يقول جبران خليل جبران في قصيدة شعرية بعنوان “أغنية الليل”:ّ
سكن الليل، وفي ثــوب السكون **** تخـتبـي الأحـلام
وسعى البـدر، وللـــبدر عـــيون **** ترصـد الأيـــام
*****
فتعــالي يا ابـنـة الحـقـل، نزور **** كــرمة العـشـاق
علـنا نطـفي بذيـاك العصـيـــــر **** حـرقة الأشـواق
*****
اسـمعـي الـبلبل ما بيـن الحقول **** يسـكب الألـحان
فـي فضاء نفـخت فيـه الـتــلول **** نـسمة الريحـان
*****
لا تـخافـي يا فتـاتي، فالـنجــوم **** تـكتم الأخـبــــار
وضباب اللـيل فـي تـلك الكروم **** يحـجـب الأسرار
*****
لا تخـافي، فـعروس الجـــن في **** كهـفها المسحــور
هـجعـت سكرى وكـادت تختفي **** عـن عيون الحور
*****
ومـليك الجـن إن مــــــر يروح **** والهــوى يثـنــيه
فـهـو مثـلي عـاشـق كيف يبوح **** بالـــــذي يضنيه !
البدائع والطرائف، منشورات المكتبة العلمية الجديدة، بيروت ص: 157.
أكتب موضوعا إنشائيا متكاملا، محكم التصميم، تحلل فيه هذا النص، مستثمرا مكتسباتك المعرفية واللغوية والمنهجية، مسترشدا بما يلي:
– وضع النص ضمن سياقه الأدبي و الفني
– تكثيف المعاني ورصد الحقول الدلالية و المعجم المرتبط بها و علاقتها بالمدرسة و الشاعر
– إبراز الخصائص الفنية للنص

إذا كان التيار الإحيائي قد بعث القصيدة من خلال الرجوع إلى الماضي والاستقاء منه، فإن التيار الرومانسي تعدى ذلك إلى ربطها (القصيدة) بذاتية المبدع وانفعالاته؛ وذلك راجع إلى ظهور البورجوازية الصغيرة في المجتمع العربي، مما سمح بظهور الفكر الحر، وأدى إلى الاحتكاك بالثقافة الغربية. وجبران خليل جبران من الشعراء المعاصرين الذين أغوتهم الرومانسية كما تشخصت في تيار الرابطة القلمية، فقد شغف بالطبيعة حبا، وكان الشعر أداته التي صور بها تأملاته في ومضات رومانسية، وهي رومانسية وضعت ذاته في مواجهة الطبيعة والكون والحياة مصبوغة بنزعة تشاؤمية مأساوية، وتظهر هذه الخاصية في قصيدته: “أغنية الليل”. والعنوان مركب اسمي مكون من كلمتين” “أغنية” وهي خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه، وهي مضاف، و”الليل” مضاف إليه. ويحيل العنوان دلاليا إلى أغنية قد يكون الشاعر تغنى فيها بأحد ما ولا يريد أن يسمعه أحد، لذلك غنى أغنيته هذه في الليل هاربا من الناس وحيدا منعزلا منكفئا على ذاته؛ وفي ذلك إشارة إلى أبرز خصائص التيار الرومانسي وهي العزلة والتفرد، والهروب من الواقع المعيش إلى الطبيعة. وقد جدد جبران خليل جبران بنية القصيدة ومضمونها فأين يتجلى هذا التجديد ؟ وما مظاهره في القصيدة ؟ هذا ما سنقف عليه في تحليلنا للنص.
2 ـ أكثف المعاني الواردة في النص:
استهل الشاعر قصيدته بهدوء وصمت، تسوده أحلام شاعر حساس يبرز فيها مدى اشتياقه لمحبوبته، ودعوته لها إلى الهروب معه إلى الطبيعة، لينعما بما تتسم به من مناظر خلابة: البدر، الليل، النجوم … لعله يبوح لها بما يخالج خاطره من حب وشوق(العالية الكرن).
