يعتبر «الرمز» علامة تمثيلية .. تمثّل مفهوما معيّنا هو صورة عنه . والرمز أداة تعيّن حقيقة توحي بحقائق أخرى غائبة وغامضة» . وقد اخترنا موضوع الرمز الديني، لدى الشاعر يوسف الخال، فمن أجل ان نكشف عن جانب من رؤية الشاعر الفكرية، التي لم يتوان الشاعر يوسف الخال، ومؤسس مجلة «شعر»(1959)، عن تنميتها وجعلها السمة الأبرز في نتاج الشعراء التمّوزيين، من أمثال بدر شاكر السياب، ويوسف الخال، وعلي أحمد سعيد(ادونيس)، وخليل حاوي، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصّبور، وغيرهم ممن استبحروا في «معنى التجربة الشعرية، وتحقيق الوحدة العضوية ..وعملوا على التجديد في الصورة الشعرية، حتى باتت مشهدا كاملا من الرؤى، مذروّة في الظاهر على غير نظام، متكاملة في الجوهر، متماسكة، بحيث يضحى المشهد، أو تضحى الأسطورة ..صورة تحوّلت الأفكار فيها والمشاعر أشكالا رمزية معادلة لنموّ المأساة واحتدام الصراع في الشاعر» (كرم، غطّاس، 2004ط2).
ومثل أنطون غطّاس كرم، أكّد عبد الواحد لؤلؤة (شعر، 1969)، ما مفاده أنّ شعراء مجلّة «شعر» اللبنانية (مؤسسها يوسف الخال) كانوا قد تأثّروا بالتراث الشعري الإنساني، ولا سيّما ذلك الذي ينقل في طيّاته مأساة الوجود البشري، ويرسم صورة قاتمة للغاية عن العالم بعد الحربين العالميتين اللتين عممتا الخراب على الدنيا، مستعينين لذلك بالرموز والصور والأساطير . ومن هؤلاء الشعراء الذين ترجمت أعمالهم، في المجلّة، ت.إس .إيليوت، وعزرا باوند، ووردزورث، ومروين وغيرهم .على أن هؤلاء الشعراء، إذ تولّوا ترجمة أعمال نظرائهم في العالمين، الأنكلوفوني والفرنكوفوني كلا بحسب ثقافته (أبوزيد، عقيدة الحداثة، السفير، 9، شباط، 2007)، تأثّروا بهذه الأعمال، وانعكس تأثرهم في أساليبهم وكتابتهم الشعرية، وأنماط صورهم الشعرية ورموزهم وعوالمهم .
ولعلّ الشاعر يوسف الخال، ذا الثقافة الانكليزية، والهوى الانكليكاني أو الانجيلي (البروتستانتي )، إذ تمثّل التراث العالمي في ذاته، على ما ذكرنا، وأدرك، بعين المتأمل، جوهر التسامي في التراثات الإنسانية القديمة والجديدة، اندفع الى حركته الشعرية بمجلّة «شعر» و«أدب»، يفتتح فيهما مرحلة الثورة، ميتافيزيقيا وإنسانيا ؛ومن هذا المنطلق، «يدخل يوسف الخال مملكة المسيح، الشخص الإله . المسيح الحرية . الحضور الأبدي الخلاّق . المسيح الشخص، هو البداية ليوسف الخال، والنهاية. هو الجذر والخلاص …. وهذا الشعر، لا تضيئه البصيرة الإغريقية، مرورا بالتوراة ومناخها الأسطوري وحسب، وإنما هو أيضا شعر إيمان مسيحي يؤكّد بوعي وشعور كاملين أنّ الرب تجسّد إنسانا وأنه مات وبعث …»(علي أحمد سعيد-أدونيس في «قصائد مختارة ليوسف الخال، 1965 ).
وفي هذه المقدّمة التي صاغها أدونيس، مقدّما اعمال الشاعر يوسف الخال، أورد الناقد ما مفاده أن مؤسس مجلة «شعر» لبث يصدر عن رؤيا شعرية طرفاها: الإيمان المسيحي وما يتطلّبه من منزع خلاصي متّصل بالطبيعة والإنسان، المتأرجحين بين الخطيئة والنعمة، وتجديد في الكتابة الشعرية هو «انعكاس لحرية أعمق هي حرية الرؤيا»(أدونيس).
وبالعودة الى مدوّنتنا، «البئر المهجورة»، وهي المجموعة الشعرية التي كانت صدرت للشاعر، عام 1958، عن دار مجلة «شعر»، نجد أنّ الشاعر يوسّع مروحة الصور حاملة الرؤيا، على حد قول أدونيس ؛ فمنها أساليب (إنشائية ) خاصة، تترجم عن إيمان ثابت بالله، في سياق مخاطبة الشاعر الله، وأهم هذه الأساليب الدّعاء: «ربّاه دعني ههنا»، ربّاه دعني ههنا لديك «إلهي، أغلق القلب على السّرّ / ودعني أجمع الذكرى بعينيّ»، «مدّ لي يا ربّي شطآن خلاصي».
