وجدَ (ابو شادي) ان الشعر الحر (Free verse) هي الضرب المناسب لصياغة الملاحم والدراما والشعر القصصي، وهو ليس مطلقاً من القافية، بل هو اكثر مرونة، والشاعر فيه يمكنه تنويع قوافيه تبعاً للفكرة والعاطفة، فضلاً على انه الضرب المناسب لكتابة المسرحية لأن “روح الشعر الحر انما هو التعبير الطليق الفطري، كأنما النظم غير النظم، لأنه يساوق الطبيعة الكلامية التي لا تدعو الى التقيد بمقاييس معينة من الكلام. وهكذا نجد أن الشعر الحر يجمع اوزاناً وقوافي مختلفه حسب طبيعة الموقف ومناسباته، فتجيء طبيعية لا اثر للتكلف فيها لذلك رأينا ان الشعر الحر مناسب جداً للمسرح خلافاً لمن يدعون الى التقيد ببحر معين وقافية معينة على لسان كل متكلم” ودافع بعد ذلك عن الشعر الحر اذ قال: “اني اذا عذرت من لا يقدرون قيمة الشعر المرسل والشعر الحر وتنويع الاوزان والابتداع فيها وأثر كل ذلك في تحرير التعابير الشعرية من القيود الثقيلة ودفعها حرة لتكون للادب العربي شعراً درامياً قوياً بعد أن حرم ذلك طويلاً في ماضيه -اذا عذرت هؤلاء فاني لا أعذر من يجازفون بأحكامهم تبعاً للمحبة والكراهية لذات الشاعر” وقدم تعريفا للشعر المرسل والشعر الحر قبل ان يكتب قصيدته المشهورة (الفنان) فقال مفرقاً: “يعد من الشعر المرسل نسبياً ما تجرد من التزام القافية الواحدة وأن يكن ذا قافية مزدوجة او متقابلة ولكن الحقيقة أن الشعر المرسل Blank verse لا يوجد فيه أي التزام للروي، وفي القصيدة التالية مثل لهذا الشعر المرسل مقترناً بنوع آخر يسمى (بالشعر الحر) Free verse حيث لايكتفي الشاعر باطلاق القافية بل يجيز ايضاً مزج البحور حسب مناسبات التأثير” ويكتب بعد هذا التعريف قصيدته التي قال فيها:
تفتش في لب الوجود معبراً عن الفكرة العظمى به لألباء
تترجم اسمى معاني البقاء
وتثبت بالفن سر الحياة
وكل معنى يرف لديك في الفن حي
اذا تأملت شيئاً قبست فيه الجمال
وصنته كحبيس في فنك المتلالى
تبث فينا العبادة
تبث فينا جلالا لا انقضاء له
أنت المعزى لنا في رزء دنيانا
فانت أنت الأمين على الجمال العزيز
وأنت أنت الأمين على نعيم الوجود
وكل ما أنت تحكيه وترسمه هو المسيطر في الدنيا وأخرانا
وما تركت قشوراً نثيرها في الهواء … الخ
ويجب ان نؤكد ان الشعر الحر في عُرف (ابي شادي) لا علاقة له بالآراء المتداولة عن الشعر الحر الذي نشأ بعد الحرب الكونية الثانية، الذي ازدهر على يد شعراء الشباب في العراق.
وعلى الرغم من جهد (ابي شادي) في البحث عن صياغة موسيقى جديدة تتلاءم مع فكرته بحيث تتيح له مجالاً واسعاً في التعبير، غير انه في كل ما جاء كما يرى (س.موريه) من تجارب في الشعر الحر، كانت تحمل صفات الشكل القديم، اذ أن ابياته تنقسم الى شطرين كما ظل كل منهما وحدة مستقلة بمعناها حيث تشكل القافية بالسكون، أو تنتهي املائياً بحركة طويلة كعلامة على النهاية التي يفضلها الشاعر للبيت او الجزء منه. وبعد، يجب ان نقول الحق ان (ابا شادي) أسهم في حركة الشعر المرسل مع الرواد المجددين، كما تبنى ايضاً حركة الشعر الحر داعياً لها ومحبذاً ومنتجاً.
اما (الشابي) فقد حاول كتابة قصائد على شكل المزدوجات والرباعيات والموشحات غير انه كان مخلصاً للوزن العربي والقافية الموحدة. ومن اكثر الاشكال التي وردت في ديوانه هو الموشح، وقد سلك في كتابته للموشح كما يرى (عمر فروخ) سبيلاً ممُهدّاً موطئاً ذللّه قبله شعراء تونس، بقطع النظر عن قدم هذا الفن في الشعر العربي وكانت موشحاته تأخذ اشكالاً من الترتيب يختلف كل شكل عن الآخر وقد لخصها (عمر فروخ) في سبعة اشكال متنوعة وبهذا يكون (الشابي) من الشعراء العرب الذين احيوا الموشح في القرن العشرين حتى قال عنه (انيس المقدسي): “أما اليوم فهناك اتجاه إلى احيائه (احياء الموشح) والتفنن فيه… وقد استساغه المجددون في جميع الاقطار فشاع حتى بلغ المناطق البعيدة عن مركز النهضة الادبية كتونس مثلاً والحجاز. وفي الاول (تونس) نجده في شعر حسين الجزيري وسعيد ابي بكر ومحمد الفائز وابي القاسم (الشابي)” ، أما قوافيه فإنه كان يميل دائماً الى الرويّ الساكن في اغلب موشحاته خاصة وشعره عامة.
ولا يرى (ابو شبكة) ان الشعر موسيقى أو ان الموسيقى هي اهم عنصر من عناصر الشعر، لان الشعر في رأيه ينزل مرتدياً لبوسه الكامل فلا تنحط الفكرة عن الموسيقى او الصورة عن الفكرة، وهو بذلك يخالف ما قالت به المدرسة الرمزية ان الشعر موسيقى وان النفس لحن. فـ(ابو شبكة) يرى ان الموسيقى واحدة من عدة عناصر متساوية في الاهمية كالفكرة والصورة وبهذه العناصر المجتمعة والتي تجري ضمن حلبة واحدة نراه يهتم بالموسيقى الداخلية في القصيدة.
لم يعارض (ابو شبكة) الاوزان الخليلية، وانما ظل متبعاً لعمود الشعر العربي في اغلب نتاجه، اما قصائده التي لم يتقيد بها بوزن واحد وقافية واحدة فهي لم تخرج عن اسلوب الموشحات الاندلسية من جهة، ولا تخرج عن تقاسيم التفاعيل المعروفة في بحور العروض لا تقيداً منه بالعروض بل جرياً على سليقته العربية وأنفةً من التكلف والاصطناع ولهذا كان اسلوبه الشعري يمتاز باختيار اللحن للموضوع والبحر للفكرة، ويقطع التفاعيل ، ويقسّم الاوزان على وفق ما ينهيه اليه خياله بمعنى ان الاوزان التي التزم بها (ابو شبكة) لم تشكل عقبة في سبيل التعبير عن عمق التجربة فقد طوعها لتناسب تعابيره دون ان يسخر تعابيره من اجلها.
اما تنوع القافية في شعره ، فقد لخصها (منيف موسى) الى جانب قصائده ذات القافية الواحدة، هناك قصائد ذات قواف متشابكة كما في قصيدته (الفلاح) وقصائد ذات قواف متعانقة مثل قصيدته (كأسان) وقصائد ذات قواف تتبع الشكل التناظري مثل قصيدته (ألحان الصيف) فـ(ابو شبكة) بمحاولته هذه يحاول الارتكاز على التفعيلة وعلى القافية داخل البيت.