لا تزال الإنترنيت بعيدة عن الاستخدام المباشر في مجال التنمية بالمعنى الضيق للكلمة. إن الاقتصاديين يعملون على إدخال عامل المعرفة بشكل مباشر وواضح في نظرياتهم ونماذجهم الاقتصادية. “نظرية النمو الجديدة”.
العلاقة بين التنمية وتوليد المعرفة واستخدامها أصبحت واضحة، وتدل الإحصاءات على أن أكثر من 50 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في الدول المتقدمة مبني على المعرفة. وهكذا أصبح الاستثمار في المعلومات أحد عوامل الإنتاج، فهو يزيد في الإنتاجية، كما يزيد في فرص العمل. إن توفير المعرفة وتحويلها إلى معلومات رقمية يجعلها تتحوّل إلى سلعة تزداد أنواعها يومًا بعد يوم ويعتمد ذلك على مراحل :
توليد المعلومات – نقلها ونشرها واستثمارها. كما يعتمد اقتصاد المعرفة اعتمادًا أساسيًا على فعالية الشركات في جمع المعرفة واستعمالها لرفع الإنتاجية وتوليد سلع خدمات جديدة توزع عبر شبكات المعرفة التي تتغير المعلومات فيها بمعدلات سريعة. وستؤدي شبكة الإنترنيت دورًا أساسيًا في تشبيك المعرفة. ففي أقل من عقد من الزمن استطاعت الإنترنت تبديل العديد من المفاهيم الاقتصادية، كما أنها أثرت في الكثير من القطاعات الاقتصادية.
وفّرت الانترنيت المعلومات الكثيرة وبأقل التكاليف، كما أدّت إلى تخفيض تكاليف الصفقات التجارية إلى حدودها الدنيا. هذا ما أدى إلى تزايد استخدام التجارة الإلكترونية وإلى تحسين المنافسة على الصعيد العالمي، كما أدت إلى بروز فعاليات اقتصادية جديدة لم تكن معروفة من قبل. تعدّ الإنترنيت أفضل ما يمثّل مجتمع المعلومات؛ لأنها نتيجة تلاقي ما سمي عصر المعلومات والاتصالات، فهي أداة رئيسة للنشر والتبادل للمعلومات. إن العلاقة بين التنمية وبين توليد المعلومات واستخدامها أصبحت واضحة. وبالتالي أصبح الاستثمار في المعلومات والإنترنيت أحد عوامل الإنتاج – فهو يزيد في الإنتاجية كما يزيد من فرص العمل. والتجـارة عبر الإنترنيت ستكون بين شركات بشكل أساس وهـذا ما سمي بالتجـارة B.To.B=Business-to-Business ومن المتوقع أن ترتفع التجارة عبر الإنترنيت في الولايات المتحدة الأميريكية من 43 مليار دولار عبر الإنترنيت إلى 1300 مليار دولار عام 2003م ، أما في بقية الدول المتقدمة سيرتفع مستوى التجارة عبر الإنترنيت من 45 مليار دولار في عام 1998 لتصل إلى 3200 مليار دولار عام 2003م. وبالمقابل فإن تجارة الأشخاص عبر الإنترنيت التي يرمز إليها بالتجارة B. To. C = Business to Consumer – من المتوقع أن ترتفع في الولايات المتحدة الأميركية حوالي 20 مليار دولار في عام 2004م. كما أن الفرق بين سعر السلعة على الإنترنيت وسعرها عند شرائها بالطريقة التقليدية يؤدي دورًا مهمًا في تشجيع أو إعاقة تجارتها عبر الإنترنيت على سبيل المثال : أسعار الكتب والأقراص المبرمجةCD بنسبة 10٪ على الإنترنت. ومن المتوقع أن تتزايد الطلبات على خدمات إنترنيت بمقدار أربعة أضعاف خلال السنوات الثلاث المقبلة ومن المتوقع أن تصل سوق الإنترنيت في عام 2003م إلى ما يقارب 6.14 مليارات دولار. لقد بلغ حجم التجارة الإلكترونيـة عام 1998م = 3.2 تريليونات دولار – وعام 1999 = 5.3 تريليونات دولار.
