وليد بليلة
مكتبة الإسكندرية القديمة أو المكتبة العظمى أو مكتبة الإسكندرية الملَكية… تعدَّدت الأسماء إلا أن جميعها تشير إلى صرح أثريٍّ واحد، ومعلَمة معرفيَّة وثقافية واحدة.
ولا يختلف أحد على أنَّها من أعرق وأشهر المكتبات القديمة لفترة ما قبل الميلاد؛ فقد جسَّدت نموذجًا معماريًّا فريدًا مِن نوعه يدلُّ على مستوى رقيِّ وتقدُّم حضارة مصر القديمة؛ حيث كانت كنزًا ثمينًا حفظَتِ الآلاف من المخطوطات والمجلدات والكتب العلمية القديمة في مختلِف مجالات المعرفة الإنسانية، فلا شكَّ إذًا أنها كانت تكتنز بين جدرانها وعلى رفوفها تراثًا علميًّا إنسانيًّا مفقودًا.
أما تاريخ المكتبة القديمة للإسكندرية فيكتنفه الغموض، خصوصًا فيما يتعلَّق بنشأة المكتبة وبداية عهدها ونهايتِه وفقدان مخطوطاتها ومحتوياتها، وذلك راجع بالأساس إلى تضارب الآراء واختلاف الروايات والمرجعيات والأيديولوجيات التي اهتمَّت بسيرة المكتبة وتطوُّراتها.
ترجع نشأة مكتبة الإسكندرية إلى ما قبل ميلاد المسيح، واختلفَت الروايات التاريخية حول تاريخ تأسيسها وهُويَّة مؤسسها؛ فقد ذهبت بعض الرِّوايات إلى القول بأنَّ الإسكندر الأكبر هو أول مَن أمَر ببناء المكتبة بعد دخوله بلادَ مصر، بينما ذكَرَت روايات أخرى بأن خلفاء الإسكندر على مصر (أسرة البَطالمة) هم مَن تولَّوا بناء المكتبة العُظمى؛ خصوصًا في عهد بطليموس الأول، وأضافت رواياتٌ أخرى أنَّ فكرة بناء المكتبة وتخطيطها كان على يد بطليموس الأول بأمرٍ مِن الإسكندر، إلا أن تنفيذ مشروع البناء كان في عهد بطليموس الثاني.
وبالتالي فقد ثبتَت في جميع الروايات أن أسرة البطالمة الملَكيَّة الحاكمة في مصر وإليها ينتمي بطليموس الأول وخليفته الثاني هي مَن قامت بتشييد المكتبة وأنفقت عليها ببذخٍ أموالاً طائلة، واهتمَّ بها ملوك البَطالمة أشد الاهتمام.
وكما اختلفَت الروايات بشأن نشأة المكتبة فقد اختلفت كذلك حول نهايتها نتيجة الحرق الذي لحقها؛ فقد تعرَّضت لعدة حرائق؛ حيث تؤكِّد الروايات التاريخية أن مكتبة الإسكندرية شهدت حريقًا هائلاً دمَّر كنوزها العلمية من الكتب والمخطوطات والمجلَّدات سنة 48 ق.م، عندما أقدم يوليوس قيصر على حرق 101 سفينة موجودة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بعدما حاصرَه بطليموس الصغير عقب اكتشاف مُناصرَتِه ومساعدته للملكة كليوباترا في صراعها معه على العرش، فامتدَّت النيران إلى مكتبة الإسكندرية الموجودة أمام الشاطئ، فالتهمَت محتوياتها ودمَّرتها.
أما ما بقيَ مِن مُحتويات المكتبة فقد أُحرقت هي الأخرى في القرن 4 م بعد أن انتصَر المسيحيُّون على البَطالمة وقاموا بتدمير آثارهم ومنشآتهم، ومِن ضمنها المكتبة العُظمى، وكان ذلك في عهد تيودوسيوس ما بين سنتي 387 م – 395 م؛ كما جاء في كتاب “اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية” (9 / 275)؛ لصاحبه: إدوارد جيبون.
ورغم الروايات التي ذكرناها بخصوص حرق مكتبة الإسكندرية سنة 48 ق.م، ثم في القرن 4، فإنَّ تهمة الحرق لحقَتِ المسلمين بعد ذلك! فجديرٌ بالذكر أن روايات مختلَقة نسبَت جريمة إحراق المكتبة الملكية للإسكندرية إلى الجيش المسلم الذي قام بفتح مصر سنة 641 م تحت قيادة عمرو بن العاص، وذلك بأمرٍ من الخليفة عمر بن الخطاب.
