من السنن الإلهية الحكيمة الجارية في الخلق “سنة التفاضل”، هذه السنة التي أجراها سبحانه في سائر المخلوقات، حيث جعل لها رُتبا ودرجات، ومراتب وطبقات، ففاضل بين الأجناس والأنواع والأفراد في جميع الأشياء. فضَّل بعض الأمم على بعض، وبعض الناس على بعض، وبعض النبيئين على بعض…، ومن وجوه التفضيل هذه، تفضيله تعالى لبعض الأيام والليالي على بعض، وبعض الشهور على بعض، وإضافتُها لنفسه احتفاء بها وتشريفا لها وتعظيما لشأنها، فجعل لها بذلك حرمة وقدسية ومكانة، وأمر رسله عليهم السلام بتنبيه الناس إلى هذه المزية وتذكيرهم بهذه الأفضلية، من ذلك خطابُه تعالى لكليمه موسى عليه السلام بقوله:” ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن اخرِج قومك من الظلمات إلى النور، وذكرهم بأيام الله”، وحكمة التذكير بأيام الله هذه، التماس ما فيها من فتوحات والتعرض لما فيها من نفحات، كما جاء في حديث نبينا صلى الله عليه وسلم: “ألا إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها”. (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: )14/125 [15861]، وفي الأوسط: 6/422 [2966]). ومن الشهور التي خصها الله تعالى بالتكريم والتفضيل شهر ربيع الأول، هذا الشهر المبارك الذي له مكانة خاصة في قلوب المسلمين قاطبة، وفي قلوب أهل الوراثة المحمدية خصوصا، فكلما اقترب هلال هذا الشهر على البزوغ إلا وحمل إليهم ذكرى ميلاد سيد الوجود وحبيب الرحمن، الذي بفضل رسالته صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس. ولا شك أن لكل أمة عظيمة تاريخ وذاكرة وذكريات، ومن شأن الأمم العظيمة أن تحافظ على هُويتها بالاحتفاء بأمجادها وذكرياتها وتخليد أيامها العظيمة. فإذا كان هذا الشهر قد كرمه الله بهذه المزية، فهل يجوز من هذا المنطلق تعظيمه والاحتفاء به باعتباره من أيام الله التي ينبغي التذكير بها، ومن نعمه التي ينبغي شكرها والتحدث بها؟ أم أنه بالمقابل يجب أن يمر هذا الشهر وذلك اليوم كسائر الشهور والأيام، دون التفاتٍ إلى ما أنعم الله به علينا فيه، ودون شكره على ذلك؟ وما حكم اجتماع الناس للاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك الكريم؟ لعل أولَ ما ينبغي على العالِم وعلى الباحث فِعله عندما يُطرح عليه مثل هذا السؤال، هو النظر فيما مضت به الفتوى في هذا المجال، حتى لا يحكم بما يُخالف اجتهادات علماء الإسلام وهو لا يدري. والملاحظ أن كثيرا من الناس لا يلتزمون هذا الشرط، وكأن المسألة جديدة لم يَسبق أن عُرضت على علماء الإسلام أو تكلموا فيها. مع أن المقرر في أصول العلم أن المُتحدث في مسألة تكلم فيها العلماء خصوصا إذا اختلف معهم في الفتوى، أن يستحضر قولهم وأدلتهم ثم ينقضها واحدا واحدا، ثم بعد ذلك يشرع في الاستدلال لصحة ما يذهب إليه، كما فعل الإمام السيوطي رحمه الله حين استحضر رسالة الإمام الفاكهاني “المورد في الكلام على المولد” كاملة بأدلتها، قبل أن يُدلي برأيه في المسألة. بعد هذا نقول إن مسألة الاحتفال بالمولد من المسائل التي عُرضت على العلماء قديما وتعددت فتاواهم فيها عبر العصور. وقد اختلفت مضامين تلك الفتاوى بين مجيز للاحتفال بإطلاق، ومجيز بشروط وبتحفظ، ومانع من غير توقف ولا تحفظ. والراجح فيها عند جمهور من أفتى منهم جوازُ الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم وجَمعِ الناس عليه، وتعريفِ الناس بشمائله الكريمة وبسيرته العطرة، وهذا الترجيح هو بحسب عدد القائلين بالجواز من العلماء من