الأسطورة هي تلك المادة التراثية التي صيغت في عصور الانسانية الأولى، وعبر بها الإنسان في تلك الظروف الخاصة عن فكره ومشاعره تجاه الوجود، فاختلط فيها الواقع بالخيال وامتزجت بالحواس والفكر واللاشعور، واتحد فيها الزمان، و المكان، واتحدت أنواع الموجودات من إنسان وحيوان ونبات والتحمت في كل متفاعل مع مشاهد الطبيعة وقوى ما وراء الطبيعة ، واتخذت من التجسيد الفني وسيلتها للتعبير عن كل شعور وخاطرة او فكر في تلقائية عذبة تنطوي على إيمان عميق بأنها تعبر عن حقيقة الوجود.
وخلف كل لغة شعرية ترقد طبقة من الإشارات والرموز الأسطورية ويترسب قدر من لغة الإنسان الأولى ، بكل ما فيها من تجسيد للأهواء والمشاعر ومن بث الحياة في الأشياء ومن إحساس بوحدة الكون والإنسان ، وحدة تجعله جزءا من الكيان الحي الخالد. ويتأثر الشعر في نسيجه الداخلي وهيكله العام ، ومواقفه وأحداثه وأبطاله ، في الأساطير، فهناك جذر مشترك بين الحكايات الشعبية والخرافية وحكايات الخوارق والأساطير ، وهو أن جميعها نبعت من خيال خصب يتجاوز الواقع ، ويتخطى حدود الزمان والمكان ، ويمزج بين الأحلام والأوهام وبين ما يحس ويرى ويسمع، وبين الذات وتجاربها الموروثة والمعاشة ، وهذا الخيال الخصب هو الذي أبدع الأسطورة ، وأبدع كل تلك الأشكال التراثية التي تكاد أن تكون عالمية، وهو الذي يعود إليه الشاعر المعاصر فيلتقي بعالمه من خلال الرموز والحكايات في هذا التراث الانساني الضخم، أو يصنع ذلك الخيال بخلق رموزه ودلالاته؛ ليكون رؤيته للعالم .
ويمكن القول إن استخدام الأسطورة في الشعر العربي الحديث مر بمرحلتين :
الأولى صياغة الأسطورة: (ممثلة بمدارس البعث والتجديد في النصف الأول من القرن العشرين “مدرسة الإحياء والديوان والمهجر وأبو للو) ، فقد كان شوقي يصوغ حكاياته عن الحيوان ، وكان شفيق معلوف يصوغ الأساطير العربية في عبقر، وكان علي محمود طه يصوغ أرواح وأشباح، والرياح الأربع عن أصول فرعونية وشخصيات يونانية ، وكان إلياس أبو شبكة يصوغ قصص الكتاب المقدس وما اختلط بها من أساطير، وكصياغة العقاد ترجمة شيطان على النسق الأسطوري .وكانت الأسطورة بين يدي الشاعر في هذه المرحلة تكاد أن يكون لها استقلالها الموضوعي ، وكان الشاعر يصوغ الأسطورة ويتركها بين يدي المتلقي تاركا شخوصها وأحداثها وما تشف عنه رموزها تعطي المتلقي من خلال العمل الفني الذي بين يديه.
والأخرى توظيف الأسطورة في بناء القصيدة، ومن أهم شعراء هذه المرحلة بدر شاكر السياب.وهنا يتغنى الشاعر ويقدم ذاته للمتلقي ، ويستخدم الرموز الأسطورية وسائط فنية بينه وبين المتلقي، وهو لا يصوغ أساطير ولكنه يشكل ، ويمتزج معجمه الشعري أحيانا برموز الأساطير وعناصرها ، فتسري الأسطورة في نسيجه الشعري كما تصهر عضويا مع بناء قصيدته.
وحسبنا أن نشير إلى بعض الملاحظات في توظيف الرمز الأسطوري في الشعر العربي الحديث:
لقد استقى شعراؤنا _ فيما كتبوه من أشعار وتمثلوه من نماذج ورموز أسطورية _من الأساطير اليونانية (سيزيف ، وبروميثيوس ، وأدويسيوس، وبنيلوب ، وأدونيس، وفينوس، وبرسفون) ومن البابلية (تموز ، وعشتروت ) ، ومن العربية (السندباد ، وشهرزاد ، وشهريار، وعنتر، وأيوب ، وقابيل ، وهابيل)، ومن العبرية (المسيح ولعازر ويهوذا) .
