عرف الشعر العربي في تاريخه الطويل مظاهر تجديدية كثيرة بدءاً من بشار بن برد الذي كان آخر القدماء وأول المحدثين إلى أبي نواس الذي تمرد على نهج القصيدة ثم كانت ثورة أبي تمام الفعلية على (عمود الشعر) ، ولذلك وقف علماء اللغة يهاجمون ثورته هذه ، وعلى رأسهم ابن الأعرابي . ثم عرف الشعر العربي ثورة في الشكل الموسيقي من خلال الموشح وبعض الفنون الزخارف المستحدثة إلى أن جاء العصر الحديث ، وبدأ الشعراء يتململون تحت وطأة الزخارف البديعية والمحسنات اللفظية الجافة في أواخر القرن التاسع عشر ، وما أن أطل القرن العشرين حتى أخذ الشعراء والنقاد يدعون إلى ضرورة تجديد الشعر العربي ليلائم العصر ، فتنوعت أشكال القصيدة بين الغنائية والموضوعية ، كما تنوعت أشكالها بين شكل الشطرين ، والشعر المرسل ، والنظام المقطعي ، وشعر التفعيلة ، وقصيدة النثر وسواها ، وكان لا بد من أن يتغير الشعر ورسالته لتغير نمط الحياة والتطور الخطير الذي حدث بنكبة فلسطين و تاثير اللحظة النفسية و التاريخية في الوطن العربي كما يسميها احمد المعداوي ، وانتشار المد الاشتراكي بمبادئه الثورية و افكاره التحررية عبر ارجاء هذا الوطن . والواقع ان تجديد الشعراء المعاصرين في أشكال الإيقاع في القصيدة العربية المعاصرة لم يبدأ من فراغ ، وإنما كان استمراراً لجهود شعراء سابقين كانت لهم محاولات كثيرة متعددة للتجديد في العروض العربي فتصرف بعضهم في الأوزان التقليدية ، وتوسع اخرون في الإفادة من الزحافات والعلل ، وحاولوا أن يتحللوا تماماً من قيود الوزن والقافية ومال آخرون إلى نظم قصائدهم على أكثر من وزن ، وكانت محاولات وشاحي الأندلس وجهودهم في التجديد في موسيقى الشعر علامة بارزة في تاريخ هذا التجديد .
لقد استطاع مطران خليل مطران رأس المدرسة الرومانسية ان يتخلى عن الوزن والقافية ودوت من بعده صيحات التجديد في الشعر العربي الحديث ، وانطلقت من اتجاهات ثلاثة: صيحة صدرت عن شعراء الديوان والعقاد وشكري والمازني ، وصيحة من شعراء أبو للو ، وثالثة من شعراء العرب الذين نزحوا في مطلع القرن العشرين إلى المهاجر الأمريكية حيث شهدوا نشاطا ثقافيا وعلميا واسع المدى.
ثم ابتدع رواد الشعر الحديث نمطاً جديداً من الشعر وحدته ” التفعيلة ” تتكرر في القصيدة دون تقيد بالمألوف من وحدة شطرية معروفة في الأراجيز والموشحات تستخدم التفعيلة باعتبارها وحدة بدلاً من السطر ، مع عدم الالتزام بعدد ثابت للتفعيلة يتكرر في كل سطر ولقد أتاحت موسيقي التفعيلة للشاعر إمكانية واسعة للتحرك خلال أشكال غير محدودة من الموجات النفسية كان آخرها الاعتماد على الموجة الشعرية التي تعتمد على دورات نغمية تمتد خلال عدد من السطور وتتسع من خلال الدورة لعدد أكثر من التفاعيل ، فتأتي الأسطر عندهم ليس لها طول ثابت ولا نظام معين ، إذ يتميز شعرهم بقافية موحدة وسموا هذا الضرب من الشعر ” الشعر الحر” وهؤلاء الذين ينظمون الشعر الحر محافظين على وحدة البحر منوعين في القافية ، متصرفين في توزيع التفعيلات ، لا يعدون أنفسهم خارجين على أصول الشعر العربي ، بل يعدون ذلك مظهر حيوية ومرونة تستجيب لجديد من النغم والإيقاع المتمثل في الوزن والقافية.
ثم تتوالى حركات التجديد وتظهر على الساحة ” قصيدة النثر” وفيها رفض روادها من الشعراء التفعيلة كوحدة موسيقية أساسية ، واعتمدوا أشكالا إيقاعية متعددة ضمن بناء القصيدة الواحدة ، لإتاحة أكبر قدر ممكن من الحرية التعبيرية والفنية للشاعر.
أن الشعر الحر هو الشعر الذي لا يتقيد بقافية ولا بحر وقد ارتبط ظهوره بالتغير الثقافي الهائل الذي سيطر على الحياة الأدبية العربية منذ بداية الثلث الثاني من القرين العشرين ولقد فصلت نازك الملائكة في كتابها قضايا الشعر المعاصر معالم دعوتها للشعر الحر ، وبينت أنه ليس انسلاخاً عن الوزن والبحور الخليلية أو خروجا عليها . و يرى يوسف الخال أن الشعر الحر يتيح للشاعر التجرد من رقابة الوزن بتشطيره على الشكل الذي يروق له مع الاحتفاظ بالجرس الموسيقي الأساسي للوزن . ومن أبرز الخصائص الإيقاعية للشعر الحر التحرر من نسقية الوزن والقافية ، استخدام التضمين والتدوير ، ووضوح الدور الإيقاعي للنبر و التنغيم .
ومن أبرز رواد الشعر الحر: نازك – السياب – البياتي – صلاح عبد الصبور – أدوينس – الفيتوري – رشدي العامل- درويش – فدوى طوقان – امل دنقل .