جهة، ووزنهم ومكانتهم في العلم من جهة ثانية، وكثرة المصالح التي يُحققها الاحتفال بذكرى المولد، في مقابل قلة المفاسد التي نبه إليها المتحفظون والمانعون، والتي إذا زالت من الاحتفال زال ما بنوا عليه رأيهم من المنع بلا إشكال. وقد جمعتُ بعض فتاوى أهل العلم في المسألة مرتبة حسب التسلسل الزمني لعصورهم. ولا بأس من البداية برأي المانعين وأدلتهم، ثم نَعطِف برأي المتحفظين والمجيزين وردودهم على تلك الاعتراضات. قال صالح الفوزان في رسالته:” حكم المولد”، مستقصيا القائلين بمنع الاحتفال بهذه الذكرى:
“فمِمّن أنكر الاحتفال بهذه المناسبة شيخ الإسلام ابن تيمية في “اقتضاء الصراط المستقيم”، والإمام الشاطبي في “الاعتصام”، وابن الحاج في “المدخل”، والشيخ تاج الدين علي بن عمر اللخمي[الفاكهاني] ألَّف في إنكاره كتاباً مستقلاً، والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه “صيانة الإنسان”، والسيد محمد رشيد رضا ألَّف فيه رسالة مستقلة، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ألف فيه رسالة مستقلة، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وغير هؤلاء ممن لا يزالون يكتبون في إنكار هذه البدعة كل سنة في صفحات الجرائد والمجلات، في الوقت الذي تقام فيه هذه البدعة”. ونزيده على إحصائه من أغفل ذكرهم أيضا من المعاصرين المُحرِّمين للاحتفال بالمولد بالإضافة لما ذَكر: الشيخ ناصر الدين الألباني ومشايخ السعودية: كالشيخ ابن العثيمين وابن حميد، ومن المصريين عبد الرحمن عبد الخالق، ومن الكويتيين حامد العلي، وكلهم من متشددي علماء المدرسة السلفية المتأخرة. وقد أورد الفوزان هنا قسمين من العلماء، عددٌ من المتقدمين إلى حدود القرن العاشر الهجري، وهم أربعة، وعدد من المعاصرين. فأما المتقدمون فلا يصفو له منهم في المنع بإطلاق إلا اثنان، الشاطبي والفاكهاني، وأما ابن تيمية وابن الحاج، فمن المتحفظين من الاحتفال، بحيث إذا زال تطرقُ البدع لذكرى المولد فقد قالوا برجاء الثواب والقَبول لفاعل ذلك كما سيتبين من إيراد أقوالهم. وأما المعاصرون الذين ذُكروا فلا يمثلون إلا قولا واحدا هو قول متشددي المدرسة السلفية المعاصرة، ولا سلف لهم في هذا القول إلا ثلاثة على أبعد تقدير، بالتسليم جدلا بموافقة ابن تيمية للفاكهاني والشاطبي. ومن هذا المنطلق نبقى مع أدلة المانعين بإطلاق من المتقدمين والأمور الباعثة على التوقف عند المتحفظين. فأما الفاكهاني فقد قال أن إحياء المولد – باعتبار أن النبي عليه السلام لم يحتفل به ولا احتفل به الصحابة الكرام، لا يخلو إما: “أن يكون مكروها أو حراما، وحينئذ يكون الكلام فيه فصلين، والتفرقة بين حالين، أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يُجاوِزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الآثام، وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذْ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سُرُج الأزمنة وزين الأمكنة. والثاني: أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تَتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: أخذ المال بالجاه كأخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى، بآلات الباطل من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المُرد والنساء الفاتنات، إما مختلطات ﺑﻬن أو مُشرِفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواﺗﻬن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: “إن ربك