وشكلت الأسطورة عند صلاح عبد الصبور ، والسياب ، وخليل حاوي ، والبياتي ملمحا من أهم ملامح معجمهم الشعري واتجاهاتهم الفكرية ومشكلاتهم االنفسية ، وقد حاول هؤلاء الشعراء أن يكتشفوا في الأساطير (النموذج الأسطوري) الذي يحمل عبء التعبير عن خصيصة من خصائص المجتمع العربي .وقد كان لكل من هؤلاء الشعراء وجهة نظر في اللجوء إلى استخدام الأسطورة :
فصلاح عبد الصبور يرى في استخدام الأسطورة محاولة لإعطاء القصيدة عمق أكثر من عمقها الظاهر ، ونقل التجربة من مستواها الذاتي إلى مستوى إنساني جوهري ؛ لهذا آثر قناع شخصيتي الملك عجيب بن الخصيب ، وبشر الصوفي، وقصيدة القناع قادته إلى عالم الدراما الشعرية حيث بدأ نتاجه المسرحي باستغلال شخصية الحلاج .وحاول إخفاء المادة التاريخية بشكل عام .
أما بدر شاكر السياب ففسر إقبال الشاعر الحديث على الأسطورة بانعدام القيم الشعرية في حياتنا الحاضرة ؛ لغلبة المادة على الروح، لهذا يلجأ الشاعرإلى عالم آخر يحس فيه بالارتياح.
وفي مقالة لخليل حاوي (الخلق العضوي في نظرية الشعر ونقده)يتضح أن كلية المبنى الفني وتعبير الرمز عن الانصهار الجزئي والكلي في وحدة يستحيل فكاكها ، خصائص واضحة في فن خليل الشعري، ومفتاح محاولته لاستخدام الرموز الأسطورية.
وثمة وشائج من الاتصال بين بعض الرموز التي قد تبدو متباعدة في الظاهر لاختلاف مصادرها حينًا، أو لبعد دلالتها داخل إطارها الأسطوري والتاريخي ، لكنها داخل الاستخدا م الشعري المعاصر دارت في مجال تعبيري واحد ،على نحو (أوديسيوس والسندباد ) و(تموز والمسيح ولعازر) .وفي هذا اكتشاف لعنصر هام في الأساطير الكبرى ، وهو وحدة الوجود الإنساني في جوهره ، رغم تشعث مظاهره، وتناثر جزئياته.
وتتردد بعض الرموز في كثير من الأشعار بمعان متقاربة على نحو ماتردد (يهوذا) في التعبير عن الخيانة والندم، ولم يمنع أن تدور جملة من الرموز في إطار دلالات معينة ذات صلة بالتطور الاجتماعي والحضاري الذي كنا نمر به ،على نحو ما نلاحظ في استخدام (المسيح ) رمزًا شعريًا ،ففي شعر المدارس الشعرية قبل الحرب العالمية الثانية كانت الإشارة إلى شخصية السيد المسيح تمثل(الطيبة، والرحمة والطهارة، والنبل ) ، أما في مدرسة الشعر الحر فتمثل (عذابه وصلبه وتضحيته)، وقد كثر الوصف والاشتقاق من صيغة الصليب في مدرسة الشعر الحر، وثمة قصائد مستقلة تدور حول معنى الصلب وتتأمل فيما انبثق عنه من مواقف .
وكان خليل حاوي من أبرز الذين وظفوا الأساطير في الشعر، ففي قصيدته (البحار والدرويش) اتخذ من السندباد علما على تجربته الشعرية ، وعدّ نفسه راحلًا أبديًا في سبيل المعرفة ، وقد حاول عبر هذا الرحيل أن يعثر على اللغة الفطرية البكر. وفي ديوانه (نهر الرماد ) بدأ بالرحيل من أجل المعرفة والبحث عن ماهية الوجود ، وانتهى بذوبانه في نهر الجوع، والتطلع إلى ازدهار الحياة .وفي (الناي والريح)ديوانه الثاني واصل الإيمان بالبعث العربي ، وانتهى بمعاينة البعث في بشارته لأمته بأنها ستعود إلى سابق ازدهارها .أما في ديوانه الأخير (بيادر الجوع ) فقد بدا مليئا بالألم الكظيم ،كسير القلب والروح ،وهو يعبر عن مرارة انتظاره وسأمه الانبعاث الذاتي العربي .وداخل هذا الشعار الكلي لتجربته نثر كثيرا من الرموز الفنية واستخدم كثيرا من الأساطير .
وتأثرا بإليوت في (الأرض الخراب ) وجد السياب في الإيقاع الأساسي للطبيعة في أساطير الحضارات الزراعية الأولى إيقاع تتابع من الجدب والإزدهار ، موت الخضرة وانبعاثها من قلب التربة الموات ، بما يوثق صلتها بصلب المسيح وقيامته ومافي صلبه من معنى التضحية وفداء الإنسانية لتحيا _بعد ذلك _محررة من نار الخطيئة الأولى . والبعث في قصائد السياب نزعة أصيلة في نفسه وفنه يتجول فيها نفسيا وفنيا من خلال أسطورة من أساطير الانبعاث الكبرى (أسطورة تموز ) مع تأصلها في فنه _مع صلب المسيح وقيامه وتواصل التعبير عن تموز وعشتار ،أو التعبير بجزء من الأسطورة ، واستحضار دلالتها العامة دون مسميات وبهذا تتعدد وسائل التعبير _بأسطورة تموز عند السياب كما تتعدد روافده في التعبير عن فكرة البعث ، مما يؤكد أصالة فكرة البعث في نفسه.
