قفزت الرومانسية بالشعر العربي قفزة لا يستهان بها ، إذ أصبحت تمثل معاناة الإنسان العربي الذي يتمزق من خلال الحضارة الجديدة التي يعايشها ، وأصبحت ثورة على الواقع الفاسد ، تعكس ما بداخل الشاعر من أمان وأحلام وقلق وضجر وفربة واستلاب ، فيما دعت إلى التحرر من القيود التي تكبل الفنان ، فاعتبرت ذات الشاعر محور الشعر ، كما دعت إلى التحرر من القيود الفنية الموروثة . ويعتبر على محمود طه ، احد رواد هذه الرومانسية وان لم ينجح في تحقيق الانعتاق الكلي من الجاهز الثقافي كمعطى متوارث .
وقصيدته ” الشاطئ المهجور ” تجسيد للحظة شعرية متميزة تعيش فيها الذات أزمة تتفاقم من بيت إلى آخر ، إلى أن تنتهي إلى الكآبة والشقاء ، وذلك من خلال المقابلة بين لحظتين : الماضي / المشرق والحاضر / الكآبة وأزمة الذات الشاعرة يمكن رصدها فيما يلي :
– مناشدة الشاعر البحر بان يغرق قلبه في الخيال وان يبعث فيه ذكريات عهود الشباب التي طواها النسيان
– تبين الشاعر وهو على الشاطئ ، صخرة كانت تحتضن لقاءه مع حبيبته .
– استمتاع الحبيبين بسحر غروب الشمس وبروعة طلعة القمر ومشاهدة مياه البحر الهادئة .
– تحسر الشاعر على أفول أيام الهوى والصفاء التي طعنها القدر ، فأصبح الشاعر يتجرع غصص الكابة والشقاء .
وتعلن هذه المعاني عن نقسها من خلال تواتر حقلين دلاليين ، الأول يحيل على لذة الوصال في الماضي : ( غرامنا / المأثور / صخرة كانت الملاذ لقلبين / نرقب مغرب الشمس / جلسنا / نتملى / سرينا في ضوئها / نتناجى بهوى / انتحينا من جانب البحر ).
والثاني يحيل على معاناة الهجر في الحاضر : ( جهشة المحب / أخفيت امسياتي / نزعتها مني يد المقدور / ما ترين غير شقي / طاف يبكي / الشاطئ المهجور )
والملاحظ أن هذين الحقلين ، يعكسان ما تعيشه الذات من تمزق بين ماض يتحقق فيه الوجود وحاضر يتميز بالعدم ، مما جعل نظرنه للعالم مشحونة بالتشاؤم .
وقد التمس الشاعر في تشكيل صوره الشعرية المعبرة عن ماساته القائمة على وصف ما يعتمل في صدره من عواطف التذكر وإشراك الطبيعة في نسج أجواء اللقاء بين العاشقين ، تقنية الاستعارة ومثالها : (تستحم النجوم في الماء المنير / كل ما حولنا يشف عن الحب ويفضي بسره المستور ) . وهذه الصور وظيفتها إحداث نوع من الانفعال والتأثير . وقد اختار الشاعر للتعبير عن إحساسه ومشاعره الرقيقة المرهفة بحر الخفيف الذي ينسجم مع المشاعر الرقيقة للرومانسيين إضافة إلى وحدة القافية والروي واعتماد نظام الشطرين ، مما يؤكد أن الشاعر لم يستطع التحرر الكلي من الأشكال الجاهزة ، سيما إذا علمنا ان جبران قال : ” ان الشاعر خالق أشكال” . وعلى مستوى الايقاع الداخلي ساهمت الأصوات المتجانسة والمتكررة في اغناء الجرس الموسيقي للقصيدة ، كما نهض المد بالاحاء إلى تجربة العشق المشترك (…نا ) وتفرد الشاعر في اساه وشعوره بالضياع ( امسياتي / مني / يبكي…) .
ويبدو أن الأسلوب الخبري ، ، هو المهيمن ، باعتبار أن الشاعر يسترجع لحظات الوصال الهاربة والباعثة على التحسر ، أما الأساليب الإنشائية كالأمر والنداء والاستفهام ، فقد وظفت للدلالة على : الأمر = التمني ، والنداء = جعل الطبيعة ملاذا لبث الشجون ، والاستفهام = لإظهار ما ران على الشاعر من تحسر .
وتأسيسا على ما سبق ، نسجل تميز القصيدة بما يلي : وحدة الموضوع = الذات سيدة القصيدة ومحورها / حضور الطبيعة / لغة متداولة ذات حمولة وجدانية / الاحتفاظ بخصائص الرومانسية كما هي أي ما يمكن انم نسميه برومانسية ما بين الحربين التي لم تستطع التحرر من الاشكال التراثية .