أوراد الناصريين غير ثابتة . فشيوخهم كانوا يحرصون في تلقين الورد على مراعاة أحوال المريدين وظروفهم ومستوى فقههم او علمهم . فما يكلف به الطالب المنهمك في درسه ، أخف مما يكلف به العامي الذي لا يقرأ، أوالمرأة المنهمكة في أشغال بيتها ، الواقفة على تربية أبنائها. ولذلك الورد وقت واسع يمتد فيما بين الفجر وطلوع الشمس، حتى يتفرغ المريد بعد ذلك لقضاء مآربه المختلفة. وإن لها المريد عن ورده ـ بشيء ما ـ فليذكره متى تيسر له ذلك ( فإن ما بين الصبح والصبح وقت واسع ) . ثم يترك الشيخ الباب مفتوحا، فيقرر: ( وليس ذلك العدد ما يفعله المريد، بل كل حسب طاقته وتوفيق ربه ). وقد ذكر أحد كبار تلاميذ الشيخ سيدي محمد بن ناصر الدرعي رضي الله عنه وعنا به ان الشيخ كان يختار ما يناسب الوقت وأهله؛ ولهذا فان الطريقة الناصرية، ملائمة للطباع كلها، ونافعة لكل واحد.
وقد حدد الشيخ سيدي محمد بن ناصر رحمه الله تعالى الورد فقال في إحدى رسائله إلى من التمسوا منه الدخول في الطائفة و الانتساب إلى فقراء الطريقة بالجملة : ( وإذا فرغتم من الأذكار المأثورة بعد صلاة الصبح ، فقولوا : أستغفر الله مائة مرة ، اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مائة مرة ، لا إله إلا الله ألف مرة . ويزاد عند تمام كل مائة من لا الهلا الله ( محمد رسول الله ). وإن استطعتم ألا يفتر لسانكم عن لا إله إلا الله، في كل وقت وحين فهو الكمال..”.
ومع هذا، فإن الشيخ سيدي محمد بن ناصر ميز بين مريديه ، فجعلهم ثلاث فئات :
1 ـ تقتصر هذه الفئة، المكونة من الرجال الذين يعانون القراءة على ما ذكر فقط .
2 ـ فئة العوام الذين يلتزمون بسبعة آلاف من لا إله إلا الله لأنهم لا يستطيعون القراءة . أي انهم لا يقدرون على قراءة القرآن، على عكس الفئة السابقة.
3 ـ فئة النساء حسبهن مائة من الاستغفار، ومثلها من الصلاة على النبي، ومثلها من لا إله إلا الله .
نفهم من هذا التوزيع أن مؤسس الطريقة الناصرية كان يراعي أحوال الناس من التفرغ والانشغال . ولم يزد على ذلك إلا تلاوة القرآن . ولم يفته العمل على سلوك التدرج مع المريدين. فعلى الرغم من أنه حدد العدد، فإنه يترك ذلك لقدرة الإنسان، فلا يشق على أحد. هذا بالنسبة لعموم المريدين . أما المتجردون الموغلون في الانقطاع إلى الله ، فإن أوقاتهم كلها مستغرقة في الذكر. ومن تضاعيف رسالة بعث بها إلى واحد من كبار تلاميذه نستفيد فضلا عن مختلف معطيات أوراد الناصريين؛ ما كان يأمرهم به من أذكار ونوافل وأدعية وصلة رحم وعيادة مريض . والملاحظ أن كل تلك الأذكار والأدعية منصوص عليها ضمن ما هو مأثور.
ولعل فئة المتجردين كانت تتكون من المسنين وممن لا شغل يلهيهم ، فأراد الشيخ أن يعمروا كل أوقاتهم حتى يتجنبوا الفراغ، ويصرفهم عما قد يشتغل به كثير من الناس في تلك الحال كالغيبة والنميمة، وما إلى ذلك مما يترتب عن البطالة. كما تجدر الإشارة إلى أن الشيخ مَحمد ابن ناصر لم يكن يلح على ضرورة الشيخ في كل الأحوال، ولم يلزم مريديه بمنازل معينة في السلوك، أو شارات مميزة. فحتى المسبحة لم يكن ذلك الشيخ يحملها، كما يبدو من خلال جوابه لبعض تلاميذه:”أما السبحة فليس عندنا فيها رواية..”. كما منع لبس الخرقة وهي مع المسبحة كانتا منتشرين بين مختلف الطوائف. ولم يبح الذكر الجماعي، ولو تعلق الأمر بقراءة القرآن . واقتصر على أذان واحد يوم الجمعة
إلا أن العهود التالية شهدت كثيرا من الإضافات. فقد لقن ابنه أحمد الخليفة أحد تلاميذه أذكارأ أخرى، منها أشياء على سبيل التخيير، فقال:
        . “أما بعد سيف النصر صباحا ومساء، إثر الحزب القرآني، فلا بأس بحزب البحر، وسور الواقعة ويس والملك… والمسبعات العشر”. هذا فضلا عن قراءة دلائل الخيرات، وتنبيه الأنام.

محمد المكي بن ناصر