كتب لي جعفر بن محمد بن نصير الخواص ، قال : وحدثني عنه ازديار بن سليمان الفارسي ، قال : سمعت الجنيد بن محمد رحمة الله عليه يقول ، وسئل عن التصوف فقال : اسم جامع لعشرة معاني ؛ التقلل من كل شيء من الدنيا عن التكاثر فيها ، والثاني : اعتماد القلب على الله عز وجل من السكون إلى الأسباب ، والثالث : الرغبة في الطاعات من التطوع في وجود العوافي ، والرابع : الصبر عن فقد الدنيا عن الخروج إلى المسألة والشكوى ، والخامس : التمييز في الأخذ عند وجود الشيء ، والسادس : الشغل بالله عز وجل عن سائر الأشغال ، والسابع : الذكر الخفي عن جميع الأذكار ، والثامن : تحقيق الإخلاص في دخول الوسوسة ، والتاسع : اليقين في دخول الشك ، والعاشر : السكون إلى الله عز وجل من الاضطراب والوحشة ، فإذا استجمع هذه الخصال استحق بها الاسم ، وإلا فهو كاذب .
حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب ، ثنا عبد الله بن محمد بن ميمون ، قال : سألت ذا النون رحمة الله عليه عن الصوفي . فقال : من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق ، وإن سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق .
حدثنا أبو محمد ازديار بن سليمان ، ثنا جعفر بن محمد ، قال : قال أبو الحسن المزين : التصوف قميص قمصه الله أقواما ، فإن ألهموا عليه الشكر ، وإلا كان خصمهم في ذلك الله عز وجل .
وسئل الخواص عن التصوف . فقال : اسم يغطى به عن الناس إلا أهل الدراية وقليل ما هم .
سمعت أبا الفضل نصر بن أبي نصر الطوسي يقول : سمعت أبا بكر بن المثاقف يقول : سألت الجنيد بن محمد عن التصوف فقال : الخروج عن كل خلق دني ، والدخول في كل خلق سني .
وسمعت أبا الفضل الطوسي يقول : سمعت أبا الحسن الفرغاني يقول : سألت أبا بكر الشبلي : ما علامة العارف ؟ فقال : صدره مشروح ، وقلبه مجروح ، وجسمه مطروح . قلت : هذا علامة العارف فمن العارف ؟ قال : العارف الذي عرف الله عز وجل ، وعرف مراد الله عز وجل ، وعمل بما أمر الله ، وأعرض عما نهى عنه الله ، ودعا عباد الله إلى الله عز وجل . فقلت : هذا العارف فمن الصوفي ؟ [ ص: 23 ] فقال : من صفا قلبه فصفى ، وسلك طريق المصطفى – صلى الله عليه وسلم – ورمى الدنيا خلف القفا ، وأذاق الهوى طعم الجفا ، قلت له : هذا الصوفي ، ما التصوف ؟ قال : التألف والتطرف ، والإعراض عن التكلف . قلت له : أحسن من هذا ما التصوف ؟ قال : تسليم تصفية القلوب لعلام الغيوب . فقلت له : أحسن من هذا ما التصوف ؟ فقال : تعظيم أمر الله ، وشفقته على عباد الله . فقلت له : أحسن من هذا من الصوفي ؟ قال : من صفا من الكدر ، وخلص من العكر ، وامتلأ من الفكر ، وتساوى عنده الذهب والمدر .
وسمعت أبا الفضل نصر بن أبي نصر يقول : سمعت علي بن محمد المصري يقول : سئل السري السقطي عن التصوف ، فقال : التصوف خلق كريم ، يخرجه الكريم إلى قوم كرام .
سمعت أبا همام عبد الرحمن بن مجيب الصوفي وسئل عن الصوفي فقال : لنفسه ذابح ، ولهواه فاضح ، ولعدوه جارح ، وللخلق ناصح . دائم الوجل ، يحكم العمل ، ويبعد الأمل ويسد الخلل ، ويغضي على الذلل ، عذره بضاعة ، وحزنه صناعة ، وعيشه قناعة ، بالحق عارف ، وعلى الباب عاكف ، وعن الكل عازف . تربية بره ، وشجرة وده ، وراعى عهده . قال الشيخ رحمه الله : وذكرنا في غير هذا الكتاب كثيرا من أجوبة مشيختهم في التصوف ، واختلاف عباراتهم ، وكل قد أجاب عن حاله .
ويشتمل كلام المتصوفة على ثلاثة أنواع : فأولها : إشاراتهم إلى التوحيد . والثاني : كلامهم في المراد ومراتبه ، والثالث : في المريد وأحواله . ثم لكل نوع من الثلاثة مسائل وفروع يكثر تعدادها ، فأول أصولهم العرفان ، ثم إحكام الخدمة والإدمان .
حدثنا محمد بن أحمد بن حمدان ، ثنا الحسن بن أبي سفيان ، ثنا أمية بن بسطام ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا روح بن القاسم ، عن إسماعيل بن أمية ، عنيحيى بن عبد الله بن صيفي ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما بعث معاذا إلى اليمنقال : ” إنك تقدم على قوم أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله [ ص: 24 ] عز وجل ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله عز وجل قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ، فإذ فعلوا فأخبرهم أن الله عز وجل قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم .

حدثنا عبد الرحمن بن العباس ، ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ، ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير بن معاوية ، ثنا خالد بن أبي كريمة ، عن عبد الله بن المسور : أن رجلا أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله – ، علمني من غرائب العلم قال : ” ما فعلت في رأس العلم فتطلب الغرائب ؟ ” قال : وما رأس العلم ؟ قال : ” هل عرفت الرب ؟ ” قال : نعم ، قال : ” فما صنعت في حقه ؟ ” قال : ما شاء الله . قال : ” عرفت الموت ؟ ” قال : نعم ، قال : ” ما أعددت له ؟ ” قال : ما شاء الله . قال : ” انطلق فاحكم هاهنا ثم تعال أعلمك من غرائب العلم ” .
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ص – 6