بما أنّ الحياة هي الوجه الآخر للموت، والأمل هو توأم اليأس و غريمه، فإن حبّ أدونيس الأكبر هو دمشق الذي وُلد فيها الشاعر. و حتى بعد رحيله إلى بيروت وإلى اليوم، لا يزال أدونيس الإنسان المتحفف من شعره والعابر السبيل في دمشق. و يصنّف المدينة و ينظر إليها كمدينة النهايات أو المدينة المكتملة والمنتهية التي تبقى في جوهرها.
هي: لا يزول؛ مدينة ما هي إلا تنويع على أساسين هما السياسة والتجارب
“نعم، كلام أدونيس التجربة المعيشة، أدونيس الذاكرة والجرح المفتوح، يضحّ ألماً و يأساً، إلى درجة تجعله يعلن موت دمشق ـ المدينة بأكملها و إنتهائها و على نفسها في هوية مطمئنة لا خروج عنها، و في زمن دائري لا خلاص منه. كأنّه هنا يعلن موتها في الحياة لا في الشعر، مسقطاً عنها تنوّع ناسها، بحياتهم و آمإلهم و يأسهم، رافضاً أن يراها مجتمعاً مركباً، لا تحدّه رموز و لا تختصره تصوّرات
و إذا كانت هذه حال دمشق في خطاب أدونيس فما حالها في شعره؟
و ماذا لو كان أدونيس الشاعر أول من يفكك حكم القيمة الذي يصدره أدونيس الإنسان في حق دمشق؟
و ليس غريباً أن يردّ هذا المقطع الشعري من ديوان أغاني مهيار الدمشقي داخل الفصل المعنون بـ «إرم ذات العماد» – هذه المدينة القرآنية التي يعتقد الكثير من الدمشقيين أن الله خصّ بها مدينتهم و التي يستخدمها أدونيس في شعره كمجاز لتلمّس معالم المدينة”. “و ما هي إلا صفحات قليلة في الفصل نفسه حتى يظهر إسم دمشق للمرة الأولي، ليس فقط في هذا الديوان و لكن في مجمل شعر أدونيس. و تردُ دمشق كهوية مضادّة، بمعني النبذ والرفض، و لكن هذه المرة بكلمات شاعر يحاول أن يعيد تشكيل المكان ـ الوطن على معان ذاتية طالما تناستها خطاباتها الوطنية
يقول أدونيس على لسان مهيار الدمشقي:
للوجوه التي تتبيّس تحت قناع الكآبة
أنحني، لدروب، نسيت عليها دموعي
لأب مات أخضر كالسحابة
و على وجهي شراع
أنحني . ولطفل يباع
كي يصلي و كي يمسح الأحذية
و لصخر نُقشت عليه بجوعي
أنّه مطر يتدحرج تحت جفوني و برقٌ
و ليت نقلت معي في ضياعي ترابه
أنحني ـ هذه كلّها وطني، لا دمشق
“إن إخراج أدونيس الشاعر العباسي البغدادي مهيار الديلمي من سياقه المكاني والزماني، و إدخإله في سياق رؤيته الخاصة، سمح لهذه الرؤية بأن تتحرك بين فضاءات الأمكنة والأزمنة والشخوص التاريخية أو الأسطورية، و مكنها من خلق فضائها الشعري الخاص ، حيث تتداخل هذه الفضاءات كلها في فعل الكتابة و تنصهر في حركة النص اللاهث أبداً وراء نبض العالم الهارب إلى المجهول”
“لكنّ مهيار في «الهوية المتحرّكة المسافرة» و هو مع ذلك، مهيار «الدمشقي» في شعر أدونيس. كأن الشاعر ـ بالنّضاد مع ما يمكن أن يكون هوية دمشقية ثابتة، مغلقة، أنانية، مكتفية بذاتها فيحاول عبر مهيار، أن يخرج هذه الهوية من قوقعتها إلى عوالم الصيرورة و النمو والإنفتاح على «الآخر»”