وأوَّل مَن أورد هذه الرواية هو المؤرخ عبداللطيف البغدادي المولود سنة 1162 م / 557 هـ والمتوفي سنة 1231 م / 629 هـ في كتابه “الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهَدة والحوادِث المُعايَنة بأرض مصر”، ثم نقَلها عنه وذكرها المؤرِّخ والطبيب العربي جمال الدين القفطي الذي ولد سنة 1172 م / 568 هـ وتوفي سنة 1248 م / 646 هـ في كتابه “إخبار العلماء بأخبار الحكماء”، ثم أوردها بعدهما في كتابه “مختصر الدول” أبو الفرج بن هارون الملطي المشهور بلقب “غريغوريوس” أو “ابن العبري” وهو لاهوتي وفيلسوف سرياني ولد عام 1226 م وتوفي عام 1286 م.
والرواية المزعومة مفادها أن عمرو بن العاص بعد فتحِه لمصر استأذن الخليفة عمر بن الخطاب في أمر المكتبة بعد أن دخل عليه يحيى النحوي الإسكندراني وطلب منه كتُبَ الحكمة من الخزائن الملكية، فكتب إلى أمير المؤمنين عمر الذي أجابه بكتاب يقول فيه: “أما الكتب التي ذكرتها، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله فلا حاجةَ إليها”، وتزعم القصَّة أن عمرو بن العاص قد وزَّع الكتب على حمامات الإسكندريَّة، وأحرقها في مواقدِها، واستنفَد استهلاكها مدة ستة أشهر.
وفي مقابل هذه الرواية التي تحدثَت عن آخر عملية حرقٍ لمكتبة الإسكندرية على يدِ المسلمين، فإن العديد من المفكِّرين والباحثين العرب والغرب قد دحَضوا رواية الحرق تلك، واعتبروها محض خرافة وأسطورة، ومِن بينهم السوسيولوجي والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، وجاك س. ريسلر، وألفريد بتلر، وعزيز سوريال عطية، وعباس العباس، وعبدالرحمن بدوي وغيرهم.
وهنا سنقتصر على آراء بعضٍ مِن أولئك المفكِّرين الذين كذَّبوا مسألة حرق المسلمين للمكتبة؛ مثل غوستاف لوبون الذي أورد في كتابه الشهير “حضارة العرب” (ص: 208 / 213) تعليقًا على الرواية المزعومة:
“أما إحراقُ مكتبَة الإسكندرية المزعوم فمِن الأعمال الهمجيَّة التي تأباها عادات العرب، والتي تجعَل المرء يسأل: كيفَ جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمنًا طويلاً؟! وهذه القصة دُحضت في زماننا، فلا نرى أن نعود إلى البحث فيها، ولا شيء أسهلَ مِن أن نُثبت بما لدينا من الأدلة الواضحة أن النصارى هم الذين أحرَقوا كتبَ المُشركين في الإسكندرية قبل الفتح العربي بعنايةٍ كالتي هدموا بها التماثيل، ولم يبقَ منها ما يُحرق”.
ويقول كذلك: “ولما أصبحَت النصرانية دينَ الدولة الرسميَّ، أمَر القيصر النصراني ثيودوز – وليس الخليفة عمر بن الخطاب – بإبادة مَعابِدِها وتماثيلها وكتُبِها الوثنية”.
وقد اهتمَّ بمسألة الحرق كذلك ألفريد بتلر في كتابه “فتح العرب لمصر”؛ حيث اعتبر أن تهمة إحراق المسلمين للمكتبة سخافة ومحض خرافة مُستبعَدة علميًّا وعقليًّا، ولذلك فإنه كذَّب رواية أبي الفرج الملطي.
