لديه رغبة شديدة في النوم هذه الليلة، ومع أن جميع من في البيت قد خلد إلى النوم فانه بقي مستيقظا.. فالصوت الغريب الذي يأتيه من مكان ما بالبيت جعله يتتبعه بانتباه شديد لعله يعثر له على مصدر هذه المرة.. فكر من جديد في أن يكون هذا الأزيز آتيا من أنابيب الماء ،ولكنه ابعد عنه التفكير في ذلك ،لأنه تذكر تلك الليلة التي قام فيها من فراشه بكل هدوء على المطبخ ،حيث مكان تجمع الأنابيب، وتحسسها بسمعه غير أن يسمع لها أزيز، مما جعله يقرر بان الصوت غريب عن أنابيب المياه تماما ، لذا عليه أن يفكر في مصدر آخر… وفكر عدة مرات في أن يكون هذا الأزيز آتيا من الثلاجة، وقبل أن يقوم من فراشه ليرجعها تذكر انه سبق له أن قام بتجربة أبطلت أن يكون مصدر الصوت آتيا منها فقد سبق له أن أسكتها نهائيا طيلة تلك الليلة، ولكن الصوت ، مع ذلك ، كان يصل إليه ويقض مضجعه …
شعر الآن بعياء شديد ، وفي الوقت ذاته، باستيقاظ من لا أمل له في النوم ، لذا أطفا النور وتمدد على ظهره ولجا إلى حيلته القديمة واخذ يشبه هذا الأزيز بعدة أشياء محببة إلى نفسه، كينبوع ماء لازال ينحدر بيسر من بعض الصخور في غابة وارفة الظلال … أو كصوت احتكاك عجلات سيارة فخمة في طريق معبدة في رحلة طويلة… أو كصوت سفينة فضائية تعبر به الكواكب نحو العلى إلى ما لا نهاية…وأخذت منه هذه التخيلات زمنا طويلا من غير أن تأتي بالنتيجة المرجوة كالعادة،لذا أضاء الحجرة من جديد، ورفع بين يديه جريدته يلقي نظرات عابرة مسترخية على عناوينها التي قراها في الصباح، واحدث بها صوتا مزعجا أيقظ طفله الصغير الذي انطلق يبكي فخفت إليه أمه، ورفعته بين يديها تهدهده حتى إذا ما عاد إلى نومه وأرجعته إلى فراشه التفتت إلى زوجها، وقالت له وهي تستدير إلى الجهة الأخرى : ” حاول أن تنام… واترك الصغير ينام…” وحذق على لهجتها الآمرة، ونظر إليها من غير أن يجيبها بشيء… ثم اخذ يتمم قراءة المقال… واحدث من جديد خشخشة بجريدته فالتفتت إليه زوجته بسرعة تسأله : “ماذا بك؟ ألا تريد أن تنام…؟ّ”. وفكر في أن يخبرها بقصته مع الأزيز الذي يسمعه، لكنه تذكر تخوفاته من أن تتهمه في عقله، لذا ركز بصره على الحروف من غيران يقراها… ولم يجبها بأي شيء، فاقتربت منه وهي تعيد سؤالها بطريقة أخرى : “هل تحس بألم ما…؟ ماذا يزعجك…؟”، وبسرعة كان يجيبها :” انه الأزيز الذي اسمعه ولا اعرف مصدره…”، وسألته :أي أزيز…؟ّ ! ” فتلعثم وأسرع في البحث عن موضوع يغير به الحديث… لكنه كان يسمعها تقول ” أنهم الجيران، مرة أخرى، ينامون ويتركون جهاز التلفزيون يشتغل…”، وسألها فرحا وهو يبتسم ” ومن أين عرفت ذلك…؟” فقالت له “اقفل نافذة المطبخ الصغيرة، ولن تسمع بعد شيئا…”.
وقام بخفة إلى المطبخ، وعندما اقترب من النافذة الصغيرة واعتلى كرسيا، تبين الأزيز بوضوح فاقفل مصراع النافذة، وعاد إلى فراشه… وعندما تمدد فوقه لم يشعر إلا والنوم يهجم عليه دفعة واحدة لم يترك له فرصة التأكد من أن الصوت حقا يأتي من الجيران…
محمد إبراهيم بوعلو ” الحوت و الصياد” (قصص)،
دار توبقال للنشر ،الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2007- الصفحة 14 وما بعدها( بتصرف)

اكتب موضوعا إنشائيا منسجما تحلل فيه هذا النص، مستثمرا مكتسباتك المعرفية والمنهجية واللغوية، ومسترشدا بما يأتي :

Ø تاطير النص ضمن السياق الأدبي لتطور فن القصة.
Ø تحديد موضوع القصة ومتنها الحكائي.
Ø تقطيع النص إلى متواليا ته ومقاطعه باستثمار خطاطته السردية.
Ø رصد خصائص النص الفنية بالتركيز على :
نوع الحوار ووظيفته.