3ـ أحدد الحقول الدلالية المهيمنة في النص، وأربطها بنفسية الشاعر، وبالاتجاه الأدبي الذي يمثله النص:
بعد هذه الوقفة المتأنية عند مضامين النص، سننتقل إلى استعراض أهم القيم الجمالية التي عمل الشاعر على ذكرها في هذه القصيدة، ولعل هذه القيم تكون حاضرة في معجم النص تعكسها حقوله الدلالية الخمسة وهي:
أ ـ حقل الإنسان: وتكونه هذه الألفاظ: عيون ـ فتاتي ـ عاشق ـ فهو مثلي.
ب ـ حقل المشاعر: العشاق ـ لا تخافي ـ تختبئ الأحلام ـ عاشق ـ كيف يبوح ـ حرقة الأشواق ـ الهوى يثنيه ـ الأسرار ـ يضنيه.
ج ـ حقا الطبيعة: وتكونه هذه الألفاظ : سكن الليل ـ البدر ـ ابنة الحقل ـ البلبل ـ حقول ـ ضباب الليل ـ الكروم ـ كرمة العشاق ـ الريحان ـ التلول ـ النجوم.
د ـ حقل الزمن: وتكونه هذه الألفاظ: الليل ـ البدرـ النجوم ـ الأيام ـ يروح.
هـ ـ حقل المكان: وتكونه هذه الألفاظ: كرمة العشاق ـ الكهف ـ الحقول ـ التلول.
ملاحظات:
ـ يمكن تقسيم حقل الطبيعة إلى فضاءين اثنيين: فضاء الأرض، وفضاء السماء. تدل على فضاء الأرض الكلمات التالية: (الحقل، كرمة، البلبل، حقول، تلول، الريحان، الكروم). وتدل على فضاء السماء الكلمات التالية: (البدر، النجوم، ضباب، الليل).
ـ يحيل حقل المشاعر على النزعة الذاتية المتألمة، وعلى العذاب الرومانتيكي الغارق في الشوق والخوف، والهروب من الحضارة .
استنتاج: نلاحظ من خلال استقرائنا لحقول النص الدلالية هيمنة حقل الطبيعة؛ وذلك راجع لكون الحركة المهجرية قد قام شعراؤها بالهروب من المدينة والحضارة إلى الطبيعة حيث الفطرة، وقد حاولوا رؤية ذواتهم فيها، وبالتالي فإن هذه القصيدة تمثل بحق تيار الرابطة القلمية التي ينتمي إليها الشاعر.
4 ـ أبرز خصائص النص الفنية مركزا على: الصورة الشعرية، والبنية الإيقاعية:
أولا ـ الصورة الشعرية:
تحضر الصور الشعرية في النص حضورا قويا ومكثفا، ويشهد لذلك أن كل مقطع يشكل صورة قائمة بذاتها وهو ما نصطلح عليه بالصورة المركبة والكلية. هل هذه الصور تؤدي وظيفة نفسية، أم تأثيرية، أم تخييلية؟ أم تؤدي وظيفة فقط داخل النص ؟ هذا ما سنقف عليه عند تحليلنا لها:
لنتأمل الصورة الشعرية الأولى:
سكن الليل، وفي ثــوب السكون تخـتبـئ الأحـلام
أسند السكون إلى الليل، والليل لا يكون ساكنا أو غير ساكن، وإنما الناس هم الذين يسكنون في الليل وينامون، ولذلك يكون السكون في الليل؛ فهو مجاز عقلي فيه إسناد الفعل إلى غير فاعله. وفي جملة: تختبئ الأحلام في ثوب السكون، هنا جاء الشاهر بصورتين اثنتين:
الأولى: “ثوب السكون” جعل السكون إنسانا، وحذف الإنسان وأبقى على شيء من لوازمه وهو: “الثوب” لأن الإنسان هو الذي يلبس الثوب، فجعل الليل الذي يحصل فيه السكون لابسا لثوب السكون الأسود المزركش بالنجوم والمزين بالقمر(البدر).
والثانية: “تختبئ الأحلام” جعل الأحلام تخاف وتهرب من الناس وتختبئ بعيدا عن عيونهم، والأحلام لا تختبئ وإنما الذي يختبئ هو الإنسان أو الطير فحذف الإنسان أو الطير وأثبت شيئا من لوازمهما وهو الاختباء، فجعل للأحلام أرجلا تهرب بها، وعيونا تبصر بها المكان الآمن لتختبئ فيه؛ وذلك على سبيل الاستعارة المكنية.