لبالمرصاد”، وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أﻧﻬم يرونه من العبادات لا من الأمور المُنكرات المحرمات فإنا لله وإنا إليه راجعون، [بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ]. فأما أن المولد لم يحتفل به النبي عليه السلام ولا الصحابة الكرام كما ذكره ابن تيمية أيضا وهو أقوى ما تمسك به المانعون، فتحصيل حاصل، إذ لو فعلوه لكانت المسألة منصوصة لا نحتاج للاستفتاء فيها ولا الاختلاف في تقدير حكمها، وإنما رُفعت هذه المسألة للعلماء باعتبار أن بعض الناس لما لحِظوا مشاركة بعض المسلمين للنصارى في أعيادهم، -خصوصا في الاحتفال بمولد السيد المسيح عليه السلام، ورأوا أن ذلك فيه فتحُ بابٍ لاستمالة العامة والصغار، بحيث صارت معرفتُهم بمناسبات النصارى والشهور الشمسية أكثرَ من معرفتهم بأيام الإسلام وأحداثه من الهجرة والإسراء والمعراج والمولد وغيرها- أخذتهم الغيرة لذلك فاستفتوا العلماء في جواز أن يصرفوا عناية الناس عن ذلك إلى العناية بأيام الإسلام وذكرياته العظيمة. فكانت هذه قضيةٌ حادثة تحتاج إلى حكم من المجتهدين ليروا هل لها أصل في الدين، أم أنها لا أصل لها فيه، فأفتى أكثرهم بأن لها أصلا في الدين، خصوصا وأن النبي عليه السلام كان يصرف الصحابة إلى الحديث عما أولاه الله من المنن، وبما فضله الله به من العطاء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : “جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، قال بعضهم : إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وقال آخر: موسى كلمه الله تكليما، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: “قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن ابراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجي الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حَلق الجنة فيفتح الله لي فيُدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر”. (أخرجه الترمذي، تحفة الأحوذي )1/86)، والدارمي (1/26)، والقاضي عياض في الشفا (1/408). وهو حديث قوي وله شواهد، رواه البيهقي في دلائل النبوة، (5/270-500) وأصله في الصحيحين).فكانت هذه الفتوى من جمهور العلماء مستندة إلى هذا النظر المقصدي بنية صرف الناس عن أيام الأمم الأخرى إلى أيام الإسلام وذكرياته. والعجب كل العجب من القائلين بالتعليل بالمقاصد كيف يبدعون هذا الاحتفال، فهل التذكير بالنبي عليه السلام وبشمائله في أي وقت وفي كل وقت من المصالح أو من المفاسد؟ أليس من حفظ الدين تذكير المسلمين بأيام الإسلام ومنها يوم ميلاد سيد المرسلين؟ أليس بعث الله محمدا ليحل الطيبات ويحرم الخبائث، أتُرى تعظيم يوم ميلاد أبي الطيب من الطيبات أم من الخبائث؟ وأما كلام الفاكهاني فإنه كما هو ظاهر فيه خروج شديد عن موضوع الفتوى – من جواز الاحتفال على طريقة السلف في الاحتفاء بالأيام الفاضلة أو عدم جوازه- إلى التفصيل في المخالفات التي تصدر من بعض الناس بعد الاجتماع للاحتفال، فلا شك أن ما ذكره الشيخ حرام بمفرده دون انضمامه إلى الاحتفال، فكيف يُسمى هذا الاجتماع والاختلاط ونهبُ الأموال لِفعل ذلك تعظيما لمولده عليه السلام، بل هذا لعمري استهزاءٌ بذلك اليوم العظيم، وهذا لا يختلف اثنان في شناعته في سائر الأيام، فضلا عن فعله في يوم من الأيام الفاضلة. وفي مثل هذا الخلط وعدم تحديد مناط الفتوى قال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله في كتابه قانون التأويل: “هذا