بعض الأمثلة على استخدامات إنترنيت اقتصاديًا :
– باعت شركة أمازون مئات الآلاف من الكتب عبر الإنترنيت عام 1996م ما يقارب 16 مليون دولار، عام 1997 = 148 مليون دولار، عام 1998 = 250 مليون دولار.
– حجز تذاكر السفر ونسبة العمولة عليها عن طريق الوكيل تتم بكلفة 8 دولارات، عن طريق الشركة 6 دولارات، عن طريق الإنترنيت دولار واحد. من هنا، لن تستطيع الطرق التقليدية أن تصمد مع جاذبية الطرق الجديدة.
إن الاقتصاد الأميركي حقق نجاحًا كبيرًا بفضل الثورة التكنولوجية للمرة الأولى. فبعد أربعة عقود – سجلت الموازنة الفيدرالية فائضًا لسنتين على التوالي – والمؤشر الأكثر بلاغًا – هو أن الولايات المتحدة بدأت تسدد مديونيتها للمرة الأولى منذ العام 1895م.
إن سر نجاح عالم الإنترنيت يكمن إلى جانب امتلاك البنيـة التحتية الضرورية لنقل الصوت والصورة والمعلومة في السيطرة على المضون والمضمون هذا متعـدد الأشكال، البرامج الترفيهية، التربوية، الإعلامية، الخدمات المباشرة، معلومات مالية، مطبوعات الكتب والأرشيف وصولاً إلى الموسيقى وأفلام الفيديو والسينما.
اقتصاد المعرفة عالميًا وعربيًا :
أ – على المستوى العالمي :
نقلاً عن برنامج الأمم المتحدة الذي يرى أن
اكتشاف مناجم الذهب والسيطرة على الآليات الصناعية لم تعد تؤدي إلى العظمة الاقتصادية، فالسبل الجديدة هي القدرة على إنتاج برامج معلوماتية وإمكانية فك الرموز الجينيات.
الـدول بدأت تركب قطار الاقتصاد والمعرفة وبنجاح :
– أوربا حزمت أمرها في النصف الثاني من القرن المنصرم (الهاتف المحمول – الإنترنيت – الإعلام – الإعلان – الدمج المعلوماتي..).
– أميركا اللاتينية وشرق آسيا.. تضررتا لبعض الوقت إنما استعادتا فيما بعد المكانة في هذا المجال ثم هونغ كونغ – ماليزيا – فنزويلا.
– الهند أيضًا نجحت في بناء صناعة برمجية عالية واستطاعت أن تحصل على 5.18٪ من السوق البرمجية العالمية وشغلت هذه الخدمة 200000 من أبنائها.
– كما شكلت صادرات الهند من البرمجيـات ما نسبتـه 5.4٪ من مجمل صادراتها لعام 1999م. وكان من المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 23٪ في عام 2002م.
– في الولايات المتحدة ارتفع الإنفاق أقل من 5٪ من عام 1960 إلى أكثر من 43٪ مع 1996م. وطبقًا لتقديرات وزارة التجارة الأمريكية (1990/1995م) أثمرت صناعة تقنيات المعلـومـات والاتصال في الولايات المتحدة عام 1990م عائدات قدرها 683 ألف مليار دولار.
– ارتفعت الاستثمارات على مستوى العالم في مجال الاتصال عن بعد من 115 ألف مليون دولار في عام 1990 إلى 152 ألف مليون دولار في سنة 1995م.
مثل : ألمانيا (خصصت لشركة دويتش تيليكوم أكثر من ثلاثة عشر بليون دولار)، اليابان (شركة نيون NTT سبعين ألف مليون دولار).
بريطانيا (تيليكوم ثلاثة وعشرين ألف مليون دولار).