ومن يتتبع الطرح الذي لا يزال الشاعر يعرضه في القصيدة (الجذور )، يتبيّن له أن الشاعر، وإن بدا مؤمنا شديد الإيمان بالمسيح، فهو ضنين بجذوره الشرقية، بأرضه لا يرضى مغادرتها، رغم كل دواعي الموت التي تحيق به. حتّى لكأنّ الدعاء السالف، الذي يستحضر فيه الشاعر الله، إن هو إلاّ استغاثة أو ترجّ أخير يطلقه الشاعر، في ما يشبه اليقين بقدريّة الشرق، وثقل الإرث الحضاري فيه، واستفحال العدوانية بين مواطنيه. بيد أنّ إرادة الشاعر الخال بالبقاء في أرضه، هي نوع من الشهادة على لزوميّة الجذور لوجود الإنسان، ولهويّته وانغراسه في الهُنا(كيركيغارد)، غير أنها (الجذور )، وما تعنيه من مادّية ناسوتية، تلبث مرذولة من الله، أو يلبث الكائن الأسمى متساميا عليها، داعيا الى تجاوزها، باعتباره ذلك التجاوز شرطا أساسيا من شروط الخلاص («ما مملكتي من هذا العالم ..»يوحنا، 18-19). ومع ذلك، تجد الشاعر، المؤمن والأمين لشرط إنسانيّته، ميّالا الى ذلك الانغراس، في الأرض، وفي مادّيتها، تعاطفا معها ومساهمةً منه في احتضانها البشرية، ولادة وموتا .(«فالموت والحياة واحد/ والأرض وحدها البقاء »).
ولعلّ القصيدة (الجذور) معرضٌ لإرادتين متعاكستين: إرادة الإنسان وخلائق الطبيعة في الانغراس بالأرض، تقابلها إرادة الإله في التسامي، وحثّ الإنسان على ترك شروطه المادية، والتعالي نحو الألوهة.
ولئن كان أسلوب الدعاء بارزا في قصيدة «الجذور»، حيث تسود الخطابية الدينية الفكرية، فإنّ الرموز الدينية، التوراتية منها والمسيحية، تعمر قصيدتين (الحوار الأزلي، مومانتو موري )، من مجموعة «البئر المهجورة «التي نحن بصددها .
أ-الرموز التوراتية :
الطوفان، ورق التين، إسحق، أيّوب، المنّ والسلوى، إضرب الصخرة .
ب-الرموز المسيحية :
-الجرح، الروح، الخطايا، دحرجة الصخرة، صليب الله، المزود، نهض من القبر، لحمه خبزا، ودمه خمرا، خُبّىءالضوء بمكيال، عذارى.
إنّ اللافت في الأمثلة الدالة على الرموز، في القصيدتين السابق ذكرهما، غلبة الرموز المسيحية على الرموز التوراتية، واصطباغ الموضوعات فيهما بالصبغة المسيحية الخالصة . ذلك أنّ الرموز التوراتية، المشار اليها، إذ ترد في السياق الأكبر، حيث يطغى موضوع الخطيئة، في مقابل النعمة والخلاص -وهو من مأثور اللاهوت البروتستانتي الإنجيلي – فإنها مستفادة للتأمّل في تجربة الإنسان المسيحي مع الخطيئة .
وعلى المستوى الأسلوبي يدرك الشاعريوسف الخال، ومعه رعيل الشعراء التموّزيين، أن الرمز «بقية التصفية الفكرية، والجوهر الأقصى في كل تشبيه . وأن الرمز يفترض فكرة عن علاقة المرء بالطبيعة أو بما وراءها» (أنطون غطّاس كرم، الرمزية والأدب العربي الحديث، 2004ط -2).كما أدرك هؤلاء جميعا أن الرموز، بغضّ النظر عن مرجعها ومضمونها، من شأنها أن تكسب شعرهم قدرا من الإيحاءات متعاظما، مما تعجز عنه اللغة العادية والتقليدية اليومية، على حدّ سواء .
وبالعودة الى الرموز التوراتية، الواردة في القصيدتين، يجدها القارىء ذات دلالة على تجربة الإنسان الخاطىء؛ فهو لا يزال يحمل، في ذاته آثار الخلاص النخبوي العتيق (الطوفان). وإن آلمته الخطيئة، واشتدّت تجربتها عليه، في صحراء الحياة، فما له سوى أن يتناول نفس الغذاء الذي تركه الله لموسى وجماعته المؤمنة، في الصحراء، وهو المنّ والسلوى، وأن يتصبّر صبر أيوب.
أما الرموز المسيحية الغالبة، على ما ذكرنا، فهي بلا شكّ عماد المستوى البياني- الدلالي لديه .حتّى ليمكن القول إن هذه الرموز كادت تغني الشاعر عن استخدام الصور البيانية، التقليدية منها والجديدة ما دامت الأولى صورا أعظم إيحاء، على ما أسلفنا. فعلى توالي هذه الرموز المسيحية، تتبدّى للقارىء سمات المؤمن المسيحي المثالي والمعاصر، الذي يرى الى العالم من منظار البراءة (المزود)، والإيمان المطلق بالمخلّص (إله لم يمت)، والمستعين بعلامة الخلاص (صليب الله) إبّان التجربة، والمتيقّن بالقيامة (نهض من القبر) مع المسيح، والمحتفل بذكرى الإله من خلال سرّ القربان (لحمه خبزا، ودمه خمرا).
ولكن، هل يمكن القول، لدى تثبّتنا من طغيان الرموز المسيحية في شعر يوسف الخال، أن خطاب الشاعر دينيّ بامتياز، وأنه لا يمكن إدراجه في رعيل الشعراء التمّوزيين الذين غلب على أعمالهم الإتجاه العلماني والقوميّ ؟
للإجابة نقول: لئن صحّ أن ما عرضناه دلّ على منحى مسيحي إنجيلي، قدّم له أدونيس، وأنّ الشاعر تمثّل في نصوصه الشعرية الأولى تجربة الشكّ والإيمان التي تعتري المؤمن المسيحي، على ما ذكرنا .
إلاّ أن الشاعر لم يهمل الصور البيانية الأخرى (غير الدينية)، ولا أهمل الرموز الأصيلة، من نصوصه الأولى ولا من أعماله المتاْخّرة، ولا سيما «قصائد (Images archaiques) في الأربعين»، و«قصائد لاحقة»، وغيرها، مما يستدعي دراسة منفصلة .