“كأنّ أدونيس يهيئ لفتحه الأكبر مع دمشق ـ و أعني قصيدته «إرم ذات العماد». ففي هذه القصيدة يعيد أدونيس للمادة الشامية روحها العاصية و يجلل المدينة ببخور الشعر و بهاء الكلمة. يسافر أدونيس في جغرافيا المدينة و تاريخها، بين أسواقها وأبوابها و أزقّتها و خلواتها و حماماتها، ليقطف زهر الكلمات و ينثره في غابات المعاني والأزمنة»”… و يتحدى هذا الذي إعتبره بعضهم خارج المدينة. يتحدى المدينة في أغني ما تملك و يملك : أعني لغة المدينة. فإذا نحن أمام أسطر لا تحدّها حدودٌ و معان، عن أسماء الألوان و تماوجها، من الزبيب، إلى البرتقالي إلى الزعفراني إلى الأدبس والأفضح والأشهب إلى و إلى …. من دون أن ينتهي موج الألوان، تولد «إرم ذات العماد» في رحاب «دمشق ]التي[ لا تحيا إلا إذا أعادت بناء السماء»؛ فإذا بالسماء تلوّح هنا على مشارف القصيدة، فتحيا دمشق. نعم، “يتعذر وصف شهوة الكلام عند جدران دمشق «إرم ذات العماد» لكن هذه دمشق تنبسط كالجنة تحت قدمي قاسيون؛ و طرق أدونيس فيها وعرة، و حافياً يمشي هذا الذي قالوا مرّة في وصف قدميه”
لست على سريري المفروش بالجنون
رمليّة النّعاس
لست معي قشّاً ولا يباس
يا امرأة الآلام والصوّان
يا أخت قاسيون
و في مقطع آخر من قصيدة «إرم ذات العماد» يقول فيه أدونيس:
عاد شدّاد عاد
فإرفعوا راية الحنين
و اتركوا رفضكم إشارة
في طريق السنين
فوق هذه الحجارة
باسم ذات العماد
إنّها وطن الرّافضين
الذين يسوقون أعمارهم يائسين
كسروا حاتم القماقم
و استهزءوا بالوعيد
بجسور السلامة
إنّها أرضنا وميراثنا الوحيد
نحن أبناءها المنظرين ليوم القيامة
“أن تصوّر الشاعر أدونيس للمدينة في صورة إمرأة ثمّ في صورة امرأة متعهدة ـ يكاد يكون قسطاً مشتركاً بين عدد كبير من الشعراء، و هي صورة ليست جديدة بل هي متوفرة في الأدب القديم و الوسيط و يستوي عند الشاعر الحديث أن تكون المدينة قائمة تنتسب إلى العصر الحديث، أو ممثلة لحضارة قديمة. و أدونيس يحدّد المدينة التي يتحدث عنها بإسمها غالباً ـ فهي دمشق
و لا يتحدث أدونيس عن «المدينة» بإطلاق إلا نادراً. في هذا ما يؤكد أن الصدمة الناجمة عن لقائه بها ليست ثورة الحضارة أو كرهاً لها، بل هي صدمة علاقة بين ذاتين. فدمشق أدونيس و إرم ذات العماد في الحقيقة امرأة، إلا أنّها كثيراً من صفات المجتمع العربي عامةً، تلك الصفات التي يحاول أدونيس أن يحطّمها و بذلك تختلف غايته من حديثه عن المدينة عن غايات الشعراء الآخرين”
تزييّني بالرمل والذئاب
يا إمرأة الريح الدّمشقيّة
لا قمر عندي ولا ثياب
لكنني جرؤت أن أنام
في وجهك الميت كالخليج
في وجهك المنذور للنّشيج
يا لغة ترسو بلا تحيّة
في مرفأ الكلام
يا إمرأة الريح الدّمشقيّة