التقصير هو الذي يزل فيه المدعون للعلم، فإنهم ينكرون القول لحرف فيه مزج من الباطل، وإنما ينبغي أن يُفرَّق بينهما ويُخلَّص أحدُهما من الآخر، والإنصاف دين”. (ص:247). ولذلك نقول إن الاحتفال الذي يُستفتى فيه كما قال الإمام السيوطي هو الاجتماع بالذكر وقراءة القرآن والصلاة على النبي العدنان وذكرِ أخلاقه وشمائله عليه الصلاة والسلام، وأن يُعَد لهم سِماط يأكلونه من مال حلال، ثم ينصرفوا من غير زيادة على ذلك ولا نقصان. ومن ثم كان كلام الفاكهاني خارجا عن المسألة المُستفتى فيها، مُخبِرا عن مسألة أخرى وهي ارتكاب الحرام وإساءةُ الأدب في يوم من الأيام الفاضلة، وهكذا كلام أكثر المعاصرين من المانعين، إنما يتكلمون كثيرا في المخالفات الواقعة عند ذلك الاجتماع لا في نفس الاجتماع، وكذلك المتحفظين، ومن ثم نمر إلى أدلتهم في الاجتماع في ذلك اليوم إذا خلا من المخالفات وأنواع البدع المكروهة والمُحرمة. ومن أقوى الأدلة التي تمسكوا بها أيضا: أن في هذا الاحتفال مضاهاة للنصارى في الاحتفال بميلاد المسيح عليه السلام، وتشبها بهم في ذلك، وقد نُهينا عن التشبه بهم. وجوابه أن تعظيم الأنبياء ومحبتهم ليس مما نهينا عن مشابهتهم فيه، ودليله أن النبي عليه السلام لما علم بصيام اليهود يوم عاشوراء احتفاء بذلك اليوم وشكرا لله لأنه نجى موسى فيه، لم يخالفهم في الاحتفاء به وفي صيامه، بل وافقهم في تعظيمه وفي صيامه، وإنما خالفهم بأنْ زاد وبالغ في شكر الله أكثر منهم لأنه أولى بموسى منهم، فأمر بصيام التاسع والعاشر، وكذلك ينبغي علينا نحن أن نزيد أكثر منهم في الاحتفاء بنبينا عليه السلام، لأنه خير النبيئين، ولا حدَّ لذلك كما قال الإمام البوصيري رحمه الله:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم /// واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فإن فضل رسـول الله ليس لـــه /// حـــد فيُعـــرب عــنه نــاطـق بفــم
فإن قيل إن النبي عليه السلام لم يفعل ذلك ولا حض عليه وكذلك الصحابة، وتركُهم دليل على المنع؟ فنقول إن الترك قد يكون دليلا على المنع لو أن ذلك عُرض عليهم أو اقتُرح عليهم أو قام مقتضاه وتركوه، والحق أنهم لم يتركوه، وإنما لم يفعلوه لعدم قيام المقتضى ووجود المانع. فأما عدم قيام المقتضى في زمن النبي عليه السلام، فلأن المقصد من إقامة المولد تعظيم النبي عليه السلام ومحبته والتذكير بشمائله، والصحابة كانوا معظمين للنبي عليه السلام محبين له لا يحتاجون إلى من يذكرهم بشمائله وهو يسعى بين ظهرانيهم كقرآن يمشي على الأرض، مع أنه عليه السلام نبههم إلى أنه يُعظم اليوم الذي وُلد فيه ويشكر الله عليه، لقوله في صيام الاثنين: “ذلك يوم وُلدت فيه”، فيكون تعظيم الشهر من هذا القبيل، باعتباره شهرا وُلد فيه. لذلك كانت تقام الاحتفالات بمكة في كل أيام الاثنين من شهر ربيع الأول. وأما عدم قيام المقتضى في زمان الصحابة الكرام، فلأنهم لم يكن الناس على عهدهم يُشاركون الكفار وأهل الكتاب في أعيادهم بما ظهر بعد عصر الصحابة. وأما وجود المانع فلانشغالهم بحروب الردة ونشر الإسلام وقيام الفتنة بمقتل عثمان رضي الله عنه، وبتدوين الدواوين وجمع السنة وغير ذلك من الأولويات، وكلما حدث مقتضى شيء فعلوه. ومثال ذلك أن النبي عليه السلام لم يجمع القرآن في المصحف، فلما حدث مقتضى جمعه من مقتل القراء والحفاظ ومخافة أن يذهب كثير من القرآن بمقتلهم، تَوَجب فعل ذلك وإن لم يفعله النبي عليه السلام، فلما قالوا لعمر كما يقول المانعون اليوم: “كيف نفعل شيئا