إذن فالجملة الاستعارية: “تختبئ الأحلام في ثوب السكون” استعارة مركبة من استعارتين اثنتين؛ مفادها: عندما يرحل النهار، وتغيب الشمس، ويحل الليل، وينام الناس، ويذهب الضجيج، ويقبل السكون، ويتزيى الليل بلباسه المظلم الملون بلون النجوم والقمر، تظهر الأحلام التي كانت مختبئة فيه بالنهار، فيصنع الشاعر منها عوالمه الخاصة، التي تؤثت فضاءه الرومانسي بمختلف الآهات، والآلام، وحيدا بعيدا عن عيون الناس.
إذن فهذه الصورة المركبة جسدت الليل، وألبسته ثوب السكون، وجسدت الأحلام كذلك وجعلتها تختبئ في ثوب الليل الساكن الهادئ خوفا من ضوء النهار وشمس عذاباته المحرقة.
فهذه الاستعارة صورت نفسية الشاعر الراغبة في الهدوء والسكون، الهاربة من الضجيج والفوضى والواقع، الباحثة عن الأحلام. وفي تجسيده لليل، وللسكون تحضر الوظيفة التأثيرية للاستعارة، شاء الشاعر أن يجسد هذه الأمور المعنوية من أجل أن يوصلها إلى القارئ، لينفعل هو الآخر بهذا الزمن الجميل في تلك اللحظة الجميلة، ويريده أن يرى بأم عينيه هذا المنظر الجميل قائما أمام عينيه ليقتنع بصدق ما يقوله الشاعر، وفي ذلك إشراك للقارئ عموما في تجربة الشاعر الشعرية.
عمل الشاعر من خلال خياله على منح الاستعارة وظيفة تخييلية تجلت في جعله “الليل” ساكنا، وله ثوب أسود مزركش بالنجوم، ملون بلون القمر، وجعل الأحلام تسكن فيه وتختبئ في داخله خوفا من ضوء النهار، وفي ذلك تصريح بهروبه من الواقع إلى عالم الأحلام. فقد عمل خيال الشاعر على رسم أبعاد هذه الصورة، وعلى القارئ إن شاء فهمها أن يستخدم خياله لاستكشافها، ويقف على أن الأحلام هي حقيقة الشاعر الرومانسي وواقعه الحقيقي.

وكذلك الأمر بالنسبة للصورة الشعرية الأخرى:
وسعى البـدر، وللـــبدر عـــيون /// ترصـد الأيـــام
فهو قد جعل للبدر أرجلا يسعى (يمشي) بها و”البدر” لا يسعى ، وإنما مشيئة الله هي التي تتصرف في الزمان والمكان كيفما شاء سبحانه وتعالى، فهو من باب المجاز العقلي.
وفي جعله للبدر عيونا، تشبيهه بإنسان لأن الإنسان هو الذي يبصر ويرصد، فحذف الإنسان وأبقى على شيء من لوازمه، وهو “العيون” و”ترصد” وهو من باب الاستعارة المكنية التخييلية. جاعلا الليالي البيض التي يضيئها البدر، الزمان الذي يسهر فيه الشاعر متأملا في ذكرياته الماضية، وحالما بمستقبله الآتي المليء بالمخاوف والهواجس. فكأن عيون البدر ترصد ماضي الشاعر فتذكره به، وترصد مستقبله فتخيفه منه.
فقد نقلت إلينا هذه الصورة نفسية الشاعر وصورت خوفه (ترصد دال على المراقبة والتجسس) من الحاضر والمستقبل. كما جسدت الصورة هذا الخوف عندما جعلت البدر كائنا حيا له عيون يترصد بها، راسمة وظيفة تأثيرية للاستعارة تسعى إلى إبلاغ القارئ أن الليلعلى الرغم من سكونه، فإن البدر الطالع فيه يوقظ الهموم ويحفر في الذكريات.
