الدادائية حركة أدبيّة وفنيّة عالميّة نشأت في عام 1915 في أثناء الحرب العالمية الأولى. وقوامها السّخط والاحتجاج على العصروالرفض والتهديم لكلّ ما هو شائع ومتعارف عليه من النظم والقواعد والقوانين والمذاهب والفلسفات والعلوم والمؤسسات. إنها حركة عدميَّة Nihiliste تجلت بخاصة في حقلي الأدب والفنون التشكيلية لكنها لم تعمَّر طويلاً، إذ ما فتئت أن تلاشت في عام 1923.
كان للدادائية جذور وبوادر منذ أواسط القرن التاسع عشر ولا سيما في انطلاقات الشاعر رامبو؛ لكنها لم تتكون وتتضح إلا في مناخ الحرب العالمية التي دمّرت أوربا وكثيراً من أنحاء العالم وذهب ضحيتها الملايين من البشر وجرّت البؤس والآلام إلى الآخرين، واستعملت فيها، دون شغفة، صنوف الأسلحة الفتاكة، وتكشفت عن انسحاق الإنسان تحت عجلات هذه الآليّة الرهبية، وإفلاس جميع النظم والمبادئ والعقائد، وإخفاق حضارة القرن العشرين في جلب السعادة والسلام لبني البشر ولمّا يمرَّ أكثر من قرن على ويلات الثورة الفرنسية والحروب النابليونية وما تبعها من الاضطرابات.
وكان من أمر بدئها أن تعارف عددٌ من الأدباء والفنانين من مختلف الجنيسات، وجدوا أنفسهم في مدينة زيوريخ في سويسرا في منجاةٍ من شرور الحرب، فأخذوا يجتمعون في “ملهى فولتير” ويتذاكرون مشاعرهم المشتركة ويتبادلون آراءهم النقدية في جو من الصراحة والحرية، فإذا بهم يلتقون عند نقطة الرفض والتمرّد والقرف واليأس والشعور بالعبثية والفرار السلبيّ من هذا العالم، إلى عالمٍ مبهم متخيّل، عالمٍ أبيض ليس نقياً من كل دنس فحسب بل من كل شيءٍ مكرّسٍ سابق.
وكان أبرزهم الكاتب الروماني تريستان تزارا الذي التفّ حوله عددٌ من الأدباء من شتى الجنسيات وانضم إليهم بعض الفنانين مثل بيكابيا ودوشامب. وقد أختاروا لحركتهم اسم “دادا” الذي اقترحه تزارا واشتقوا منه “الدادائيّة” لأنه يذّكر بالطفولة البرئية التي ليس لديها موروث، بل كل ما في عالمها جديد ووديع أضف إلى ذلك أنهم كانوا كأطفال لا يعبؤون بالمستقبل ولا بقواعد اللغة وعلاقاتها المنطقيّة.
وأصدرت هذه المجموعة في عام 1917 مجلة تحمل اسم “دادا” لتكون لسان حالها ومجال أقلامها. وأصدر تزارا سبعة بيانات تعبر عن منهجالدادائية. وقد ورد في البيان الأول قوله.
“دادا هي تدفّقنا، إنها تنتصب سكاكين حربٍ تافهة ورؤوس أطفال ألمانية… دادا هي الحياة بدون نعال لغرف النوم أو ما يوازيها.
إنها ضد ومع الوحدة، وبالتأكيد ضد المستقبل. نحن حكيمون إلى درجة كافية لندرك أن عقولنا ستتحول إلى وسائد هشّة. ومواجهتنا للتعصّب والتعنّت هي من واقع كوننا موظفين مدنيين، وأننا نصرّح بالحريّة، ولكننا لسنا أحراراً. ضرورات ماسّة بدونما اجتهاد أو أخلاقيات. وإننا نبصق على البشريّة. دادا تتوقف ضمن إطار عمل الوعي الأوربيّ. إنها ما تزال برازاً ولكن، من الآن فصاعداً نريد أن نتغوّط على كل الألوان المختلفة لنحكم غابة الفن بأعلام قنصلياتنا. نحن قادة السيرك. وستجدوننا نصفّر بين رياح مدن الملاهي والأديرة وأحياء الدعارة والمسارح والحدائق والمطاعم…”
وجاء في البيان الثالث
هكذا تولدُ دادا من واقع احتياج للاستقلالية، ومن عدم الثقة بالجميع إن أولئك الذين ينضمون إلينا يحتفظون بحرياتهم. إننا لا نقبل أية نظريات. لقد شبعنا من أكاديميي التكعيبيّة والمستقبلية ومعامل الأفكار الجاهزة…
إننا مثل ريح غاضبة، تمزّق ثياب الغيوم والصلوات، إننا نهيء لمشهد الدمار العظيم: التحلّل والتشتت؛ إننا نُعِدّ لنضع نهاية لتلك المرثاة، ونبدّل الدموع بجنيّات البحر، اللواتي سينتشرن من قارة إلى أخرى، قيثاراتٍ من المتع الناريّة، تقتلع ذلك الحزن المسمّم.