كما أظهر تقرير برنامج التنمية للأمم المتحدة صدر عام 1994م Development Report Human – أن قطاع الخدمات في اقتصاديات دول مثل سنغافورة أو هونغ كونغ أو المجر، كان يشكل أكثر من 60٪ من النشاط الاقتصادي للدولة. وحتى في الدول الأقل تقدمًا شكل قطاع الخدمات 43٪ بينما شكل قطاع الزراعة 37٪ وقطاع الصناعة 20٪.
وهنا جاء قول أحد الاقتصاديين : (كريس فريمان – Freeman) “إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات سوف تحدث موجة طويلة جديدة من النمو الاقتصادي دافعة لنشأة وتطور مجتمعات المعلومات.
إن نصيب الدول الصناعية الكبرى السبع (الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، كندا…) يملكون 46 شركة من أكبر 500 شركة كوكبية هذا ما جاء في المجلة الأميركية Fortune Magazine في 7/8/1997م.
“إن القوة الاقتصادية الفاعلة في تشكيل الكوكبة ترتبط ولـو شكليًا بالدول السبع التي يجتمع رؤساؤها مرة كل عام. إنهم مجلس إدارة اقتصاد العالم”.
لقد أنفقت تلك الأقطار عام 1996م على أعمال البحث والتطوير أي أبحاث تحويل المعرفة العلمية التطبيقية إلى تقنيات إنتاج مبلغ 345 مليار دولار مقاسمة بين الدول والقطاع الخاص”.
ب – على المستوى العربي :
اقتصاد العالم العربي بقي لحقبة طويلة من الزمن مرتبطًا بشكل عضوي بأسعار النفط، فلم يكن هناك من بنية تحتية ولا استثمارات ولا قوانين تواكب التطور التكنولوجي.
المجتمع العربي لم يستعد بعد للدخول في زمرة مجتمعات المعلومات على الرغم من أن صناعة المعلومات قد كسبت أرضًا لا بأس بها في العديد من البلدان العربية بالتحديد (لبنان – دبي ومصر…) إلاّ أنها لا تزال في مراحل البداية.
إن الاهتمام العربي بصناعة المعلومات ينحصر في دعامتين :
– صناعة البرامج والاتصال بشبكات المعلومات.
-صناعة الإلكترونيات الدقيقة وأجهزة الحاسبات الآلية :
والذي هو قائم على الاستيراد للحاسبات المنتجة بصورة كاملة في بلادها أو تتم عمليات تجميع فردي بعد استيراد مكونات الحاسبات بصورة كاملة من بلادها.
أن تتم عمليات تجميع فردية بعد استيراد مكونات الحاسبات بصورة مفرقة من الأسواق المختلفة.
أن 80٪ من قيمة الاستشارات والتصميمات في عالمنا العربي يوكل إلى بيوت الخبرة الأجنبية.
التبادل الأفقي بين البلدان العربية في مجال المعلوماتية يكاد يكون غائبًا. وأسبابه متعددة لعل أبرزها :
– ضعف البنى التحتية.
– مصدر الموارد البشرية والمادية.
– غياب السياسة الوطنية.
– محدودية حجم السوق العربي الذي يصعب فيه اجتذاب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية للاستثمار.
اقتراحات حلول :
الاقتصاد المبني على المعرفة هو اتجاه متنام نحو آفاق التكامل العالمي، متجه إلى اقتصاد عالمي مفتوح وذلك بفضل “ثورة المعلومات والاتصالات”.
الانفتاح على الاقتصاد العالمي يحمل في طياته مخاطر ولكنه يحمل فرصًا جديدة إذا استطاعت المؤسسة أن تطور نفسها وترفع مستوى أدائها وأن تُستثمر تكنولوجيا المعلومات بصورة جيدة.
يمكن تحويل هذه التخيلات إلى آمال وفرص حقيقية من خلال :
1 – إقامة شراكة بين عدة مؤسسات صناعية تجارية في بلدان مختلفة – تكامل مراحل صناعية.