لقد عمل خيال الشاعر على رسم هذه الصورة الأليمة، فقد جعل للبدر عيونا تترصد كأنه شرطي، ينتظر هفوة من هفواته ليلقي القبض عليه. هكذا عمل خيال الشاعر على رسم هذه الصورة، وعلى القارئ كذلك أن يعيد رسم هذه الصورة ويؤطرها بخياله ويستنطقها ليفهم مراد الشاعر. وكذلك الأمر بالنسبة للصورة الشعرية الأخرى فلتتأملوها.
أولا ـ الإيقاع:
ندرس في الإيقاع إيقاع النص الخارجي أي كل ما له علاقة بشكله وبظاهره الخارجي، وندرس كذلك إيقاعه الداخلي مركزين على التكرار والتوازي.
أ ـ الإيقاع الخارجي:
اتخذت القصيدة من بحر الرمل هيكلا إيقاعيا لها ، وهو من بحور الشعر الصافية المؤسسة على التفعيلة الواحدة: “فاعلاتن” التي تتكرر ست مرات في البيت الشعري التام، وأربع مرات في البيت الشعري المجزوء. وغالبا ما يأتي هذا الوزن بهذه الصورة: فاعلاتن فاعلاتن فاعلن *2. وهو في ذلك مثل بحر الوافر الذي صورته الإيقاعية التامة: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن *2. لكنه يأتي دائما وأبدا: مفاعلتن مفاعلتن فعولن*2.
ومن خلال ملاحظتنا للنص نرى الشاعر قد زاوج بين إيقاع بحر الرمل التام في الأشطر الأولى من القصيدة، وبين إيقاع بحر الرمل المجزوء في الأشطر الثانية. كما أنه أسس قصيدته على نظام المقاطع الشعرية، وجعل في كل مقطع شعري بيتين شعريين، كما أنه نوع في حرف الروي (الميم، القاف، الفاء، الراء، الهاء) كما نوع في حركته (الضمة، الكسرة، الفتحة). ونلاحظ من خلال تأملنا لحرف “الروي” أن الشاعر زاوج بين حروف الهمس (الفاء، الهاء) وحروف الجهر (الميم، القاف، الراء) فنراه مرة يهمس، وأخرى يجهر، لكن دلالة الجهر أقوى من دلالة الهمس كما يبين ذلك هيمنة حروف الجهر (في الروي).
إذن، فشكل القصيدة حامل لمظاهر التجديد التي أحدثها التيار الرومانسي في القصيدة العربية الحديثة، فهي رغم خضوعها لبحر الرمل إلا أنه خضوع ليس صارما لكن تغمره حرية كبيرة جعلت الشاعر يتجرأ على التقاليد العربية القديمة ويمزج بين إيقاعين مختلفين لبحر عروضي واحد (تام، مجزوء). وأن ينوع في حروف الروي بين المهموسة والمجهورة، وأن يجعل ذلك كله في مقاطع شعرية يحمل كل منها معنى محددا.
ب ـ الإيقاع الداخلي:
ونقصد به الإيقاع الذي يحصل داخل القصيدة ويحدثه تكرار بعض حروفها، وكلماتها، وجملها، وكذلك توازي جملها، ومعانيها.
ـ التكرار:
ـ تكرار الحروف:
تتكرر في القصيدة حروف معينة، سنصنفها حسب نسبة تكرارها في هذا الجدول:
الحروف اللام الميم النون الراء الباء السين الكاف
تكرارها 48 19 19 18 14 10 10
نلاحظ هيمنة حرف “اللام” وهو حرف مجهور يحقق وقعا موسيقيا يحسه القارئ أثناء قراءته للقصيدة، وينقل الشاعر من خلاله إلى القارئ جهره بمعاناته، وجهره برفضه للعالم الواقعي وهروبه إلى الطبيعة ومنظر الليل الساكن.
ـ تكرار الكلمات:
تكررت في النص الكلمات التالية: البيت1 (سكن/السكون)، البيت:2(البدر/للبدر). تخلق هاتين الكلمتين وقعا موسيقيا في النص، يؤكد من خلالهما الشاعر على أهمية الليل لما فيه من السكون والعزلة عن البشر، وكذلك تأكيد على المنظر الجميل الذي يحيط به عندما يطل فيه البدر، ويجعل الشاعر في سكونه يقلب صفحات الذكريات تارة، ويتأمل في الحاضر والمستقبل أخرى.