دلالة الحوار والمكان .
 تركيب نتائج التحليل للكشف عن البعد النفسي في النص، ومناقشة مدى تمكن الكاتب من التعبير عن هذا البعد في شكل قصصي.
ثانيا : درس المؤلفات (6 نقط)
ورد في كتاب ” ظاهرة الشعر الحديث ” لأحمد المعداوى المجاطي ما يأتي :
” على الرغم من أن تطور الشكل الشعري الحديث كان يتم على مسافات زمنية معلومة بالنسبة لكل شاعر ، فقد استطاع الشكل الشعري الحديث ، بعد عشرين سنة من النمو، أن يتجاوز الشكل القديم ، وأقام بين نفسه وبينه جدارا يصعب على قارئ الشعر أن يتخطاه ما لم يلم الماما حسنا بالتحولات الثورية التي أصابت العناصر الأساسية للشكل الشعري ، كاللغة والإيقاع و التصوير البياني ، وما نتج عن تحولاتها مجتمعة من تغير في سياق القصيدة وفي بنائها العام “.
احمد المعداوي المجاطي : “ظاهرة الشعر الحديث”، شركة النشر المدارس ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى 2002، الصفحة : 156.

انطلق من هذه القولة ومن قراءتك المؤلف وأنجز ما يأتي :
Ø ربط القولة بسياقها داخل فصول المؤلف .
Ø إبراز مظاهر التحول في بناء الشكل الشعري الحديث.
Ø بيان المنهج الذي اعتمده الكاتب في دراسة ظاهرة الشعر الحديث.

التصحيح :
الأزيز…
تاطير النص ضمن سياقه الأدبي :
كانت للتغيرات الاجتماعية و السياسية والثقافية في العالم العربي دورا في إرغام الأدباء على البحث عن نمط أدبي جديد ودقيق يكون بمثابة المرأة التي تصور مايقع في المجتمع من تحولات وتغيرات فوجدوا في القصة ضالتهم لكونها أحسن معبر عن صميم الحياة المعيشية فادى ذلك إلى تطورها وازدياد نشاطها وواكبت روح العصر و مستجدا ته فأضحى الإنسان محورها ولبنتها الأساسية ومزقت الأكفان عن الجوانب الخفية ذات علاقة وطيدة بصراع من اجل البقاء في خصم عالم تحكمه الماديات ووصل هذا الفن إلى مكانة مرموقة في العالم العربي فاخذ القصاصون يصورون كل صغيرة وكبيرة في محيطهم.
موضوع القصة ومتنها الحكائي :
انزعاج الشخصية المحورية من صوت غريب حرمها من النوم، حيث حاولت البحث عن مصدر الصوت المزعج لمقاومته واستدراج النوم بكل الوسائل.
تقطيع النص إلى متواليات ومقاطعه :
والنص يمكن تقطيعه إلى متواليات سردية، حيث تحكى القصة وفق نظام تسلسلي يخضع للتراتبية الآتية (بداية ، وسط ، نهاية)، باستثمار الخطاطة السردية يمكن تقطيع النص إلى المقاطع والمتواليات المتعاقبة التالية :
• الوضعية الأولية ( وضعية الانطلاق والبداية) :
رغبة البطل الشديد في النوم بعد ان خلد جميع من البيت الى فراشهم.
• الوضعية الوسطية( سيرورة التحول) :
1. حدث طارئ، ظهور صوت غريب (ازيز) حرم البطل من النوم.
2. تطور الأحداث : بحث البطل عن مصدر الأزيز ، محاولة استدراج النوم ، إزعاجه بحركاته زوجته وطفله الصغير النائمين قربه.
3. النتيجة أو عنصر الانفراج ( حل العقدة : استيقاظ زوجته، وتأكيدها أن مصدر الأزيز هو تلفاز الجيران و إشارتها عليه بإقفال نافذة المطبخ ، قيامه إلى النافذة وإقفال مصراعها.
• الوضعية النهائية ( النهاية) :عودته إلى الفراش واستسلامه لنوم عميق.
ويمكن ملاحظة إن البنية السردية للقصة استهلت بوضعية مستقرة وهادئة وساكنة خلخلها حدث طارئ و مفاجئ ثم أغلقت بوضعية استقرار وعودة الهدوء والتوازن من جديد.
خصائص الفنية للنص :
ويمكن رصد خصائص النص الفنية بالتركيز على نوع الحوار وهو حوار خارجي يدور بين الزواج ( الشخصية المحورية ) وزوجته ( حاول أن تنام واترك الصغير ينام، ماذا بك ألا تريد أن تنام ؟ …) وحوار داخلي ( مونولوج ) يدور بين البطل ونفسيته ( فكر عدة مرات، فكر من جديد في أن يكون هذا الأزيز أتيا من أنابيب الماء…).