لم يفعله النبي عليه السلام”، قال: “هذا والله خير”، فلنا فيهم أسوة حسنة بإحداث أقضية لمعالجة الخلل الذي يقع أو يستجد في المجتمع الإسلامي، نحو قول عمر بن عبد العزيز: “تُحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوا من الفجور”. فلما ظهر مُقتضى ذلك اجتهد العلماء فأفتوا بأن الاحتفال له أصل في الدين وإن لم يَفعله السلف، والعامل بمقتضى قول إمام مجتهد فليس بمبتدع في الدين كما قرره العلماء. وأما المتحفظون الذين سردهم الشيخ الفوزان في المانعين، وهم ابن تيمية وابن الحاج رحمهم الله، فقد قال ابن تيمية[728هـ] في اقتضاء الصراط المستقيم: “فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم”، وهذا الأجر هو المقصود، وإن أخطأ المُفتون بالجواز، فإن المجتهد إذا أخطأ فله أجر الاجتهاد، ومتبعه مأجور إن شاء الله.
أما العلامة محمد بن عبد الله بن الحاج الفاسى القيرواني التلمساني المالكي[737هـ] فقد كره ما يُستعمل في هذه الذكرى من آلات الطرب والاختلاط فتحفظ من ذلك، ثم قال في تبرير الاحتفال بهذا الشهر والرد على المانعين: “فكان يجب أن يُزاد فيه من العبادات والخير شكرا للمولى سبحانه وتعالى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة، وإن كان النبي عليه السلام لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات، وما ذاك إلا لرحمته بأمته ورفقه بهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يُفرض على أمته رحمة منه بهم[..] لكن أشار عليه السلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الإثنين فقال عليه الصلاة والسلام: “ذلك يوم ولدت فيه”، فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي وُلد فيه، فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة وهذا منها، [..] فعلى هذا فينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يُكرَّم ويعظم ويُحترم الاحترام اللائق به، وذلك بالاتباع له في كونه عليه الصلاة والسلام كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات”، ثم أجاب من يسأل لِم لم يلتزم النبي عليه السلام في هذا الشهر ما التزمه في الأوقات الفاضلة؟ قال: “فالجواب [..] إنما هو ما قد عُلم من عادته الكريمة في كونه عليه الصلاة والسلام يريد التخفيف عن أمته والرحمة لهم سيما فيما كان يخصه عليه الصلاة والسلام”. (المدخل، 2/ 229-230) . فكيف يُعد ابن الحاج بعد هذا كله من المانعين من تعظيم يوم المولد والاحتفال به عند ذي صدق أو عقل؟وأما العلماء الذين أفتوا بالجواز فإن المشهورين منهم فقط لا يُحصون كثرة، ولا يُضاهون علما، فمنهم:
1- أبو الخطاب ابن دحية الكلبي السبتي[633هـ]، ويعد كتابه “التنوير في ميلاد السراج المنير” أقدم ما يعرف من الكتب المؤلفة في المولد، ألفه لأمير إربل صهر صلاح الدين عندما رأى عنايته بالاحتفال بالمولد النبوي سنة 604هـ.
2- القاضي أبو العباس أحمد اللخمي العزفي السبتي[633هـ]، وهو أول من ندب لهذا الاحتفال بالمغرب، وألف فيه كتابه: “الدر المنظم في مولد النبي الأعظم”، وبين في مقدمته أن الذي حمله على دعاء الناس لذلك متابعة المسلمين للمسيحيين في احتفالاتهم بالأندلس وسبتة، ثم أتم كتابه وحمل لواءه في ذلك ابنه أبو القاسم محمد العزفي أمير سبتة الذي ظل يقيم هذا الاحتفال إلى وفاته سنة 677هـ، وهو الذي أشار على الخليفة الموحدي عمر المرتضى بإقامته بمراكش أيضا، وكان ابنه أبو طالب عبد الله العزفي هو الذي حدا بالمرينيين أيضا لإقامته بفاس.