ـ تكرار الجمل:
تكررت جملة واحدة في النص في البيتين: السابع والتاسع، هي (لا تخافي يافتاتي…)، وتكرارها في بيتين شعريين مختلفين يجعل القارئ يتنبه إيقاعيا إليهما، باحثا عن دلالة تكرارهما، فيعود إلى التأمل فيهما:
لا تـخافـي يا فتـاتي، فالـنجــوم /// تـكتم الأخـبـــــــار
لا تخـافي، فـعروس الجـــن في /// كهـفها المسحــور
نجد الشاعر قد كرر هذه الجملة من أجل أن يبعث الطمأنينة في قلب فتاته، بأن الليل زمن سكون الناس الذين يتجسسون على غيرهم، وأن الأشياء والكائنات الأخرى التي تظهر بالليللا تتجسس على الغير، وتكتم الأسرار. فالنجوم تظهر بالليل لن تتحدث عن لقياهما، ولن تخبر به أحدا، وكذلك الجن يظهر بالليل لكنه لا يبالي بالبشر لذا فهو لن يبوح بسرهما إلى الغير. إذن فالشاعر يخبر فتاته بأن الشر في الناس موجود، وأن الناس هم مصدر الشرور، وشرهم مرتبط بزمن النهار، زمن الحركة والضوضاء والضجيج، أما الليل فهو زمن الظلام، والهدوء والسكون، زمن البدر، والأحلام، وعروس الجن، وهي أشياء وكائنات ليلية أليفة إلى الشاعر لما تحفظه من أسراره، وعدم مبالاتها به، إذن فلقاء الشاعر لحبيبته في الليل هو لقاء محاط بالسرية التامة.
ـ التوازي:
يحضر التوازي في النص من خلال التوازي التركيبي التام، والتركيبي الجزئي، والدلالي:
ـ التوازي التركيبي التام: مفعول به + مضاف إليه:
كــرمة العـشـاق
حـرقة الأشـواق
فعل مضارع + فاعل مضمر + مفعول به:
تـكتـــــم الأخـبــــار
يحـجـب الأســــرار
ـ التوازي التركيبي الجزئي:
سكن الـ ـليــل و في ثــوب الـ سكـون
و سعى الـ ـبـدر و لــ ـلـــبدر عـــيون
فالتركيب الأول مكون من:
فعل ماض + أداة تعريف + اسم + الواو + حرف جر في + اسم مجرور + أداة تعريف + اسم
والتركيب الثاني مكون من:
الواو + فعل ماض + أداة تعريف + اسم + الواو + حرف الجر اللام + اسم مجرور + اسم
إذن فهو تواز جزئي، فالشاعر قد استبدل في التركيب الأول حرف الجر في بحرف الجر اللام في التركيب الثاني، وكذلك زاد أداة التعريف في التركيب الثاني، وزاد الواو في التركيب الثاني. إذن فهو تواز تركيبي جزئي بالزيادة وبالاستبدال.
ـ التوازي الدلالي:
يحكم كل مقطع من القصيدة معنى واحدا، وبالتالي فكل مقطع يحكمه تواز دلالي واحد؛ مثال ذلك:
فتعــالي يا ابـنـة الحـقـل، نزور /// كــرمة العـشـاق
علـنا نطـفي بذيـاك العصـيـــــر /// حـرقة الأشـواق
تأمل البيتين التاليين، تجد الشاعر ابتدأهما بجملة النداء “تعالي” ونجده ينادي “ابنة الحقل” وهي الخمرة، مضفيا على ذلك مسحة من الحزن المسيطر على نفسيته، ويتجلى ذلك في نوعية الكلمات والعبارات التي وظفها لذلك مثل: ابنة الحقل، كرمة العشاق، نطفئ بذياك العصير، حرقة الأشواق. وتدور كلها في محور دلالي واحد، هو محور الإحساس بالمرارة والحزن، ومناداة الخمرة لإطفاء نار هذه المرارة المتأججة في صدره؛ وهو ما يظهره هذا الرسم:
فتعــالي يا ابـنـة الحـقـل نــــــزور /// كــــــرمــــة العــــــــــــشـاق
علنا نطفي بذياك العصير /// حرقة الأشـواق

5 ـ أركب نتائج التحليل وأبين تجربة سؤال الذات،وأناقش مدى تمكن الشاعر من التعبيرعن هذه التجربة.
