تبدو أهمية البارودي ، كشاعر ، في كونه نجح إلى حد بعيد ، في انتشال الشعرية العربية الحديثة من دائرة الاسفاف والجمود واللعب البياني ، يربطها بينابيع الشعر العربي القديم ، إذ عارض لغة زمانه بالعودة إلى لغة العصر العباسي ، وما تتميز به من متانة وفخامة ، فأعاد إنتاج ما حملته تلك اللغة من قيم ، كما تقول خالدة سعيد ، وهكذا شكل شعره صلة بين النصوص القديمة والمحدثة ، وفي هذا يكمن دوره الايجابي بالنسبة لعصره .
وقصيدته ” هنيئا لريا ” تؤكد انتماءه إلى خطاب البعث والإحياء ، على مستوى المضامين والأغراض وهندسة القصيدة والبناء الصوتي ، وحتى على مستوى القيم .
وتحضر في القصيدة أغراض متعددة ، يمكن إجمالها وإجمال مضامينها فيما يلي :
– مدخل غزلي يتجلى فيه وصف لمشاعر الحب تجاه المحبوبة ” ريا ” ووصف لجمالها .
– غرض وطني يتجلى في الإمعان في وصف الحنين الى الوطن وما يصاحبه من شوق ولوعة البعد عنه .
– غرض الحماسة ويتجلى في تصوير المعركة وأجوائها وما يرتبط بها من أدوات : مدافع / خيل / جنود / .. وما يرتبط بها من قيم : إبراز البطولة / الإقرار بان الشجاعة سبيل إلى المجد / الاقتناع بان الموت مصير كل إنسان .
والملاحظ أن هذه الأغراض التي خاض الشاعر فيها ، هي أغراض قديمة ، استحضرها الشاعر من التراث كما استحضر معها معجمها الشعري ، فالمقدمة الغزلية التي يصف فيها الشاعر جمال محبو بته وحبه لها ، اختار لها من الألفاظ : ( ريا / هواها / فتاة / منصب الحسن / الغيد / اهتزاز القرط / الجيد …) واختار للغرض الثاني ( روضة المقياس / حياك عارض / منازل / أحق الارض بالشكر خل مناصح …) فيما اختار للغرض الثالث الألفاظ التالية : ( القنا / السمهري / القاضب / شمري / غارة / مدافعها / مشاتنا العدا / الصافنات / الكساة / تخوض الموت / الأبطال / الحرب / أغير الرعديد …) .
وهي حقول معجمية تؤكد أن لغة القصيدة تمتح من المعجم الشعري التراثي اذ عالج تجربه الشعرية الجديدة على طريقة القدامى فلم يخط بهذه التجربة إلى الأمام .
والمتأمل في الصورة الشعرية يجد أن القصيدة تعتمد في تشكيل مضامينها على تقنيات البلاغة العربية القديمة ، من تشبه واستعارة وكناية ، ومن التشابيه : تشبه الشاعر اهتزاز القرط في جيد المحبوبة بضوء كوكب باد في مطلع الفجر ، كما شبه الأبطال في ساحة المعركة بالأسود .
ومن الاستعارات إسناد خاصيات إنسانية إلى القنا على سبيل الاستعارة المكنية ( وصافحني فيها القنا ) كما أصبح الصبح إنسانا يبتسم والسحاب يحي روضة المقياس من خلال هطول المطر . ومن الكنايات : ( منازل حل الدهر فيها تمائمي ) كناية عن قضاء فترة الطفولة بحل التمائم .
والملاحظ أن القصيدة جاءت على عروض الخليل وحافظت على وحدة الوزن والقافية ، وإيقاعها يعيد لنا أصداء الأجواء العباسية والجاهلية وذلك من خلال ركوبها بحر الطويل الذي يعد من البحور الملائمة لجو الحماسة حيث يكون فيها المجال أوسع وأرحب ، والقافية جاءت مطلقة ومؤسسة ورويها هو الحاء . من حيث الإيقاع الداخلي فقد تميزت الأصوات بالفخامة والجزالة وبراعة التوزيع واستغلال الخصائص المتمثلة في التوازنات الصوتية .
وننتهي مما سبق إلى أن قصيدة “هنيئا لريا ” إعادة متقنة للماضي من خلال المضامين وإغراق النص في محيط من القدامة واستيحاء الصور من الذاكرة الشعرية والالتزام بالشكل والمعجم القديمين ووحدة الوزن والقافية