وأكبر ما يتهدد الشاعر في الاهتداء إلى أسطورة كبرى ، وكثرة التعبير بها أن تتحول إلى صيغة عامة جامدة يفقد _بالتعبير بها دقة تصوير مختلف الزوايا النفسية ، وقد حاول السياب أن يتجنب ما يصيب الأسطورة من جمود ، بتطويعها إلى تجاربه المختلفة ، والاستعانة بمصادر أسطورية أخرى ليخصب رمزيتها وينوع دلالتها .و السياب أكثر الشعراء ورودا على الأساطير ، وأسطورة تموز تحتل مرحلة خصبة من حياته، أما ما قبل المرحلة التموزية فقد كان السياب يستعين بمختلف الإشارات الأسطورية دون التركيز على أسطورة معينة مثل ديوانه (أزهار وأساطير )، وقد ارتكزت هذه المرحلة في الأغلب على الأسطورة اليونانية ، مع بعض الإشارات إلى المصادر العربية والإسلامية كقابيل ويأجوج ومأجوج ، وفي المرحلة التموزية صاحبه تفتح على المصادر المسيحية وبخاصة حادثة صلب المسيح ، وإحياء لعازر، وفي المرحلة الأخيرة تتنوع الإشارات الأسطورية مع بعض التركيز على شخصية السندباد، وصنوه عوليس كطرف مضاد لشخصية الشاعر وحياته ، فكلاهما جواب آفاق ولكن أحدهما مغامر ناجح والآخر(الشاعر)مفروض عليه أن يرحل عن الديار وأن يجتاز البحار ، مريضا ينشد العلاج . وكان أيوب هو الرمز الذي أضافه السياب في ديوانه(المعبد الغريق ) و(منزل الأقنان )، غير أنه تخلى عن الإشارات الأسطورية ، واعتمد على الغناء الذاتي ،الذي يفيض بالتعبير عن محنة مرضه وانتظاره للموت وعجزه عن الإبداع الفني.وحاول في مراحله الأخيرة أن يخصب أدواته الفنية باكتشاف رموز الطفولة ، وعلاقاته بالأم والقرية ، وأعطت هذه الرموز لبعض قصائده أبعادا بالإيحاء ، واستطاع أن يعثر على رمز للأمل الهارب _بما يتلاءم مع حالته النفسية في (إرم ذات العماد ) ولإرم ذات العماد حديث طويل في الأساطير العربية القديمة _فيما قبل الإسلام.
أما عبد الوهاب البياتي فمنذ ديوانه الباكر (أباريق مهشمة) حاول أن ينثر الإشارات التاريخية والأسطورية مثل :هولاكو، وهارون الرشيد ،ومامون(إله لما في الأساطير اليونانية ) وشهرزاد وسدوم وسيزيف، إلا إنه وقع بجملة من العيوب الفنية أهمها:
1_التصوير الآلي للواقع دون محاولة للانتقاء الفني .
2_الشعارات السياسية التي تمتلىء بها رقعة القصائد .
3_الطابع النثري في كثير من القصائد مثل ديوان( عشرون قصيدة من برلين).
ونثر صلاح عبد الصبور بعض الإشارات في شعره مع اتجاه واضح إلى تجسيد الحالات النفسية كالحزن والحب، متخذا رموزه من الواقع الإنساني ومن الطبيعة ،أما حين لجأ إلى الرموز الأسطورية فقد سار في اتجاهين :
*التماس قناع من شخصيات التراث .
*الاعتماد على نظير مرئي على سطح القصيدة.
وقد اشتبكت أقنعته ورموزه الأسطورية برمزه الأسطوري السندباد .ولعله كان أسبق معاصرينا إلى استخدام هذا الرمز، وتقمصه في قصيدته(رحلة في الليل) من ديوانه الأول(الناس في بلادي) .وقد مر بمراحل عدّة :
_السندباد في مرحلته الأولى : رحلته هي رحلة الفنان ومغامرته في سبيل الإبداع الفني ، وهي الطريق بين التجربة النفسية للشاعر واضطرامها داخل كيانه، وبين وصوله إلى مرافىء الورق حروفا نابضة بعذابه مضيئة برؤيته الجديدة للأشياء.
_السندباد في مرحلته الثانية يعيش سأما وتعاسة روحية ، لم تعد تشوقه رغبة ، ويموت رعبا ويحيا توجسا وخوفا لأننا نحيا كما يقول صلاح عبد الصبور في زمن الحق الضائع، فحياة الفنان في المجتمع المعاصر متجمدة ولا إثارة في الأشياء.
_السندباد في مرحلته الثالثة يحاول ألا يجد طريقه عبر العالم الخارجي ، بل يشتق طريقه عبر عالمه النفسي ويرحل في أغوار ذاته ، وفي كتاب صلاح (حياتي في الشعر)حديث عن مرحلة تحول فكري خطير مر بها .