تركيب:
عملت مجموعة من الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية على تجاوز التيار البعثي الإحيائي وميلاد اتجاه سؤال الذات والوجدان (الاتجاه الرومانسي) أنشئت القصيدة على بحر “الرمل” التام والمجزوء، مما يعني أن الشاعر نوع في إيقاعها، وزادها تنويعا في تلوين حرف الروي الذي حضر متعددا هو الآخر، إضافة إلى نظام المقاطع الشعرية، مما يعني أن الشاعر جدد في شكل القصيدة الخارجي وأحدث ثورة جزئية على القصيدة العمودية النموذجية. ويتضح من خلال دراسة مضامينها معالم التيار الرومانسي القائمة على الشكوى والبكاء والألم، وهو ما أكده مضمون النص، وكذلك معجم النص المؤسس على كلمات سهلة، والذي هيمن فيه حقل الطبيعة مسايرة لشعار تيار الرابطة القلمية المنادي بالهروب إلى الطبيعة. وأوضحت الصورة الشعرية أن زمن الليل هو الزمن الذي يطلبه الشاعر الرومانسي ويحاول أن يعيشه بكل ما أوتيه من قوة وشاعرية، فهو زمن الغناء والشعر والخمر، لأن الناس ينامون فيه وهم مصدر إزعاجه وقلقه، لذلك فهو يسامر سكونه، ونجومه، وبدره وقد عكست صور القصيدة الشعرية نفسيته المتألمة الباحثة عن الجمال في الطبيعة، وصورت كذلك خوفه من البدر، وهو ما عملت الوظيفة التأثيرية للصورة على إيصاله إلى المتلقي، وكذلك الوظيفة التخييلية المؤسسة على الخيال كما أظهر التحليل. وأظهر تكرار الحروف جهر الشاعر بشكواه وألمه، وأظهر تكرار الكلمات أن زمن الشاعرية هو زمن الليل الساكن حينما يطلع فيه البدر، وأكد تكرار الجمل أن زمن الليل هو زمن الأمن، وأظهره التوازي التركيبي التام الذي حضر في الشطر الثاني من أبيات القصيدة أن الليل ونجومه وبدره يكتمون الأسرار، وأن الخمرة تطفئ نار الأشواق والعذاب، وهو ما أظهره التوازي الدلالي كذلك.
تقويم:
يبدو من خلال هذه الاستنتاجات أن جبران خليل جبران خاصة، ورواد التيار الرومانسي عامة جددوا في شكل القصيدة وجعلوها مختلفة في بنيتها عن القصيدة النموذجية التي أحياها رواد البعث والإحياء. واستطاعوا أن يجعلوا ذاتهم وهمومهم هي موضوع النص، فظلوا مبتعدين عن الواقع الذي كان ينتظر منهم التغيير ومسايرة شعار المرحلة المطالب بالتغيير، وظلوا غارقين في همومهم الذاتية، وهو ما جعل من تجربتهم تيارا شعريا فشل في مسايرة الواقع (انظر: ظاهرة الشعر الحديث، ص:18).
أغنية الليل قصيدة تمردت على بنية القصيدة النموذجية، وعلى مضامينها الشعرية، فكانت بذلك أولى بوادر التحرر من الموروث الثقافي وتجاوزه لتحقيق رؤية مستقبلية إلى القصيدة العربية تجلت في تجربة تكسير البنية مع نازك الملائكة والسياب.
إن قصيدة “أغنية الليل” لجبران خليل جبران قد أوضحت بحق معالم المدرسة المهجرية، التي نادت بالعودة إلى الطبيعة الأم، والهروب إليها، ونادت كذلك بالعزلة، والابتعاد عن الواقع المرير والأليم، وتمجيد الطبيعة والقيم الإنسانية النبيلة ومن ذلك قيمة “الحب” وهذه القصيدة خير مثال على ذلك فقد تحدث فيها الشاعر عن مدى لوعته بمحبوبته، واصفا لقاءه بها فيالليل الجميل، محققا لها الأمن والطمأنينة .