2 – إتاحة الفرصة للاستثمارات التي لا تملك رؤوس أموال هائلة، ولكنها تملك القدرة على العمل في قطاع المعلومات وتمتلك الخبرة.. وروح المبادرة والتنظيم الإداري المتطورّ مما يشكل فرصة عظيمة أمام الجيل الجديد من المستثمرين وتستفيد من شبكة الإنترنيت واستخدام تكنولوجيا المعلومات.
3 – وضع سياسة للمعلومات على المستويين الوطني والإقليمي : لقد زادت مفاهيم وممارسات مجتمع المعلومات المعاصر من أهمية الحاجة إلى السياسة المعلوماتية الوطنية، وهناك اتجاه قوي نحو وضع إستراتيجية للمعلومات في دول مختلفة. حيث تم ذلك في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة واليابان والمجتمعات الإقليمية مثل الاتحاد الأوربي الذي أقر سياسة المعلومات عام 1995م بواسطة مجموعة الدول السبع.
هناك وجود لأفكار جيدة في هذا الصدد طرحت من قبل :”دليل إرشادات إعداد السياسات الوطنية لنظم المعلومات وخدماتها في البلدان العربية.
وفي مشروع إستراتيجية التوثيق والمعلومات في الوطن العربي. تحتاج هذه المشاريع إلى المراجعة وتتطلب الموافقة عليها بعد ذلك وإقرارها وتنفيذها.
إن سياسة المعلومات لابد وأن تتَسم بالشمول والمرونة وقابلية التطبيق. كذلك لابد وأن تستند إلى “مجلس وطني للمعلومات” أو ما شابهه تكون مهمته القيام بمهام التنسيق والتكامل لكافة وحدات قطاع المعلومات.
4 – اعتبار المدخل المعلوماتي منطلقًا لتحقيق الاندماج والتكامل العربي : هذا ما يؤكد عليه (نبيل علي في كتابه “العرب وعصر المعلومات” ص 431) كبديل للمدخل الاقتصادي أو الأمني.
ويؤيده في هذا إبراهيم نافع رئيس تحرير جريدة الأهرام القاهرية في مقاله حول صناعة المعلومات ص 1.
“إن قطاع صناعة المعلومات هو القطاع الذي يُعتقد أنه يمكن أن يُسهم كثيرًا في دفع التعاون العربي / العربي من خلال تكوين سوق عربية مشتركة في هذه الصناعة الواعدة”. التجانس العربي في مجال السياسات المعلوماتية مهم لمواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية وما وراءها من تخطيط سياسي واقتصادي للهيمنة على الدول النامية.
وهنا لابد من اعتبار قضية المعلومات قضية جديرة بالاهتمام من جانب السلطات العليا، عبد الباقي الدالي – “مدير عام مركز المعلومات الوطني التونسي” يطرح تسييس المسألة التوثيقية أو المعلوماتية، أي نقل شؤون قطاع المعلومات في وطننا العربي إلى الساحة العمومية واستحثاث همة السلطة السياسية على تبنّي القطاع – ضمن اهتمامات النظام والتعامل معه رسميًا على غرار القطاعات الحيوية للمجموعة الوطنية.
إن قطاع المعلومات أصبح من أهم وأبرز عوامل التنمية والتغيير الدائم لأي مجتمع معاصر والمجتمعات النامية بصفة خاصة.
5 – الاهتمام بالتعليم باعتباره من أهم مقومات مجتمع المعلومات : إن من ملامح مجتمع المعلومات الاهتمام بالتعليم، تقرير حديث عن مجتمع المعلومات في أوربا عن الحاجة إلى خلق مجتمع التعليم.
العالـم العربي في أشـد الحاجة إلى تعليـم
حقيقي يشجع تنمية القدرات على حل المشكلات والابتكـار ، عن طريق ربط تخطيط التعليم بتخطيط القوى العاملة، ويرتبط بهذا التعليم المستمر والتنمية المهنية، هناك تحديات تواجهنا في المستقبل مساندة محو الأمية المتعددة (الكتابية والإلكترونية بمختلف أشكالها)