“و من السهل أن نجد العلّة في إستعمال هذه الصور، فالمدينة في اللغة «مؤنثة» و في معظم الأحيان كانت حركة التاريخ ضد المدن فتحاً و إجتياحاً و إغتصاباً لها و لنسائها و مواردها و هي ما تزال كذلك إلى اليوم، ثمّ أنّ الشاعر الحديث يألف الصور الجنسية، في زمن يشبع فيه الاغتصاب في المدن الكبرى، كما تشيع الدعوة إلى الانطلاق التام من القيود المتّصلة بالجنس و لذلك يجد إرم ذات العماد صورة قريبة المنال و الأداء، مع أنه ليس من الضروري دائماً (إلا حيث يقرض الجو الفني ذلك) ملاحظة مدينة من هذا المنظور، ذلك أن تكرار الصورة على هذا النحو يجعلها مبتذلة مع الزمن
“أن النفور و من المدينة والحنين إلى الريف نزعة رومانطيقية أصلية و من نماذجها المشهورة «إرم ذات العماد» التي جعلها أدونيس هدف الوصول الصوفي و جعلها رمزاً تعبيرياً أو إيحائياً يعبّر عن فوضوية الاجتماعي السياسي، هذه الفوضوية التي سوف تؤدي به إلى الدمار والخراب،تماماً كما حدث لبابل و سدوم، غير أن التعبير عن الفوضوية لا يأتي من خلال فوضوية النص الشعري، أو فوضوية التعامل الفني مع الرموز. فالقبح لايتمّ التعبير عنه في الفن، بشكل قبيح، و إنّما بشكل يوحي بالجمال. و هذه هي ميزة خاصة يتّسم بهما الأسلوب و الفن الأدبي الرمزي في إستخدام الرموز”
“إن إرم ذات العماد في شعر أدونيس رمز أسطوري و تاريخي وتشير الى مرحلة الطفولة والحب لدى الشاعر، سوء التكيّف مع البرهة الراهنة. كلّ ذلك يدفعه إلى التمّسك باللحظة الخامدة النائية في الوراء كبديل من مثل ذلك الرمز (إرم ذات العماد). إنه تنويع على الماضي والطفولة والحب. أما الموضوعية الصوفية لرمز إرم ذات العماد و في المقطع الذي ذكرناه سابقاً؛ «قل و سلّم جسدك ـ جسدك إليها…» و الذي يعكسها أدونيس في شعره هي أن الموت حقيقة الوجود والولادة نوع من التمنّي يستحيل الوصول إليه. العماد في شعر أدونيس قد مزجت في هذا المقطع بالفكرة التموزية أو العشتارية طرحها أدونيس بكثير من الصراحة و التفصيل و الحدّة.
فعندما يقول الشاعر: «سلّم جسدك ـ جسدك إليها وأُدخلها. أُدخلها و تصالح معها و فيها، شعراً و حربةً و دموعاً» فإنّه يتمنّی عودة عشتار، فهذه دلالة هامة على توقان المنهوم إلى البعث السنين الغائمة الغبارية ـ سنين الشباب والحب البريء والمفرح.
“خوف الشاعر و قلقه وتساؤله حول الحياة والموت جعله يستجدي الحب والحرية ويتسوله في هذا المقطع من القصيدة. و فيها مرارته و شعوره الحاد بالحاجة إلى الآخر. إنه يعاني من إنغلاق الآخر تجاه تساؤلاته الفلسفية حيث تتقوض عاطفته و يشعر الشاعر أنه يخفق في الوصول
فأدونيس يضفي قلقه الذاتي على الأشياء. فهو شاعر القلق ـ قلق الحرية. قلق الحياة، قلق الإنسان المنخرط في عالم يتوجب عليه أن يهدمه و يخلقه باستمرار، و أن يتخطّاه دوماً. فالوجود ولادة أبدية لا تفتر عن التناسل فقلق أدونيس ذهني لا يخلو من موضوعية الفيلسوف.