دادا محو الذاكرة؛ دادا محو المعمار؛ دادا محو الرُّسل؛ دادا محو المستقبل؛ دادا الإيمان الكلّي والمطلق بكلّ إله وجد في لحظة عفوية…”.
وبعد الحرب العالمية تخطت الدادائية حدود سويسرا إلى فرنسا فلقيت إقبالاً واستقبالاً معظمه من قبيل الاستطلاع والتطلّع إلى شيءٍ جديد؛ وانضم إليها الشاعر بول إيلوار؛ ثم عبرت المحيط إلى أمريكا حيث كسبت كثيراً من الأنصار من أبرزهم الكاتب هـ.ب لاكرافت (1890-1937) الذي شن حرباً على المدنية والعلم والمادية والمعقولية، وانفصم بفكره عن المجتمع انفصاماً كاملاً، وزاد على أقرانه بأن دأب في رواياته على زرع الشكّ ونشر الرعب في نفوس قرائه، فكان يخترع أشخاصاً ومخلوقات غريبة ومشوّهة ومفزعة، تأتي من وراء الزمان والمكان لتستولي على الأرض وتبيد أهلها وحضارتها. وهذا تعبير عن موقفه السلبيّ الانهزامي اليائس، ورفضه الحياة المعاصرة كلها ورغبته في إنهائها. ومن قصصه: (الذي لايسمّى 1922) و (ساكن الظلام)…
وفي المقطع الآتي، يصرّح بموقفه الدادائي :
“… الحياة شيء كريه؛ وتظهر لنا من كوامن مانعرفه عنها تلميحات شيطانية للحقيقة تجعل الحياة ألفَ مرةٍ أشدَّ كراهية… والعلم الذي يخنقنا دوماً باكتشافاته المذهلة يمكن أن يدمّر النوع البشريّ في النهاية؟ لأن مايكمن فيه من أصناف الرّعب التي لم نعرفها بعد قد لايتحمله عقل من عقولنا الفانية…!”
وقد عجّل بانطفاء الدادائية سأمُ الناس منها؛ فقد أيقنوا بأنها حركة فارغة عدميّة، تدور حول نفسها، وتصرخ في مكانها دون أن تفعل شيئاً لتغيير الواقع، وإذا كان لابدّ للكاتب من وجهة نظرٍ شخصيّة يقول من خلالها شيئاً، يفضي منه إلى منفذ الخلاص، فإن نتاج هذه الحركة لا يتعدى التعبير عن السأم والقرف والتشاؤم واللاّهدف واللاّجدوى. لقد رفضت الدين وزعزعت العقائد والقيم ولم تحلَّ مكانها شيئاً آخر، فواجهت الإفلاس الروحي، وتركت الإنسان الغربيّ حائراً تجاه مصيره.
أما من الناحية الفنيّة فقد هبطوا إلى حمأة العبثية والإغراب الفارغ فاخترعوا مثلاً الشعر الصوتيّ الذي كانوا يلقونه في بعض اجتماعاتهم، وهو مجرد أصوات خالية من الكلمات والمعاني كقولهم:
غاجي بيري بيمبا لولا لوفي كادوري…
أما المسرح لديهم فقد زاول كل تصرف يبهر ويشعر بالحيرة والذعر والعبثية والإبهام واستعملوا فيه الشتائم والألفاظ البذيئة.. وقد قال تزارا مرة: “أنتم لا تفهمون مانعمل؛ حسناً يا أصدقائي، ونحن أيضاً لانفهمه….!”
وأخيراً تعبت الدادائية وهدّمت نفسها؛ فهي حركة جديدة، وفي رأيهم أن كل جديد مايلبث أن يشيخ ويصبح مؤسّسياً ويحمل فناءه في ذاته. وتعب الناس منها فانصرفوا عنها وأهملوها، ورجع بعض أفرادها إلى نفوسهم فأعادوا حساباتهم، فانشق عنها بروتون وأبو لينير وانصرف بعض أفرادها إلى السياسة، مثل الشاعر آراغون. ومن أقوال بروتون مؤسس السّريالية: “إن الدادائية لاتعني شيئاً” ويصرّح بيكابيا بأنالدادائية قد انغلقت على نفسها . وهكذا تلاشت وحلت مكانها السريالية؛ ولكن اتجاهها الساخط والرافض بقي ماثلاً في الأدب يعبّر عن نفسه بأشكال ومذاهب مختلفة مثل مجموعة الشبان الغاضبين التي ظهرت في بريطانيا وحركة السريالية وحركات الحداثة، ومؤلفات كنغسلي، وحركات الشباب الفوضوية التي ظهرت في أواخر الستينيات .