3- الحافظ شهاب الدين عبد الرحمن الشافعي: أبو شامة المقدسي[665هـ] المعروف بشيخ الإمام النووي قال: “ومن أحسن ما ابتدع في زماننا هذا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم من المعروف والصدقات وإظهار الفرح والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء يُشعر بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك”. (الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص: 36).
4- الإمام تقي الدين السبكي [664هـ]: ذكر نور الدين الحلبي[1014هـ] في سيرته أن الإمام شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رئيس علماء الشافعية بمصر اجتمع عنده في مجلسه كثير من علماء عصره فأنشد الشاعر الصرصري قوله في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم:
قــليل لمدح المصطفى الخط بالذهبْ //// عــلى ورق مـــن خــط أحــسن مــن كــتب
وأن تنهض الأشراف عند سماعـــــــــــه //// قياما على الأقدام أو جثيا على الركب
فقام الإمام السبكي و قام معه كل من كان بالمجلس وحصل أنس كثير من ذلك المجلس، قال المؤلف “وعمل المولد واجتماع الناس له كذلك مستحسن”. (السيرة الحلبية، 1/128).
5- الشيخ محمد بن عباد أبو عبد الله الرندي [730هـ]: سئل هذا العارف بالله عما يقع في المولد النبوي من إيقاد الشموع و غيرها فأجاب: “الذي يظهر أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم” .(الونشريسي: المعيار المعرب، 11/278).
وقد استند العارف بالله محمد بن عباد المذكور في رسائله الكبرى إلى قصة المرأة التي نذرت أن تضرب بالدف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم سالما من الغزو فاستشف منها جواز الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة بعد أن استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوفاء بنذرها حينما رجع سالما فأذن لها و فعلت ما نذرته. والحديث أخرجه الإمام البخاري في الصحيح ووجه الاستدلال به إباحته عليه السلام للمرأة التي نذرت أن تحتفل بالضرب بالدف على رأسه إن رده الله سالما أن تنفذ نذرها بقوله: “إن كنتِ نذرت وإلا فلا”، وقوله عليه السلام في حديث آخر: “من نذر أن يطيع الله فليُطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه”، وموطن الشاهد منهما أن نذر المرأة الاحتفال فرحا بسلامته عليه السلام لو كان نذر معصية لما أباح لها الوفاء به، فلم يبق إلا أنه نذر طاعة أو مباح على أقل تقدير، فيكون الفرح بمولده عليه السلام قياسا على هذا إما طاعة وقربة أو مباحا على أقل تقدير، والمباح يحوِّله قصد التقرب إلى طاعة كما هو منصوص في محله من كتب الأصول.صولأأ
6- الحافظ ابن حجر العسقلاني[852هـ] خاتمة الحفاظ وأمير المؤمنين في الحديث: وقد استنبط تخريج جواز عمل المولد من حديث ثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه “قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون و نجى فيه موسى فنحن نصومه شكرا لله، فقال صلى الله عليه وسلم نحن أولى بموسى منكم”، قال الحافظ: “فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يُتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، […] وأما ما يُعمل فيه، فينبغي أن يُقتصر فيه على ما يُفهِم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكرُه من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة. وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحًا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، وما كان حراما أو مكروهًا فيُمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى. (الإمام السيوطي، حسن المقصد في عمل المولد، ص: 18 ).
7- الحافظ شمس الدين السخاوي[876 هـ]: وهو من المعروفين بالتشدد في مجال البدع قال: “إن عمل المولد أُحدث بعد القرون الثلاثة الأولى ثم لازال أهل الإسلام بسائر الأقطار يعملونه و يتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات و يعتنون بقراءة مولده الكريم و يظهر عليهم من بركاته كل فضل عظيم”. (السيرة الحلبية، 1/128).
8- الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي[911هـ]: وقد ألف فيه رسالته الماتعة “حسن المقصد في عمل المولد”، وضمنه أقوال العلماء المُجيزين للاحتفال بهذه الذكرى وأنه موافق لهم، وبين ثناء العلماء على أول من أحدث ذلك وهو الملك المظفر صاحب إربل أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن بكتكين [630هـ]، أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد، وممن أثنى عليه بذلك: ابن كثير في تاريخه، وسبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، وابن خلكان في وفيات الأعيان وغيرهم.
9- الإمام القسطلاني[922هـ]: ما أثبته الإمام القسطلاني في شرحه على صحيح البخاري من جواز الاحتفال بالمولد النبوي بما هو مشروع لا منكر فيه، واستشف هذا الجواز من حديث البخاري في باب الجنائز من كون أبى بكر الصديق تمنى الموت في هذا اليوم لكونه اليوم الذي ولد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ورجح أنه فيه توفي فعلا. (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، 2/475)
10- الشيخ أحمد بن زيني دحلان: مفتي الشافعية بمكة [1066هـ]، قال:”العادة أن الناس إذا سمعوا ذكرى وضعه صلى الله عليه وسلم يقومون تعظيما له صلى الله عليه وسلم، وهذا قيام مستحب لما فيه من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، و قد فعل ذلك كثير من علماء الأمة الذين نقتدي بهم. (السيرة الحلبية، 1/92).
11- الدكتور أحمد الشرباصي مفتي الأزهر في عصره: حيث قال في جواب لمن سأله عن بدعية المولد: “ورغم أن هذا العمل بدعة فهو عادة حسنة إذا خلا من المناكر ولم يصاحبه أمر غير مشروع، لأن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها من العبر و العظات ما يحيي موات النفوس و يأخذ بها إلى طريق الخير و البر…ثم قال: و لو أننا أخذنا بالنظرية التي تقول لا نحتفل بالمولد لأن ذلك ليس من الدين لقضينا على ذكريات كثيرة نجني من تذكرها و الاحتفال بها خيرا كثيرا و توعية إسلامية كبرى.هذه إذا بعض فتاوى علماء الإسلام على مر العصور في ندب أو إباحة الاحتفال بالمولد. وأقل ما يقال باعتبار مخالفة عدد قليل من علماء الإسلام لهذه الفتاوى أن المسألة خلافية فيتسع للمقلد أن يتبع أحد القولين، ومعلوم أن المتبع لفتوى إمام مجتهد ليس بمبتدع إطلاقا، كما أن المسائل الخلافية التي تَحتاج إلى حسم تُرفع من لدن العلماء لأمراء المسلمين ليختاروا أحد الأقوال، وبعد ذلك لا يجوز عند السلف مخالفة اختيار الأئمة درءا للفتنة ولمًّا لشمل المسلمين.من ذلك ما أخرجه الطبري في تاريخ الملوك والأمم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه حين حج بالناس بعد صدر من خلافته أتم الصلاة بهم في منى، فلاحظ الناس عليه ذلك، وكان أن لقي عبدُ الله بن مسعود عبدَ الرحمن بن عوف، فسأله عبدُ الله عن ذلك وقال: “ما أصنع؟ فقال عبد الرحمن: “اعملْ أنت بما تعلم”، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: “الخلاف شر”، يقصد مخالفة الإمام، قال: “قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي أربعا”، فقال عبد الرحمن: “قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول” (الإمام الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ص: 5/57)، فانظر رحمك الله كيف لم يستجز الصحابة مخالفة الإمام في مسألة منصوصة لهم دليل من السنة عليها، فكيف تصح المخالفة في مسألة اجتهادية وافق اختيار الإمام فيها الراجح من قول جمهور العلماء. لذلك كان التشنيع بالتضليل والتبديع دون مراعاة الخلاف في هذه المسألة وفي غيرها ليس من دأب أهل الحكمة والنظر والفقه في شيء، ولذلك ندعو جمهور الأمة إلى التوحد، والالتزام بأدب الخلاف وترك التنابز والتشنيع في هذه المسائل الخلافية.
د امين لغويلي