب إلى المغرب لأول مرة النسخة اليونينية من صحيح البخاري وهي موزعة بين عشرة أجزاء بخط شرقي وعلى أول جزء منها بخطه:”ملك لله تعالى، بيد أحمد بناصر كان الله له بمكة المشرفة، بثمانين دينارا ذهبا”وبعد عهده سعى كل من تولى أمر الزاوية إلى زيادة كتبها فأضيفت إلها أعداد هائلة من الكتب بالشراء والاستنساخ أو عن طريق الاهداء وسجل في هذا الصدد عمل يوسف بن محمد الكبير على تزويد الخزانة بكتاب البيان والتحصيل لابن رشد الذي تلقى في شأنه رسالة من السلطان محمد بن عبد الله يعده فيها أن يمده بها. كما أن كل من يموت من أعلام الزاوية وأولادها تضاف كتبه إلى المكتبة العامة فضلا عن خزانات بعض الاعلام في جميع الآفاق يحجون إلى الزاوية الذين تطوعوا فوقفوا خزاناتهم الخاصة على الخزانة العامة كما صنع كل من أحمد ابراهيم السباعي وأبي العباس أحوزي الهشتوكي، وابي الحسن علي الدمناتي حيث لا تزال خزانة الزاوية تحتفظ بخزاناتهم.
هذا إضافة إلى أن بعض شيوخ الزاوي عملوا على حيازة المؤلفات الموقوفة على الزوايا الفرعين لنقلها إلى الخزانة المركزية بتمكروت، ولهذا لا تزال هذه الخزانة تحتفظ بمخطوطات موقوفة على زوايا الرباط وفاس وتطوان حسب الأرقام: 214-284-1478-1866-1047، هذا إلى جانب الكتب التي كانت موقوفة على زاوية الفضل وجامع الخطبة بتمكروت حسب رقمي : 541-1323 .”
2-موضوعات كتب الخزانة :
وأما عن موضوعات كتب الخزانة فتشمل ما يلي :
* “كتب الأثر: السيرة الشامية، النهاية لابن الأثير، الفائق للزمخشري، الأول في نهج النهاية، الكفاية في مختصر النهاية، زيادة الجامع الصغير في سفرين، زيادة الكبير في سفرين، إعراب مشكل الحديث للسيوطي، الجمع بين الصحيحين للفرغاني، المصابيح للبغوي، المقاصيد الحسنة للسخاوي، التذكرة للقرطبي ، الدلائل لتابث السرقطي، عمل اليوم والليلة للنسائي، الجامع بين المنتقى والاستذكار للتلمساني، شرح العمدة لابن الأثير، علوم الحديث لابن الصلاح، بوادر الأصول للحكيم الترمدي،
الحدائق في سيرة سيد الخلائق للمستغانمي بخطه… وغيرها كثير.
* التواريخ : أهمها لابن عساكر ، البداية والنهاية لابن كثير في سبع اسفار.
* التفاسير : كثيرة منها بضع وأربعون من غير الثكرار.
* تآليف الإمام السيوطي : لا تكاد تنحصر لأنها كثيرة أكثرها بخطه.
* المسانيد : قليلة العدد.
بالإضافة إلى شرح البخاري ومسلم وحواشي السنة وغير ذلك مما هو متداول من كتب الحديث “، هذا فضلا عن مؤلفات النحو والآداب والعقائد والفقه والتصوف والفلسفة والمنطق والفلك والرياضيات والحساب والطبيعيات والجغرافية حتى أصبحت أغنى الخزانات الإسلامية بالمغرب ولا أدل على ذلك أكثر من رسالتين تلقى إحداهما الشيخ علي بن يوسف الناصري من المولى سليمان في غرض استعارة كتابي التفسير والنزهة لابن كثير من الخزانة الناصرية والثانية صادرة عن السلطان محمد بن عبد الله إلى الشيخ يوسف الناصري جوابا عن كتاب هذا الأخير في غرض استنساخ البيان والتحصيل لابن رشد برسم هذه الخزانة.
بناية الخزانة وتسييرها:
كانت الخزانة في فترة ازدهارها تخضه إلى أنظمة وتقاليد متبعة، فقد تبث عن ابي العباس بناصر أنه رتب محتوياتها حسب العلوم وجعل لكل نوع علامة تميزه عن غيره ولم يكن يمنع إعارة الكتب لمستحقيها حيث وضع نظاما للإعارة والمحافظة على الخزانة وتبث عنه أنه قال لأهله في توصيته بالكتب ” إذا أنتم حفظتموها وتعاطيتموها كما هو مألوف حفظها الله لكم وجلب لكم غيرها، والعكس بالعكس”.
ولم يعرف للخزانة دفتر قديم يستوعب محتوياتها، وأول لائحة معروفة هي التي وضعت لها بعد
تراجعها بمبادرة شيخ الزاوية أبي العباس احمد بن أبي بكر الناصري، وتحمل تاريخ 20 جمادى الثاني عام 1336 هـ وهي تشمل على حوالي ألفي مخطوط دون اعتبار محتوايات المجاميع وجاء ترتيب ابواب اللائحة هكذا:
– كتب خزانة الروضة الناصرية
– كتب خزانة الاشياخ
– كتب الطارمة*العلوية
ولا تزال هذه اللائحة مخطوطة في نسختين من حجم صغير إحداهما بالخزانة العامة تحت رقم ج 975 في 74 صفحة، والثانية بالمكتبة الملكية رقم 5657 في 82 صفحة. أما المقر القديم للخزانة فالظاهر أنه لم ينتظم إلا مع ولاية أبي العباس ابن ناصر حيث وضعت محتوياتها في دار على حدة صارت تعرف ب”دار الكتب” وقد جاء عنه أنه ابتنى خزانة جيدة لهذا الغرض ، كما أنه اعتنى أكثر ببيت الكتب الذي شيده عام 1123هـ وأثقنه ببدائع الصنعة واستجلب له الصناع من فاس وجمله بطاقات مغطاة بالزجاج الملون. فإذا أشرقت الشمس انعكس شعاعها إلى الداخل ليزيد منظر بيت الكتب حسنا وبهجة، وقد استمرت هذه الخزانة بدار الكتب حتى العقود الأخيرة وكان موقعها من ملحقات سكنى شيخ الزاوي في بناية مرتفعة تشتمل على بيتين إحداهما “بيت الكتب الكبير” والثاني يعرف ب”بيت الكتب الصغير” مع مخبإ عال يعرف بالطارمة العلوية، وكلها مستودعات للكتب في خزانات خشبية موزعة حشب العلوم.
وقد أخرجت من هذه الدار في تاريخ غير محدد مجموعة من المؤلفات الحديثة وبعض كتب التفسير واللغة والتصوف، ووضعت على حدة داخل المشهد الناصري في خزانات حائطية صار مجموعها يعرف بخزانة الروضة وأخيرا نقلت المخطوطات من دار الكتب وخزانات الروضة ووضعت جميعها بالمدرسة القديمة.
أما الآن فقد وضعت الكتب الباقية في بناية جديدة شيدت خصيصا برسم هذه الخزانة وجاء موقعها بمقربة من خارج باب الرزق في الجنوب الغربي للزاوية وهي عبارة عن قاعة فسيحة في عرضها وطولها تتخللها نوافذ للضوء والتهوية، وهي مجهزة برفوف خشبية مغطاة بواجهات زجاجية لحفظ المخطوطات وصيانتها فضلا عن مقاعد وطاولات للقراء.