وفي كتاب “تاريخ المسيحية الشرقية” لعزيز سوريال عطية – ترجمة إسحاق عبيد – ذكَر أنَّ “رواية حرق العرب لمكتبة الإسكندرية من نسيج الخيال، وهي أقربُ إلى الأساطير في كلِّ تفاصيلها؛ حيث لا توجد مصادِر مُعاصِرة أو حوليَّة تُشير إلى الحادث من قريب أو بعيد، فعندما وصل العرب الإسكندرية سنة 642 م لم يَجدوا شيئًا من مكتبة البطالمة؛ فقد تمَّ إحراق المكتبة منذ زمن بعيد على يد يوليوس قيصَر عند هجومه على الإسكندرية؛ لمساعدة كليوباترا ضدَّ أخيها سنة 48 ق.م، وعندما صارت الغلبة للمسيحيين في القرن الرابع ميلادي هجموا على آثار الوثنيِّين بالمدينة ودمَّروهم، ومنها مكتبة البطالمة الوثنية، وما بقي من لفائف البردي تهالكت وبليَت بفعل الزمن”.
ولا يسعُنا المقال لذِكر كل أولئك الذين كذَّبوا حرق العرب لمكتبة البطالمة، ولكننا سنقتصر على ذكر أسمائهم؛ لعل القارئ المهتمَّ يَترُك لنفسِه فرصة البحث والتوسُّع في القضية المذكورة، ولذلك فإن على رأس المفكرين الذين دحَضوا عملية الإحراق إلى جانبِ مَن ذَكرنا سابقًا نجد: مصطفى العبادي في كتابه “مكتبة الإسكندرية سيرتها ومصيرها”، ثم عباس محمود العقاد في “عبقريَّة عمر”، ثم إدوارد جيبون في “اضمِحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية”، والكثير غيرهم.
وربما يسأل القارئ منذ بداية المقال عن رأينا الشخصي في الخبر الذي أطَلْنا الحديث عنه، والرأي عندنا واضِح وصَريح نستند فيه إلى حُجج معلومة؛ نَسوقها كالتالي:
1 – إذا كان قد صحَّ خبر إحراق المسلمين للمكتبة، فلماذا لم يذكرْه المؤرِّخون الأوائل الذين أتوا بعد الحادِثة بزمن قصير؛ مثل: حنا البقيومي، اليعقوبي، البلاذري، ابن عبدالحكم، الكِندي، ومَن أخذ عنهم؛ مثل: ابن الأثير، السيوطي، ابن تغري، مع العلم أن كتبهم تعدُّ مِن أوثق وأدق ِّالمصادر التي اهتمت بتاريخ مصر؟!
2 – الشخصية التي تدور حولها القصة – يعني يَحيى النحوي الإسكندراني – الذي طلَب الكتب من عمرو بن العاص، أثبتت الروايات والكتب أنه تُوفِّي قبل الفتح العربي بنحو 30 أو 40 سنة وهو في سنٍّ متقدِّمة.
3 – الرواية المزعومة لم تظهَرْ إلا بعد مرور ستة قرون على الحادثِ على يد عبداللطيف البغدادي في القرن 12 م، ومجرَّد أن الرواية ظهرت بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة يجعلنا نشكُّ في مصداقيتها أمام غياب مصادر سابقة تُشير إلى الخبر ولو مِن بعيد.
4 – الكتب التاريخية وكتابات المؤرِّخين الذين زاروا مصر، خصوصًا في القرنين 5 و6 م لم يُشيروا إلى وجودِ المكتبَة آنذاك، بل أشاروا إلى إحراقها منذ زمن بعيد؛ مما يُبرئ المُسلمين مِن تُهمَة الإحراق.
5 – إذا جاز لنا أن نسلِّم بصحة الخبر فإن الرواية التي ذكَرها البغدادي وأبو الفرج وابن القفطي تقول بأن عمروَ بنَ العاص قام بتوزيع الكتب على الحمامات بالإسكندرية، وهذه الطريقة بعيدة كل البُعد عن سياسة عمرو المشهور بدهائه وفطنته؛ حيث إن تلك الطريقة ستسمح بتسرُّب الكتب عن طريق بيعها أو إخفائها على يد أصحاب الحمامات، أليس حرق الكتب دفعة واحدة تحت إشراف عمرو أفضل له من توزيعها؟!
وخلاصة القول:
إننا نتفق على أن إحراق المسلمين للمكتبة الملكية الإسكندرية تهمةٌ باطلة، وخرافة من خرافات الرواية التاريخية لا أساس ولا ارتباط لها بالحقيقة والمنطق العلميَّين، وربما ابتُدعت لأهداف خفية مرتبطة بأيديولوجيات معيَّنة.