أما وظيفة الحوار الخارجي فهي رسم ملامح الشخصيات ( شخصية الزوج مضطربة وقلقة وشخصية الزوجة هادئة وغير مبالية بالأزيز…) والتخفيف من رتابة السرد والإيهام بواقعية الأحداث ، يترك الشخصيات تعبر عن انفعالاتها و مواقفها… وقد أدى الحوار الداخلي بصفة خاصة دورا واضحا في نقل الشحنات العاطفية المتوترة لدى الشخصية المحورية. فما هي دلالة الزمان والمكان في القصة ؟ الزمان = الليل، المكان = البيت (غرفة النوم أو المطبخ ) ، ودلالة المكان : فضاء مغلق حميم ( غرفة النوم ) ودلالة الزمان ( الليل ) : وقت الراحة والهدوء ، وهما دلالتان لم تعكسهما تجربة البطل مع هذين الفضاء ين بسبب الأزيز المزعج.
تركيب النتائج :
إن قصة الأزيز حاولت أن تكشف صورة من الصور النفسية للبطل ، وهي حالة متوترة وقلقة ، والكاتب استمد مادته الحديثة من الحياة سواء أكانت هذه الحياة شخصية ( داخل الغرفة ) أو حياة غيرية ( الجيران) وليس بالضرورة أن تكون قد وقعت فعلا بل يمكن أن تكون محتملة الوقوع وممكنة الحدوث في المجتمع أو الحياة حيث لعب الخيال وظيفة في بناء وتشكيل الحدث وربطه بالواقع ربطا يقوم على الإيهام ، وذلك ما يميز القصة عن الحدث التاريخي وباقي الأشكال الأدبية النثرية ، كما تبرز القصة قدرة الكاتب وموهبته في الاختيار و التميز، حيث سعى إلى الحدث وإبرازه وخلق مواقف مثيرة و مفاجئات كثيرة ووقائع متتابعة ليسير نحو النهاية برابط مبني على مبدأ السببية الذي ضمن للنص تسلسل أحداثه.
المؤلفات :
يعتبر كتاب ظاهرة الشعر الحديث لأحمد المعداوي المجاطي ،من طلائع المؤلفات المغربية التي صدرت حول الشعر العربي الحديث في فترة كان التأليف فيها حول الموضوع مطبوعا بالقلة و النزر، والمؤلف كتاب نقدي ورؤية ذات طبيعة متميزة لكونه يعكس قيما نقدية جمالية امتد دورها ليصل إلى الإنسان وإبداعاته.
وتندرج القولة ضمن الفصل الرابع الذي خصصه الكاتب للحديث عن عناصر الشكل الجديد للشعر العربي وإبراز أهم التغيرات التي مسته من حيث اللغة و الصورة والأسس الموسيقية ونظام القافية أما مظاهر التحول في بناء الشكل الشعري الحديث فيمكن تحديدها انطلاقا من المستويات الآتية :
• مستوى اللغة : ارتباط لغة كل شاعر بطبيعة التجربة التي يعيشها وبمفهوم لدور اللغة في عملية الإبداع…شحن الكلمات بدلالات غير مألوفة…البعد عن لغة الحديث اليومية، وتجنب اللغة التقريرية الجافة…صدور اللغة عن صوت داخلي منبثق من أعماق الذات ومتجه إليها…ميل اللغة إلى الإيماء والإشارة، والهمس.
• مستوى الصور الشعرية : اعتماد حركة الخيال في بناء الصورة الشعرية وربطها بآفاق التجربة الذاتية…توسيع مدلول الصورة الشعرية وتحريرها من اسر نموذج الصور البيانية في البلاغة القديمة…توظيف الرموز والأساطير والأقنعة في بناء الصور.
• مستوى موسيقى الشعر الحديث : ليس ظاهرة عروضية، بل إن ما يحدد علاقة الشاعر الحديث بالعروض هو عاطفته وإحساسه وفكره وخياله…تفتيت الوحدة الموسيقية القديمة…تعدد القوافي والابتعاد بالقافية عن النظام الهندسي الصارم واعتبارها جزءا من البناء الموسيقي العام للقصيدة…الربط بين إيقاع البيت والقافية ربطا عفويا متوازنا.
وقد اعتمد الكاتب في دراسته لظاهرة الشعر الحديث على مناهج مختلفة : اعتماد منهج متكامل يقوم على أساس توظيف منسجم لمقاربات متعددة في دراسة التحولات التي مست الشعر الحديث ( المنهج التاريخي، المنهج النفسي، المنهج الاجتماعي، الموضوعاتي).
كما اعتمد أسلوب الحجاج واهم معالمه التدرج من العام إلى الخاص وإعمال المقارنة كآلية يراد بها الكشف عن مظاهر التشابه والاستشهاد بأقوال كثيرة لمبدعين وكتاب عرب وغربيين قصد أحداث الأثر في المتلقي وضرب الأمثلة الملائمة لسياق التحيين وهي في الغالب العام مقاطع أو نصوص شعرية منتقاة بعناية فائقة.