كانت أوراد الناصريين غير ثابتة: لأن شيوخها كانوا يراعون أحوال المريدين وظروفهم. وقد عبر عن ذلك أحد كبار تلاميذهم فقال:”[كان الشيخ] يختار من ذلك ما يناسب الوقت وأهله..”؛ وأدرك آخر النتيجة فقال:” وهي [الطريقة الناصرية] ملائمة للطباع كلها، ونافعة لكل واحد..”.

ومن خلال ما جاء في آخر العقيدة السنوسية؛ يحدد شيخ الناصريين الأول الورد فيقول:”وإذا فرغتم من الأذكار المأثورة بعد صلاة الصبح، فقولوا: أستغفر الله مائة مرة، اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مائة مرة، لا إله إلا الله ألف مرة؛ ويزاد عند تمام كل مائة محمد رسول الله. وإن استطعتم ألا يفتر لسانكم عن لا إله إلا الله، في كل وقت وحين فهو الكمال..”.

ومع هذا، فإن الشيخ ميز بين مريديه، فجعلهم ثلاث فئات:

1 ـ تقتصر هذه الفئة، المكونة من الرجال الذين يعانون القراءة، على ما ذكر فقط.

2 ـ فئة العوام الذين يلتزمون بسبعة آلاف من لا إله إلا الله؛ لأنهم لا يستطعون القراءة. أي أنهم لا يقدرون على قراءة القرءان، على عكس الفئة السابقة.

3 ـ فئة النساء، حسبهن مائة من الاستغفار، ومثلها من الصلاة على النبي، ومثلها من لا إله إلا الله.

نفهم من هذا التوزيع أن مؤسس الطريقة الناصرية كان يراعي أحوال الناس من التفرغ والانشغال. فما يكلف به الطالب المنهمك في درسه، أخف مما يكلف به العامي الذي لا يقرأ. وكذلك بالنسبة للمرأة المنهمكة في بيتها، الواقفة على تربية أبنائها.

ولذلك الورد وقت واسع، يمتد فيما بين الفجر وطلوع الشمس، حتى يتفرغ المريد بعد ذلك لقضاء مآربه المختلفة. وإن لها المريد عن ورده ـ بشيء ما ـ فليذكره متى تيسر له ذلك”فإن ما بين الصبح والصبح وقت واسع”. ثم يترك الشيخ الباب مفتوحا، فيقرر:” وليس ذلك العدد ما يفعله المريد، بل كل حسب طاقته وتوفيق ربه”. ولم يزد على ذلك إلا تلاوة القرآن. ولم يفته العمل على سلوك التدرج مع المريدين.

فعلى الرغم من أنه حدد العدد، فإنه يترك ذلك لقدرة الإنسان، فلا يشق على أحد. هذا بالنسبة لعموم المريدين. أما المتجردون الموغلون في الانقطاع إلى الله، فإن أوقاتهم كلها مستغرقة في الذكر. ومن تضاعيف رسالة بعث بها إلى واحد من كبار تلاميذه نستفيد، فضلا عن مختلف معطيات أوراد الناصريين؛ ما كان يأمرهم به من أذكار ونوافل وأدعية وصلة رحم وعيادة مريض. والملاحظ أن كل تلك الأذكار والأدعية منصوص عليها ضمن ما هو مأثور.

ولعل فئة المتجردين كانت تتكون من المسنين وممن لا شغل يلهيهم، فأراد الشيخ أن يعمروا كل أوقاتهم حتى يتجنبوا الفراغ، ويصرفهم عما قد يشتغل به كثير من الناس في تلك الحال كالغيبة والنميمة، وما إلى ذلك مما يترتب عن البطالة.

كما تجدر الإشارة إلى أن الشيخ مَحمد ابن ناصر لم يكن يلح على ضرورة الشيخ في كل الأحوال، ولم يلزم مريديه بمنازل معينة في السلوك، أو شارات مميزة. فحتى المسبحة لم يكن ذلك الشيخ يحملها، كما يبدو من خلال جوابه لبعض تلاميذه:”أما السبحة فليس عندنا فيها رواية..”. كما منع لبس الخرقة وهي مع المسبحة كانتا منتشرين بين مختلف الطوائف. ولم يبح الذكر الجماعي، ولو تعلق الأمر بقراءة القرآن. واقتصر على أذان واحد يوم الجمعة.

إلا أن العهود التالية شهدت كثيرا من الإضافات. فقد لقن ابنه أحمد الخليفة أحد تلاميذه أذكارأ أخرى، منها أشياء على سبيل التخيير، فقال:

“أما بعد سيف النصر صباحا ومساء، إثر الحزب القرآني، فلا بأس بحزب البحر، وسور الواقعة ويس والملك… والمسبعات العشر”. هذا فضلا عن قراءة دلائل الخيرات، وتنبيه الأنام.

على أن سلوك الشيخ الشخصي قد استمر على المنوال الذي نسج عليه والده، من أذكار ونوافل… هذا من جهة السلوك الصوفي. أما من حيث المنهاج العام، فقد ركب الشيخ الناصري في سبيل الإصلاح كل صعب وذلول.

في هذا السياق تشير المصادر إلى أنه أعلن حربا شعواء على بعض البدع التي كانت شائعة عند بعض الطوائف، مثل “الحضرة” والرقص. بل ظل السماع محرما في الزاوية الناصرية حتى زمن ابن عبد السلام (بداية القرن التاسع عشر).

وكان صنع الخمر معروفا في جهة شفشاون، كما كانت زراعة عشبة التبغ منتشرة في وادي درعة. ومن ثم، كان تناول الخمر وشرب التبغ أمرين منتشرين في تلك الجهات؛ الأمر الذي جعل الشيخ مَحمد ابن ناصر يعلن الحرب على كل من يتعاطى شرب الخمر. وقد وقفنا على رسائله الموجهة إلى سكان تلك الجهة يأمرهم فيها بترك تلك الحرفة، ونبد شرب الخمر.

كما أعلن النكير على مستعملي التبغ؛ فكان يقدم على إحراق العشبة ويعوض أصحاب مزارعها بوادي درعة. وقد سبقت الإشارة إلى أنه لم يتردد في إسداء النصح إلى السلطان نفسه، لتولية من تتوافر فيه الكفاءة في ميداني القضاء والفتوى. ولذلك فقد تكررت في المصادر إشارة

“ولم تكن تأخذه في الله لومة لائم”.